تضيع الأصوات الباحثة عن فرصة للعزف أو الكتابة أو الغناء، ما بين مقاتل وآخر، ويحلّ صوت الرصاص مكان أنغام الغيتار. وإن بدا الموسيقي أكثر حساسية حيال الموت والقتال من الأشخاص «العاديين» ما يحتّم رحيل الألحان خارج دائرة الحرب، فإن بعض الموسيقيين بقوا وراء المتاريس، يحرسون الحياة ريثما يعود الزملاء الغائبون، فغاصوا في الحرب حتى آخرها. وظهرت صورة المقاتل منهم يحمل بندقيته بيمينه وآلته الموسيقية بيساره، في مشهد عبثي يحمل أغرب تناقضات الحياة.
صرخات رجال يواجهون الموت تعلو السواتر الترابية على الجبهات السورية المشتعلة. يتحوّل الموتى لاحقاً إلى أرقام تنتهي بقبور، ينعم بعض أصحابها بشواهد حجرية، فيما يضيع البعض الآخر في عداد المفقودين. تخترق، فجأة، أنغام آلة الكمان أصوات الحرب المستبيحة كل شيء. النغم يعزف لحن أغنية hello لـ«ليونيل ريتشي»، من أعمق نقطة في إحدى القطع العسكرية. والعازفان مقاتلان سوريان، براء قزيز على الغيتار يرافق غيث مصطفى على الكمان، وتتشكل المقطوعة. حلم المعهد الصغير الحديث التأسيس في طرطوس استيقظ في غيث مصطفى، وهو الذي ترك الحياة في مدينته الصغيرة، ملتحقاً بصفوف الجيش في ريف دمشق. الذائقة الموسيقية المشتركة جمعته مع براء، الذي كان شغوفاً بتعلّم العزف على الغيتار، ووجد في رفيق السلاح المعلّم المطلوب. تناسى الاثنان تعب العمل والمناوبات وما ينتج منها من حصار ومرض وبرد. تسجيل مصوّر للمعزوفة الشهيرة انتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي رفع الأنظار باتجاه الموسيقيين المحاربَين. يقول غيث لـ«الأخبار»: «إن كنا حالياً نعيش ظروفاً صعبة لا تسمح لنا بالتطور موسيقياً، إنما سأتابع مع صديقي براء تقديم معزوفات تقول للناس إننا ما زلنا قادرِين على صناعة الجمال».

علي ترك فرقته الموسيقية التي أسّسها في حمص

في نظره، يمتلك الموسيقيون أكثر من سواهم «قوة التأقلم مع أساليب الحياة، لأن الموسيقى نغمات وأبعاد وتغيرات في الزمن».
التناقضات ذاتها يعيشها الموسيقي علي القش، المصور التلفزيوني السابق، إذ يحاول المقاتل على إحدى جبهات ريف حمص الجنوبي، ضبط مهماته الثلاث كموسيقي ومصور ومحارب، وفق إيقاع واحد. علي ترك فرقته الموسيقية التي أسسها في حمص، ويقول لـ«الأخبار»: «خسرت الكثير من التقنيات والمهارات، التي تحتاج استعادتها إلى الكثير من التمرين. هناك ما أفتقده في أعماقي». ويضيف: «أنظر إلى الموت برهافة، وأنتظر المجهول رغم إيماني بثقافة الشهادة. إنه مجهول يشبه تأديتي معزوفة، منتظراً ردود أفعال الناس، أو التقاطي صورة، مترقباً آراء المشاهدين». ويتابع: «أواصل كتابة مقطوعات موسيقية بين وقت وآخر، وفرقتي الموسيقية تتابع نشاطها. الفرق يكمن في إيقاع حياتي اليوم، من الآلات الموسيقية إلى إيقاع الرصاص والقذائف. وتغيرت الآلات بين يدي، وللمفارقة، من ساكسفون وترومبون إلى دبابة».


خارج إيقاع الحرب

على المقلب الآخر، اختار موسيقيون متابعة طريقهم مع الموسيقى في مكان آخر، مبتعدين عن أجواء الحرب. مع بداية عام 2011 كان الوسط الموسيقي السوري يترقب نجماً شاباً، امتشق العود ليعزف على أهم المسارح. يحفظ السوريون جيداً اسم كنان ادناوي، إذ كانت المسارح السورية تكتظ لسماع مقطوعاته، وانتهى به المقام بعدما حطت الحرب أوزارها، في الولايات المتحدة. الفتى الذي بدأ رحلته الموسيقية من بلاده ومسارحها المترهلة إدارياً، لا تفارقه الهواجس الموسيقية هنا: «كيف ستكون هوية الموسيقى السورية مستقبلاً؟ ماذا سنقدّم إليها؟ ماذا سنضيف وكيف؟». «تغيير البيئة بالنسبة لأي موسيقي صاحب مشروع حقيقي»، برأيه، «ضرورة، ولا سيما إن كان يبحث عن اكتساب خبرة وعمل». «تكملة التجربة خارج البلاد كان لها أثر كبير على الموسيقى التي أكتبها الآن، إضافة إلى الدراسات الموسيقية العليا التي أتابعها، والتي لا تتوافر في بلادنا»، يقول كنان في حديث لـ«الأخبار». يحيّي العازف السوري «العاملين بجد للمحافظة على الإرث الموسيقي»، مشيراً إلى أن «الموسيقى بعد الحرب أصبحت ضمن نطاق أضيق من ذي قبل، إنما استمرار تقديمها ضمن هذه الظروف سيكسبها انطلاقة نحو أفق أكبر وأجمل». حصيلة سنوات الغربة، لدى الادناوي، إنتاج عملين موسيقيين، إضافة إلى دراسة الماستر في الموسيقى، فيما يتابع عروضه الموسيقية، مقدماً موسيقاه كعازف من سوريا في الكثير من البلدان. وعد أطلقه كنان قائلاً: «مهما طال الغياب فسأدرس وأعود وأنقل تجربتي، وأهديها إلى كل موسيقي وطالب موسيقى في البلاد».
البلاد التي ضاقت بموسيقييها وفرص عملهم، لم تغلق أبوابها في وجه الموسيقي فراس حسن، الأستاذ في المعهد العالي السوري للموسيقى، اختصاص طبلة ورقّ. أستاذ الموسيقى الذي عزف مع كبار الموسيقيين على مسارح العالم، عدّ نفسه أكثر حظاً من سواه، إذ قلّت فرصه خلال الحرب، دون أن تنعدم، مثله مثل جيل كامل من الموسيقيين الشباب المتخرّجين الذين أصبحوا بين خياري السفر أو الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية. يرى فراس أن الكثير من الموسيقيين «الذين يعيلون أسرهم، أصبحوا بلا عمل، بحكم الحرب، بعد امتهانهم الموسيقى لسنوات». فراس حائز منحة معيد من إحدى جامعات اسبانيا، عام 2012، ما أتاح له فرصة التعرف على أنماط موسيقية عدة كالجاز واللاتين والفلامينكو. لم يفكر الموسيقي الشاب في السفر خارج البلاد في بداية الحرب، رغم أسفاره المتكررة إلى بلدان عدة، إذ كان لديه «إيمان أن الأحداث ستنتهي قريباً»، غير أن نيله المنحة الدراسية من جامعة بيركلي شجعه على السفر، وهو حال 90% من زملائه الموسيقيين. ليست الحرب وحدها ما أحبطت الموسيقيين الشباب، بل كان فراس والعديد من زملائه يتقاضون أجوراً بالساعات، دون تثبيتهم في وظائفهم، مع العلم أن عدد المدرسين في المعهد العالي للموسيقى لم يتجاوز 20 مدرّساً، ومنهم من يشغل منصبه منذ أكثر من 10 أعوام. فراس المقيم حالياً في ألمانيا، باعتباره مدرساً لمادة الإيقاع العربي والشرق متوسطي في إحدى الجامعات، يقول لـ«الأخبار»: «أتمنى العودة إلى سوريا. والكثير من زملائي يشاطرونني هذه الأمنية، إنما هنالك عوائق عديدة منها تسوية أوضاعنا مع وزارة الثقافة. شخصياً، ألغت وزارة التعليم العالي معادلة شهاداتي اللبنانية بعد 5 سنوات من حصولي عليها، إذ لم تعترف الوزارة بإجازتي الجامعية، في الوقت الذي نلت فيه على أساسها منحة من جامعة أميركية لدراسة الماجستير». ويضيف: «ليست الحرب ما يمنعني من العودة إلى بلدي، إنما العوائق الإدارية».