لا تخلو عمليات الجيش المصري في مناطق شمال سيناء وشرقها من تجريف متعمَّد لأراضٍ ومزارع زيتون، هي مصدر الرزق الوحيد لأصحابها من أبناء قبائل المنطقة الذين يعانون منذ نحو ثلاثة أعوام تبعات العمليات العسكرية ضد تنظيم «ولاية سيناء».
الجديد في الإجراءات القمعية، التي ينفذها الجيش، أن غالبية المزارع التي جرفت خلال اليومين الماضيين تعود إلى مواطنين تحسبهم الجماعات المسلحة من المتعاونين مع الجيش، وبينهم من يلقَّبون بالمجاهدين، الذين حصلوا على أوسمة ونياشين من الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ولكن لم تشفع لهم تلك النياشين أمام الجرافات التي مسحت أشجار الزيتون والبرتقال عن وجه الأرض أمام عيونهم.

هذه القسوة تأتي بالتزامن مع تنامي ظهور «ولاية سيناء» في العريش

لكنّ الحملة العسكرية، التي استمرت لنحو ثلاثة أيام في مناطق المهدية والماسورة وحيّ الرسم بشمال رفح وجنوبها، لم تكن كسابقاتها تسعى إلى استهداف بؤر يقول الجيش إنها إرهابية. فقد أكدت مصادر قبلية وأهلية أن الحملة «استهدفت الأخضر واليابس وأطلقت النار على أبرياء، بينهم الشاب زياد افريج أبو مليح، في خلال استقلاله سيارته بصحبة ابن عمه»، لينقل بعد ذلك إلى مستشفى رفح.
وخلال نقل أبو مليح، اعترضت قوات أمنية السيارة وترجل ضابط من مدرعة وأطلق الرصاص على رأسه فقتله. من ثم أزاح الجنود الجثة من السيارة وأضرموا فيها النيران. وتؤكد تلك المصادر أن عدداً من المواطنين، وبينهم زياد، قتلوا دون أي ذنب، فيما «يصدر بيان المتحدث العسكري في المساء حاملاً أسماءهم بصفتهم من أخطر قيادات ولاية سيناء».
كذلك، تؤكد روايات الأهالي أن «عشش» المواطنين الفقراء، التي تضم «دواجن وحيوانات كالماعز والخراف والإبل»، لم تسلم من الإعدام حرقاً في محاولة للقضاء على مصادر دخلهم بعد تجريف أراضيهم الوحيدة الباقية لهم من حطام «الحرب على الإرهاب»، وذلك كي يجبروا على الخروج من مناطق سكنهم.
المشكلة بالنسبة إلى الناس هنا، أن هذه القسوة تأتي بالتزامن مع تنامي ظهور العناصر المسلحين لـ«ولاية سيناء» في مدينة العريش وتنفيذهم عملية ذبح علنية قرب ميدان شهير، فضلاً عن نصب المسلحين حواجز في مناطق حيوية وقريبة من مديرية أمن شمال سيناء، خاصة شارع جسر الوادي. هناك يعمل المسلحون على إيقاف السيارات وتفتيش هويات المواطنين بحثاً عن مطلوبين لهم، إلى جانب دخولهم مقاهي تقع على امتداد جسر الوادي وتحذير القائمين عليها من تقديم «النرجيلة والسجائر لكونها حراماً».
رصيد قوات الجيش لا يزال يتهاوى بالتزامن مع إجراءاته القمعية بحق المواطنين، خاصة مع تراجع النفوذ الأمني وغياب الجيش والشرطة عن شوارع العريش، مقابل قمعهم سكان المناطق الحدودية لإجبارهم على الرحيل بعد تجريف أراضيهم ومزارعهم وقتل ماشيتهم، وهو ما يرفضه أبناء تلك المناطق الذين عاينوا ما حلّ بمن هجّروا عن منازلهم قبل سنة.
رئيس جمعية «مجاهدو سيناء» والبرلماني السيناوي الأسبق، الشيخ عيسى الخرافين، وهو من سكان قرية المطلة في رفح، يقول إنه وقبيلته دعموا الجيش خلال حروب 67 و73، مضيفاً: «حصلت على نوط الامتياز من الدرجة الأولى وعلى وسام نجمة سيناء كمجاهد سيناوي شارك في الحرب ودعم القوات المسلحة... استهدفني الإرهابيون بإطلاق رصاصة سكنت رأسي بدعوى تعاوني مع الجيش»، ولكنه يقول: «يوم أمس وصلت جرافات الجيش إلى بيتي وجرفت ما لا يقل عن ثلاثة فدادين من أشجار الزيتون والبرتقال».
يصمت لدقائق ويعاود حديثه: «قتلوا فينا كل شيء... حتى الأشجار التي رويناها بدمنا وعرقنا صارت كجثث تنتشر من حولنا. هذا حالي وأنا الشيخ المجاهد، فما حال بقية المواطنين البسطاء والضعفاء ممن لا سند لهم ولا ظهر إلا الله تعالى».
ووفق «المرصد السيناوي لحقوق الإنسان»، فإنه قتل قرابة 1200 من أبناء سيناء خلال العمليات، بينهم نحو 800 شخص بالرصاص على الكمائن وفي الشوارع، فيما قتل 500 آخرون سقطت قذائف عسكرية على بيوتهم في مناطق المقاطعة والمهدية والشلاق والثومة والظهير ونجع شيبانة وأبو شنار والماسورة جنوبي الشيخ زويد ورفح.