أصدر قاضي التحقيق في جبل لبنان، زياد مكنّا، قراره الظني بحق وليد فقيه (مواليد ١٩٨١) بجرم انتحال صفة قاضٍ والاستيلاء على أموال مدّعين بمناورات احتيالية. قرر مكنّا الظن بمن احتال على رؤساء وقضاة ومواطنين، بجنحة المادة ٢٥٧/٣٩٢ والمادة ٦٥٥ من قانون العقوبات. القضية التي أثارتها «الأخبار» في 21 تشرين الثاني الماضي أثارت بلبلة في العدلية، خصوصاً أن أخبار «القاضي» المدعى عليه ونشاطاته كانت علنية، كما في تمثيله سلك القضاء في افتتاح مدرسة في الجنوب، وفي حضوره، بصفته محامياً عاماً استئنافياً، عملية تمثيل إحدى الجرائم في حضور قاضٍ آخر!
في متن القرار الظني، انطلق القاضي من ادعاء المحامي رهاد دايخ على فقيه في شباط العام الماضي. وأوضح دايخ أنه تعرف إلى المدعى عليه إثر توكيله لإنجاز ملف إرث يتعلق بزوجة ثانية لأحد المتوفين، نسرين حيدر، مشيراً إلى أن الأخيرة قدّمته إلى «القاضي وليد فقيه» وعرّفت عنه بأنّه «قاضٍ في المحكمة الدولية». تبرّع فقيه بتقديم المساعدة لدايخ لإنجاز الملف عبر معارفه.
في تلك الأثناء، تقصّى دايخ عن فقيه بواسطة زملائه المحامين، فجاءه الجواب نفسه: «قاضٍ في المحكمة الدولية». فيما صبّت جملة من الوقائع في تأكيد صدقية «القاضي» المزعوم ووطّدت العلاقة بينهما. فيروي دايخ أنّه صادفه مرة في المحكمة الشرعية الجعفرية وسمع قاضي المحكمة يناديه «يا ريّس». كذلك لاحظ أن كثيرين كانوا يترددون عليه كقاضٍ طلباً لخدمة أو لمتابعة معاملات عالقة، فكان يتصل، في حضوره، ببعض القضاة لتسيير بعض أمر هؤلاء.

ادعى العمل في المحكمة الدولية ومثّل السلك في أحد الاحتفالات!
وأكد أنه رأى في منزل نسرين حيدر «بلاك» خشبياً مكتوب عليه «القاضي وليد فقيه». وأفاد بأن المدّعى عليه ادعى أمامه أنه عُيّن مستشاراً في وزارة الدفاع وعرض عليه استحصال رخصة نقل سلاح. وفي إحدى المرات أطلعه على مذكرة صادرة عن الأمم المتحدة بشخص أمينها العام، تفيد بتعيينه مسؤولاً عن ملف سوريا لدى الأمم المتحدة، باعتباره قاضياً في المحكمة الدولية. وفي مرّة أخرى زعم أن رئيس حكومة سابقاً عيّنه مستشاراً لديه لمساعدته في تسيير شؤون الناس. وسرد المدعي أنّه في إحدى المرات قصد والمحامي عياد عاصي المدعى عليه، طالبين مساعدته في إنجاز معاملة في وزارة الداخلية، فطلب من عاصي ١٠ آلاف دولار.
تابع «القاضي» مع المحامي مراحل سير المعاملة إلى أن أبلغه أنّ رسوم الانتقال حُدِّدت، لكنها مرتفعة، وأنّ عليه التقدم باعتراض إلى وزارة المالية لخفضها، واعداً بأنّه سيتولى ملاحقة المعاملة. تقدم دايخ بطلب خفض، لكنّه رُفض لأن التخمين متناسب مع قيمة التركة. عاد دايخ إلى فقيه الذي طلب منه استئناف القرار، مشيراً إلى أنّه على علاقة صداقة مع رئيس الهيئة الاستئنافية. إلا أن الاستئناف رُدّ برفض الخفض، فزعم فقيه بحلّ الأمر بحكم قربه من الرئيس نبيه بري وعلاقته بوزير المال علي حسن خليل، واتصل بشخص يدعى هاشم، قائلاً إنه لن يدفع أكثر من 120 مليون ليرة. وبالفعل، سلّمه دايخ المبلغ، وقد أقر فقيه بتسلّمه بحضور المحامي حسن حرب. وفي تلك الفترة، أبلغ فقيه دايخ بأنه سيستقيل من منصبه في المحكمة الدولية، وسينتسب إلى نقابة المحامين في بيروت لأنّه لم يعد راغباً في السفر، مشيراً إلى أنه سيتسلم ملفّاً يتقاضى عليه أتعاباً تفوق المليون دولار.
في المقابل، نفى فقيه في التحقيق الأولي أن يكون قد انتحل في أي مرة أمام المدعي أو غيره صفة قاضٍ، أو أنه ادعى أنه على علاقة بقضاة وسياسيين. وأوضح أن البعض ينادونه "ريّس" لأنه تقدم سابقاً إلى معهد الدروس القضائية. وأنكر تقاضيه ١٢٠ مليون ليرة من دايخ، إنما عشرة ملايين ليرة فقط لإقناع نسرين حيدر بتوكيله. وعندما أكد له المحامي العام الاستئنافي أن التسجيلات تقول إنّه قبض المبلغ، وهذا واضح من أقواله، ردّ بأن ما ورد في التسجيلات مخالف للواقع. كذلك استُمع إلى شهادات عدد من المحامين الذين أكد معظمهم أنّهم يعرفونه بصفة قاضٍ في المحكمة الدولية. فيما أشار المحامي عبد الله عيتاني إلى أنّ المدعى عليه محامٍ متدرج في مكتبه، وأن البعض ينادونه «يا ريس» لكونه تقدم أكثر من مرة إلى معهد الدروس القضائية.
بالاستناد إلى المعطيات المتوافرة، خلص قاضي التحقيق إلى أنّها تعدّ دليلاً للظن في أنّ المدعى عليه سعى ليظهر في المجتمع بصفة قاضٍ، تارة في المحكمة الدولية وطوراً في القضاء اللبناني. فصار من السائد لدى من يعرفه أنّه يتمتع بهذه الصفة. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل تعدّاه إلى ملازمة صفة القاضي لاسمه في الأخبار المنشورة في وسائل الإعلام. وبحسب مكنّا، فقد توسّل المدعى عليه هذا الواقع، إضافة إلى واقع اصطنعه لنفسه عبر الإيحاء بقربه من مرجعيات سياسية وقضائية وأمنية، ليوهم المدّعي المحامي رهاد دايخ أن في استطاعته التوسط في إنجاز معاملة خفض رسوم مالية لدى وزارة المالية وحمله على تسليمه مبلغاً مالياً بحجة دفعه في إطار إنجاز تلك المعاملة. وبعد أن تسلّم المبلغ، استولى عليه من دون أن يُنفّذ شيئاً من المتفق عليه، ليتبين لاحقاً أنّه لا يتمتع بأي صفة قضائية.