كان الداعية السوداني حسن الترابي يستحسن، في السنوات الأخيرة، وصف إعلاميين وباحثين لسيرته بأنّها على شكل الحياة السياسية في السودان منذ عهد الاستقلال، في منتصف القرن الماضي، لما تتضمنه من انقلابات واضطرابات واعتقالات، وربما أيضاً لما تتصف به من مواقف «ثأرية». في مقابلة متلفزة أجراها عام 2011 ــ قبل أيام من إجراء استفتاء جنوب السودان الذي أدى إلى انفصال الإقليم وتحوّله إلى دولة ــ ضحك الترابي، حينما توجهت إليه محاورته مكررة الوصف، وقال إنّ السودان «بلد مضطرب... (هو) أقوام وشعوب اجتمعت، فإما أن تمتزج كلها مثل الولايات المتحدة، أو يحدث بينها بعد ذلك الارتباك والمباينة»، معتبراً في سياق حديثه أنّ الحكومات المتعاقبة على البلاد لم توحّد الناس، وبات لا يمكن استدراك المخاطر. وحذّر في الوقت نفسه من أن ينتهي مصير البلاد إلى ما انتهى إليه الصومال.
رؤية الترابي إلى المجتمع السوداني وانقساماته، وتحذيره الحاسم حيال المخاطر التي تتهدد بلاده، قد لا يلغيان واقع أنّ حدث انفصال الجنوب يمثّل لحظة مفصلية في تاريخ السودان، وأنّ حسن الترابي، بوصفه أبرز وجوه الحركة الإسلامية في البلاد، قد يتحمّل مسؤولية تاريخية، بالنظر إلى أنّ أحد أسباب الانفصال غير المباشرة نزوع عهود متعاقبة إلى «الأسلمة» واللجوء إلى الشريعة الإسلامية في فترات مختلفة، كما يحاجج بعضهم، رغم نفيه ذلك، في عدد من المناسبات.
في هذه البلاد «المضطربة» منذ الاستقلال، بدأ الترابي منذ الخمسينيات (وهو العائد إلى بلاده بشهادات أكاديمية من بريطانيا وفرنسا) مسيرة ستجعله يتبوّأ، في مدة قياسية، صدارة الحركة الإسلامية في البلاد، وتقوده حتى يكرّس نفسه كأحد وجوه العمل الإسلامي في العالمين العربي والإسلامي. وقد ساهمت في نجاح مسيرة الترابي عوامل عدة، أبرزها: أرضية خصبة في السودان سمحت بنمو الحركة الإسلامية؛ تزامن ذلك مع بداية اتساع نفوذ «الإخوان المسلمين»، وتقديمه في وقت لاحق نموذجاً آخر عنهم، وارتكاز مواقفه السياسية على الواقعية واتصافها بالتقلّب، حتى وصفه بعضهم بـ«الماكيافيلي» و«الثأري».

أطلق الترابي «الجبهة الإسلامية القومية» التي سيطرت على الحكم

السودان: نجاح الحركة الإسلامية

يرى الباحث المصري في شؤون الحركات الإسلامية، أحمد بان، أنّ حسن الترابي مثّل شخصية «تغرّد خارج السرب»، إن كان في السياسة، أو ضمن الحركة الإسلامية في السودان بصورة عامة. ويقول لـ«الأخبار» إن الترابي «مفكّر من داخل الحركة الإسلامية، ويوصف بالمفكر التقدمي الذي رفض البقاء ضمن (الأطر) المغلقة»، في إشارة إلى أنه «بدأ مع جماعة الإخوان المسلمين، ثم خرج عنهم».
في أواخر زمن الاستعمار في السودان، كان الخطاب الأساسي الذي يقوده «حزب الأمة» كما «الاتحاديون» (نسبة إلى من كانوا يطالبون بالوحدة مع مصر) والشيوعيون أيضاً، يتركز في معظمه على المطالبة باستقلال البلاد. وكانت الأحزاب المتشكلة على صورة مجتمع تقليدي لا تأتي بخطاب تقدمي، ما سمح بإطلاق الحركة الإسلامية (بتأثير من الترابي). وهنا نجح الترابي بالفصل بين الطرفين (الأحزاب والحركة الإسلامية).
بعد نحو عقد من الاستقلال، وعقب الانتفاضة على حكم الفريق إبراهيم عبود، كان الشيوعيون يمثّلون القوة الثالثة في البلاد خلف «الأمة» و«الاتحادي»، ويتقدمون «جبهة الميثاق الإسلامي» المتشكلة حديثاً، التي كان حسن الترابي أميناً عاماً لها. لكن في نهاية 1965، اجتمعت القوى الثلاث ونجحت في إقرار حلّ «الحزب الشيوعي».
لا يمكن القول إنّ عهد جعفر النميري أقصى الحركة الإسلامية والأحزاب الأخرى التي يرفدها إسلاميون، بالنظر إلى أنه جرى التكاتف، ولم يكن هناك مجال حتى لظهور الخلافات في ما بين تلك الأطراف.
يقول القيادي السابق في «جماعة الإخوان المسلمين»، كمال الهلباوي، في حديث إلى «الأخبار»، إنّ الترابي «كان مؤمناً بالمشروع الإسلامي، يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، سواء عندما كان فى جبهة الميثاق الإسلامي العريضة، التي ضمّت إلى جانب الإخوان حركات وجماعات وشخصيات أخرى ممن يؤمنون بالبرنامج المشترك للجبهة، والسعي لتطبيق الشريعة، أو عندما قاد الإخوان المسلمين في السودان في السبعينيات».
ويضيف الهلباوي أنه «من منطلق معرفتي الدقيقة بالدكتور الترابي وبالحركة الإسلامية في السودان، فإنني أرى أنه كان مؤمناً بفكر الإخوان المسلمين مع الرغبة في تطويره، وتطوير مفاهيم الحركات الإسلامية الأخرى وهياكلها جميعاً». ويستدرك: «أقول هذا رغم أن بعض الإخوان كانوا يرتابون من توجهات الترابي الفكرية، وفتاواه، وموقفه من التربية عند الإخوان».

طلاق مؤقت مع «الإخوان»؟

جاء خروج حسن الترابي من الاعتقال عام 1977 نتيجة «مصالحة» بين نظام النميري والحركة الإسلامية، مع تبوّئه في وقت لاحق مناصب رسمية (أهمها فعلياً ترؤس لجنة لتعديل الدستور بصورة توائم الشريعة) ورعايته الفعلية لمؤسسات اقتصادية وتجارية غير رسمية، ما سيسمح له بتوسيع نفوذه و«سطوته»، وهو ما سيعيده إلى الاعتقال. بعد ذلك، سيفك الوحدة مع «الإسلاميين» ويطلق حركته مجدداً منتصف الثمانينيات، لكن هذه المرة في ظل «طلاق» مع «الإخوان».
يصف الهلباوي مجمل العلاقة بين الطرفين بقوله إنّ «علاقة الترابي بتنظيم الإخوان كانت علاقة طيبة حتى قيام التنظيم العالمي، في أوائل الثمانينيات، ورفض الترابي البيعة آنذاك. انشقت الحركة في السودان، وهاجم بعض أعضاء التنظيم الدولي الدكتور الترابي ومنهجه». ويضيف أنّ الترابي «ممن يسعون ــ في العمل السياسي ــ إلى الحشد الجماهيري، وتكثيف المعارضة الواسعة ضد الاستبداد. وكان يسعى للوصول الى إطار أوسع وأنسب للعمل الدعوي محلياً وعالمياً، بدلاً من مجرد الارتباط بالتنظيم العالمي، أو الاقتصار عليه. كان يرى أنّ الحركة تعاني من الركود والهيكلية الجامدة التي لا تستوعب السند الشعبي، وأنها تحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى».
يحكي القيادي المصري السابق في «الإخوان» أنه «من الناحية السياسية، كان (الترابي) يرى إمكانية المشاركة السياسية مع أنظمة غير إسلامية، حتى مع الأنظمة الاستبدادية»، في إشارة على الأرجح إلى تبرير المفكر السوداني القبول بالمؤسسات غير الإسلامية «عندما يكون المجتمع بحاجتها»، خصوصاً أنّ الحركة الإسلامية يجب أن تصل إلى تكريس مرحلة المجتمع الإسلامي الذي يحتضن الدولة.
ويستطرد الهلباوي في حديثه: «كانت للترابي اجتهادات عدة بعيدة عن ثبات دعوة الإخوان على مفاهيمها، من ذلك دعوته إلى تطوير أصول الفقه، وكذلك التوقف في حدّ الردة أو مسألة زواج المسلمة في الغرب، خصوصاً من الكتابي».
ويجب الإشارة إلى أنّ الشيخ يوسف القرضاوي، مثلاً، يصف بعض فتاوى الترابي في إحدى مداخلاته المتلفزة بـ«الشطحات».

الترابي في زمن البشير: أب روحي للنظام

عام 1985، أطلق المفكّر والسياسي السوداني «الجبهة الإسلامية القومية» التي ستسيطر بصورة فعلية على الحكم بعد أربع سنوات، إثر انقلاب دعمه الترابي ضد الصادق المهدي ــ رغم أنّ علاقة مصاهرة تربطهما ــ ويقول الترابي إنه «قامت حركة الإنفاذ العسكرية، واتخذت الحركة الإسلامية اسم المؤتمر الوطني، مستغنية عن ذكر الإسلام في عنوانها، لتسع المواطن غير المسلم، وغير الناشئ في سياق التيار الإسلامي».
سيتبيّن في وقت لاحق، خصوصاً في نهاية الستعينيات (مرحلة الافتراق بين الترابي والبشير)، بصورة أكثر وضوحاً مدى مساندة المفكّر السوداني لانقلاب 1989. ورغم الوصول إلى حال الفرقة بين الرجلين، فإنّ الترابي سينجح خلال التسعينيات في تقديم صورة الأب الروحي للنظام في البلاد، وللإشارة هي السنوات التي ستستضيف خلالها الخرطوم أسامة بن لادن، بعد إبعاده عن السعودية، وإن كان بصيغة «مستثمر».
الجدير بالذكر أنّ بداية التسعينيات شهدت «حرب الخليج الثانية»، ما سيسمح للترابي (الذي كان في عقود سابقة من أبرز المؤيدين للملك فيصل ضد جمال عبد الناصر) بكسب موقع عربي وإسلامي عبر مواقفه.
في هذا الصدد، يوضح كمال الهلباوي أنّ «كثيراً من قضايا الأمة، وخصوصاً قضية أفغانستان وفلسطين قبلها، استدعت الدكتور الترابي إلى الدعوة لإنشاء تنسيق عالمي (دولي) للحركات الإسلامية أوسع من الإخوان المسلمين والتنظيم الدولي. وقد تحقق ذلك فى قضية أفغانستان، واحتلال العراق للكويت، فاقتنع بذلك الإخوان، وكنت أنا أميناً عاماً لهذا التنسيق الذي عقد عدة اجتماعات، وشارك الراحل الكريم نجم الدين أربكان، وحزبه التركي، وكذلك الحزب الإسلامي في ماليزيا، والجماعة الإسلامية في باكستان، وتم تشكيل وفد مشترك للحيلولة دون حرب الخليج الأولى (العراق والكويت)، وكان الترابي من أبرز المشاركين فيه». (يُقال إنّ الترابي و«الإخوان» في مصر اختلفا بصورة حادة مجدداً خلال رئاسة محمد مرسي لمصر).
سيعود الترابي عام 1999 إلى المعارضة بعد عزل البشير له، وسيأخذ مواقف وصفت بـ«الثأرية» تجاه الأخير، من بينها مثلاً الاتفاق مع الزعيم الجنوبي جون قرنق، أو مساندته قرار المحكمة الجنائية الدولية بحق البشير عام 2009. لكن بعد ذلك، سنشهد على تبدّل جديد في مواقف الترابي، تبررها المصلحة الوطنية، وذلك إثر موافقته على الحوار الوطني الذي سيدعو إليه الرئيس السوداني عام 2014، وسيرحل عن الحياة وهو من أبرز الفعالين ضمن هذا الحوار.

نصيحة الطيب صالح

رغم كل الاعتقالات التي عرفها السياسي السوداني في حياته، فإنّ رسالة تمّ تداولها بعد خروجه من المعتقل عام 2003 موجهة إليه من الكاتب السوداني الطيب صالح، جاء فيها انّ الترابي «رجل محظوظ... اليوم ينعم الله عليه نعمة إضافية، بعدما مكّن له في بلاد السودان، يأمر وينهى، ويعطي ويمنع... بينما هو كذلك شاءت له إرادة الله أن يسقط فجأة من عليائه، ويخرج عن جاهه وسلطانه، وجنده وأعوانه... سعدت أنه خرج من ضيق الحبس الى براح الحرية، لكنني أنصحه: إنك اليوم تواجه أصعب امتحان واجهته في حياتك. فكر جيداً ماذا تصنع أمام الله والناس... هل تعكف على عقلك وروحك فتنجو بنفسك وتصير نبراساً يستضيء به الناس؟ أم تنغمس مرة أخرى في مستنقع السلطة والحكم والتحالفات والمؤامرات؟».




السنوسي خلفاً...

شيّعت الخرطوم، الزعيم الإسلامي المعارض، حسن الترابي، بمشاركة رسمية وشعبية، وسط إجراءات أمنية مشددة. ووصل جثمان الترابي عند الثامنة من صباح أمس بالتوقيت المحلي، على عربة مكشوفة. وسُجيَ جثمان الترابي خارج مقبرة «بري»، شرقي العاصمة، حيث صلّى عليه حوالى ثلاثة آلاف شخصٍ. وغاب الرئيس السوداني، عمر البشير، عن التشييع، لمشاركته في قمة لـ«منظمة التعاون الإسلامي»، في جاكرتا، ولكنه حضر إلى منزله، في الخرطوم، السبت، مقدّماً واجب العزاء، فيما شارك النائب الأول للرئيس، بكري حسن صالح، إضافة إلى عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين والسياسيين. وكانت الرئاسة السودانية قد نعت «المفكر الإسلامي والعالم الجليل الشيخ حسن عبد الله الترابي»، الذي وافته المنية مساء السبت، إثر وعكةٍ صحيّة ألمّت به، أثناء مزاولته عمله في مقر الحزب. واختار حزب «المؤتمر الشعبي السوداني»، المعارض، إبراهيم السنوسي (الصورة)، أميناً عاماً مؤقتاً حتى اجتماع هيئة «الشورى». ويُعد السنوسي (79 عاماً)، من المقربين للترابي، ومن أبرز قادة الحركة الإسلامية في العقود الخمسة الماضية. ونعى الترابي كل من رئيس «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين»، يوسف القرضاوي، وزعيم حركة «النهضة» التونسية، راشد الغنوشي، وجماعة «الإخوان الملسلمين» في مصر، وحركة «حماس» في فلسطين.