منذ أربع سنوات، آوى الكاهن السرياني أ. ع. حوامل عازبات في شقق مفروشة بالإيجار في الجديدة، مقابل تعهّدهنّ بالتخلّي عن أطفالهن بعد الولادة، تمهيداً لعرضهم للتبنّي بصورة غير مشروعة، بعد تقديم بلاغات لدى القوى الأمنيّة تفيد بالعثور على أولاد متروكين في الشارع تسهيلاً لعمليّة التبنّي التي يجيزها القانون لأبناء الطوائف المسيحيّة حصراً، ما يعيد تسليط الضوء على غياب أي رقابة على عمل المؤسّسات الدينيّة والمحاكم الروحيّة في منظومة الدولة اللبنانيّة، الأمر الذي يشجّع على الاتجار بالأطفال.
ترأس الكاهن جمعيّة "السيّدة الخيريّة"، مقرّها السبتية قرب مطرانيّة السريان الأرثوذكس، عمل فيها وزوجته مع مجموعة من الأفراد "العلمانيين" (بالمعنى الكنسي)، مهمّتها تسهيل إجراءات التبنّي، فيما الهدف الأساسي بيع الأطفال. ثابر على عمله على مدى سنوات، إلى حين وقوع المحظور؛ أرادت إحدى العائلات (من الطائفة الإسلامية) إعادة طفل تبنّته بعد شهر، بحجّة وقوعها ضحية عمليّة "غشّ". دفعت 20 ألف دولار أميركي، وحصلت على طفل يعاني من تشوّه خلقيّ. رفض الكاهن استرجاع الطفل وإعادة المال، فتقدّمت العائلة بشكوى لدى المطران جورج صليبا، الذي جرّده من كلّ مسؤوليّاته الكهنوتيّة من دون معاقبته قضائياً.
بنتيجة التحقيقات، أنكر القائمون على الجمعيّة وأعضاؤها علمهم بما يقوم به الكاهن، ظناً منهم أن الأطفال رموا في الشارع بعدما تخلّى أهلهم عنهم. وتشير معلومات "الأخبار" إلى أن الوكيلة القانونيّة للجمعيّة تراجعت عن متابعة الملف بعدما ثبت لها وجود عمليّات تبنٍّ غير شرعي وبيع أطفال تخطّى عددهم الأربعة، وفاقت الأسعار الـ 20 ألف دولار للطفل الواحد.

الحجّة الدائمة هي إنقاذ الطفل، فيما الهدف الاستفادة الماديّة

مطران السريان الأرثوذكس جورج صليبا يؤكّد لـ"الأخبار" أن الكاهن فُصل من الجمعيّة التابعة للمطرانيّة منذ ذلك الحين وهو موجود الآن في بلجيكا، ويضيف: "لا نعلم شيئاً عن الموضوع، ولا علاقة لنا به، ولم نكن ندرك أنه يبيع الأطفال. الكاهن كان يخدم في سدّ البوشريّة، وفصل لإساءته الأمانة في إدارة الجمعيّة. لقد وصلتني شكاوى حوله باعتباري مطران الطائفة، لكنّنا لا نعلم ماذا دخل إلى حسابه الخاصّ، ولا يمكننا أن نجزم علاقته بهذا الملف".
بدأت محاولات تنظيم التبنّي خلال فترة الانتداب الفرنسي. عام 1960 منحت الدولة تشريعاً قانونياً لعمل التبنّي لحضانة "أخوات المحبة" في الأشرفية. مع بدايات السبعينيات، تأسّست دور استقبال للأطفال تسهّل التبني ومنها "راهبات الراعي الصالح"، بحسب ما تؤكّد زينة علوش، الخبيرة في الرعاية الأسريّة البديلة والمديرة التنفيذيّة لجمعية "بدائل"، وتضيف لـ"الأخبار": "10000 هو العدد التقديري للأشخاص الذين جرى تبنّيهم خارج البلاد منذ الستينيات إلى اليوم، ويوازيه عدد غير معروف لأطفال جرى تبنّيهم داخل لبنان. هذه نتيجة خضوع قوانين الأحوال الشخصيّة كلياً لسلطة رجال الدين وقضائهم، مع ما يرتكب من مخالفات لناحية تزوير الوثائق الرسميّة بالطفل، وقطع صلاته بعائلته البيولوجيّة، والتشجيع على التبني عبر البلاد في مخالفة واضحة لمعاهدة هاغ الدوليّة. وهناك مؤشرات على أن دور الرعاية الإسلاميّة أيضاً تسهّل التبنّي بطرق غير شرعيّة، رغم تعارض التبنّي مع أحكام الشرع. لقد سُجّل إقرار أممي بأن إجراءات التبنّي في لبنان غير شرعيّة رغم شرعنتها قانوناً وخصخصتها".
التبنّي لا يجب أن يتضمّن دفع أي كفالة ماليّة، لإبعاده عن أي تصنيف متّصل بالاتجار بالأطفال، لكن ما يحصل في الواقع مغاير. تقول علّوش: "عمليّة التبنّي تتطلّب مبالغ كبيرة بحجّة الإجراءات الإداريّة، وما يدفع على شكل هبة للكنيسة. التحايل موجود والحجّة الدائمة هي إنقاذ الطفل، فيما الهدف الاستفادة الماديّة".
تُبيّن إحصاءات قوى الأمن الداخلي للأعوام السابقة أن عدد الأطفال المتروكين في الشوارع ليس كبيراً. في عام 2013، سُجّلت 13 حالة. وفي عام 2014 سُجّلت 9 حالات. وفي عام 2015، سُجّلت 11 حالة.
يربط المحامي ميشال فلّاح، المتخصّص في قضايا الأحداث، بين تنامي عمليّات الاتجار بالأطفال وتدنّي نسبة دعاوى التبنّي في المحاكم نظراً إلى استفادة المؤسّسات المعنية من عمليّات البيع، ويضيف لـ"الأخبار": "الإجراءات القانونيّة لمحاكمات التبنّي طويلة. لكن بداية، على العائلة اختيار الطفل الذي تريد تبنّيه من المؤسّسات الدينيّة، التي غالباً ما تدّعي عدم وجود أطفال لأنها تبيعهم بمبالغ طائلة تحت سترة "سمحة النفس" وتقديم الهبات للكنيسة".
يُعاقب القضاء اللبناني على الاتجار بالبشر بمجموعة من المواد في قانون العقوبات، وقانون الأحداث وقانون الاتجار بالبشر الذي دخل حيّز التنفيذ عام 2011، وهو لا يستثني رجال الدين ولا يمنحهم حصانة من الملاحقة القانونيّة، إذا ما ثبت ارتكابهم هذه الجنحة.
هذا الواقع يعكس ضرورة قصوى للعمل على مشروع قانون مدنيّ ينظّم أشكال الرعاية البديلة والجهة المدنية العليا المكلفة بمراقبة أدائها. تقول علّوش: "على أي مشروع قانون أن يضمن مصالح الطفل، أي أن يهدف عملانياً إلى البحث عن أفراد الأسرة وجمع شملهم. حفظ ملف الطفل وعدم تزوير وثائقه بما يضمن حقّه بمعرفة عائلته البيولوجيّة وإعادة التواصل معها، تحديد الآليات المتبعة والمرجعيّات المتخصّصة بكل الإجراءات، كيفية اختيار شكل الرعاية الدائمة الملائمة، ضمان حق الطفل بالحصول على المعلومات والتوثيق، حق الأهل البيولوجيين بالحصول على المعلومات أيضاً، شروط قبول الطفل في الرعاية الأسريّة البديلة، حق المرأة في الإبقاء على طفلها وعدم إجبارها على التخلي عنه، آلية إدارة شؤون الأطفال المتروكين".



طرق الاتجار بالأطفال

هناك أشكال عدّة للتبنّي في لبنان. أولاً، عبر دور الرعاية التابعة للإرساليّات بالتعاون مع المحاكم الروحيّة المرتبطة بها، إذ تستقبل هذه المراكز الطفل بموجب ورقة تقرّ فيها الأم البيولوجيّة بتنازلها عن أمومتها. وهناك مراكز تؤمّن مأوى للأم خلال الشهر الأخير من الحمل، ومن ثمّ تحوّل الطفل الرضيع إلى التبنّي. ثانياً، عبر مستشفيات بحيث تحضر العائلة الراغبة بالتبنّي، فتسجّل وثيقة الولادة باسم الأمّ الراغبة بذلك، وتخضع الأمّ الفعليّة لعملية الولادة من دون ورود اسمها في سجل المستشفى. ثالثاً، من خلال أعمال العصابات المنظّمة ونشاط مجموعة من المحامين المرتبطين بشبكة خدمات تستدرج الأمهات غير الراغبات بالاحتفاظ بأطفالهن.