لا يُمكِن، عملياً، تحديد الموقف الفعلي لتيار المستقبل من الانتخابات البلدية، وإن كان وزيره في الحكومة (نهاد المشنوق) أوّل من بشّر بـ«إجرائها في موعدها». من الواضح أن أكثر المتحمّسين لهذا الاستحقاق هما التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية اللذان يريدان ترجمة تحالفهما المستجدّ اكتساحاً للبلديات، فيما لا مشكلة ظاهرة لدى بقية القوى السياسية. أما المستقبل، فتدور شكوك حول رغبته الفعلية في إجراء الانتخابات بسبب أزمته الشعبية والمالية.
رغم ذلك، بل ربما بسبب ذلك، تؤكّد مصادر في التيار الأزرق أن الانتخابات بالنسبة الى الحريري أصبحت "حاجة" أكثر منها ترفاً. وتلفت الى أن "الاستراتيجية الانفتاحية على الخصوم السنة" التي يتبعها الأخير منذ عودته من "منفاه" السعودي دليل على جدية المستقبل في خوضها، وإن كان على أسس جديدة غير تلك التي اعتادها في السنوات العشر الأخيرة. فبعدما كان المستقبليون يخشون من أن الانفتاح على القوى الفاعلة في الطائفة قد يجعل هذه الأخيرة تغرف من "صحنهم الشعبي"، باتوا اليوم ــــ بعد سنوات من الشح المالي والتراجع الخدماتي ــــ على اقتناع بضرورة "الأكل في صحن واحد" مع هذه القوى، على أن تكون "لقمة" المستقبل أكبر من غيره. فالتيار يختلف عن بقية القوى السياسية الأخرى في أن لا جذور قوية تجمع قيادته بقاعدته الشعبية، وفي أن العلاقة بينهما هي حصراً علاقة مصلحية، تقوم على ما يُقدمه التيار للجمهور من مكتسبات. ومتى غابت هذه المكتسبات، غابت معها رابطة المصالح التي يُمكن أن يستغلها الحريري عند أي مفصل. وهنا، تحديداً، مأزق المستقبل الذي لا مخرج منه إلا بعقد تحالفات شبيهة بتلك التي عقدها مع الرئيس نجيب ميقاتي في طرابس في انتخابات 2009.

خصوم الحريري سيشكلون رافعة شعبية له بعدما غطوا غيابه بخدماتهم

في رأي مصادر مستقبلية، على عكس معظم التكهنات والتحليلات، يريد الحريري الانتخابات «ويسعى إليها أكثر من أي طرف آخر، ويحتاج إليها خصوصاً لإعادة تجديد البنية القيادية الممثلة بنواب ووزراء ومنسقين بما يتلاءم مع المرحلة المقبلة»، إذ إن ابتعاده طويلاً عن الساحة المحلية أفسح المجال أمام تضخّم أحجام البعض الى حد التمرّد على القيادة الحريرية. كما أن انقلاب التحالفات في 8 و14 آذار بات يستدعي مقاربات جديدة. لذلك، يشكل الاستحقاق البلدي حاجة حريرية، إذ على أساس نتائجه ستُحدّد الأحجام الحقيقية للجميع وستُبنى تحالفات الانتخابات النيابية». وفي هذا السياق، يكشف منسقون مستقبليون أن جولات الحريري الأخيرة على معاقل تياره جاءت نتيجة «احتراق بعض شخصياته كأشرف ريفي وخالد ضاهر وغيرهما. ولذلك، سيركّز الرجل في المرحلة المقبلة على إبراز الوجوه العائلية».
لكن ما الذي يرمي إليه الانفتاح الحريري على بقية القوى السنية؟
اعتقد الحريريّون، منذ أيام الرئيس رفيق الحريري، أن إقفال البيوتات السياسية التقليدية داخل الطائفة سيعود عليهم بمكتسبات كبيرة. لكن تبيّن أن هذا "الإقفال" لم يفلح في إلغاء الحضور السياسي لهؤلاء ولا في إلغاء وجودهم بالكامل. فـ"ثروة هؤلاء أن حالتهم لا تموت. وهذه الحالة هي ما يريد الحريري استثماره. وبما أن الانتخابات البلدية هي الاستحقاق الأقرب وتمثّل حاجة للتيار، سيسعى الحريري لأن يُشكل أشخاص كنجيب ميقاتي وعبد الرحيم مراد وفيصل كرامي وآخرين رافعة له في بعض المناطق التي غطتها هذه القوى بالمال والمساعدات والخدمات في فترة غيابه». ويضيف أحد النواب البارزين في التيار أن «الاستحقاق البلدي هو اختبار لقدرة المستقبل على إعادة لملمة قاعدته الشعبية وتظهيرها ورسم الخيارات السياسية وخطابها».
لكن، لماذا لا يخوض الحريري الاستحقاق وحده ليستولي على قالب الحلوى بدل تقاسمه مع الآخرين؟ في رأي المصدر، أن لذلك سبيين رئيسيين. أولاً، أن «ما سيحصل عليه في البلديات نتيجة هذه التحالفات أكبر بكثير من فتح معارك انتخابية. والأفضل له أن يعطي الآخرين حصصاً بدل أن يجلس في انتظار حصته". وثانياً، أنه «بإنشاء هذه التحالفات سيثبت نفوذه، ويدفع كل المتفلتين في التيار ممّن لديهم طموحات تتجاوز آل الحريري إلى العودة تحت عباءته».