أي قطبة مخفية خلف مسألة موقف لبنان في المحافل العربية والإقليمية؟ إذ ثمة مفارقة لا يمكن فهمها بالعقل العادي، بين الهجوم الحريري على جبران باسيل، وثناء حزب الله على موقف نهاد المشنوق، وتهرب طاولة الحوار من مقاربة الموضوع، عشية إعادة طرحه اليوم في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة.

فاليوم يشارك وزير خارجية لبنان في الاجتماع العربي. وعلى جدول أعماله مسودة بيان مطاطة قابلة لكل إضافة أو تعديل أو حتى إدراج بند أو فقرة من خارجها. بما قد يعيد طرح الإشكالية نفسها المطروحة على لبنان، منذ اجتماع القاهرة السابق في الأسبوع الأول من كانون الثاني الماضي.
المفارقات حيال المسألة ليست بسيطة. منها على سبيل المثال التالي:
أمس، وتجنباً لأي التباس لبناني داخلي، وتحوطاً للوقوع في أي احتكاك لبناني عربي، طرح جبران باسيل موضوع مشاركته في اجتماع القاهرة اليوم، على طاولة الحوار. فجاءت المفاجأة من قبل رئيس الحكومة تمام سلام، بتمنيه عدم البحث في الموضوع. لا بل ذهب في التمني إلى سحب البند من النقاش كلياً. وكانت المفاجأة المتوقعة من أركان الحوار الوطني العظيم، أن سارعوا إلى تأييد طلب سلام. لا نقاش ولا بحث ولا تداول. أي أن قادة القوى السياسية اللبنانية، وزعماء طوائفها ومذاهبها وعشائرها وقبائلها، رفضوا أن يشاركوا في صياغة موقف لبنان العربي. رفضوا تحمل أي مسؤولية وطنية في تحديد معالم السياسة العربية والإقليمية للدولة اللبنانية. وكانت ذريعتهم جاهزة، تبني مقولة سلام نفسه، من أن المسألة هي من صلاحيات الحكومة اللبنانية لا غير.
غير أن مفارقة طاولة الحوار هذه تكتمل بمفارقة أخرى مقابلة. ذلك أنه يوم الخميس الماضي، كانت جلسة لحكومة سلام نفسها. أي حكومة المصلحة الوطنية ما غيرها. وكان لبنان قد صدم قبل ساعات بموقف خليجي يصنف قسماً من مواطنيه على أنهم إرهابيون. ذهب جبران باسيل إلى اجتماع مجلس الوزراء، حاملاً مسودة بيان للمناقشة. أي مشروع توافق لبناني داخلي، حول كيفية تعاطي لبنان الرسمي والميثاقي مع التحدى العربي المطروح عليه. فجأة، تعطل النقاش داخل مجلس الوزراء. تباينت الآراء، وتضاربت المواقف. فسحب رئيس الحكومة الموضوع من التداول، وتعطل البحث اللبناني عن كيفية صياغة موقفه الخارجي.
هكذا، منع تمام سلام محاولة إقرار توافق لبناني عربي على طاولة الحوار، بذريعة أنه من صلاحية مجلس الوزراء. وهو نفسه أوقف البحث ذاته على طاولة المجلس المذكور، بذريعة عدم التوافق. علماً، أن أي تنسيق فعلي لم يقدم عليه سلام مع وزير خارجية لبنان عشية اجتماع القاهرة اليوم. لتكتمل حلقة الهروب من المسؤوليات والتهرب من واجب وطني. كتغطية للمزايدات السابقة واللاحقة حول الموضوع، وكمدخل لأدبيات التوسل والتسول المزمنة ... كل ذلك باسم المصلحة الوطنية!
لا تنتهي مفارقات الموضوع الخطير عند هذا الحد. ففي 2 آذار الجاري، كان لبنان حاضراً مشاركاً أيضاً في محفل عربي آخر، هو مجلس وزراء الداخلية العرب. هناك كان الوزير نهاد المشنوق. وكان له موقف باسم لبنان. كثيرون توقفوا عند إشكالية تحفظ المشنوق عن وصف حزب الله بالإرهابي. وأكثر منهم من راح يقارن في الأنظمة والآليات والأصول بين موقف المشنوق يومها وباسيل قبل نحو شهرين. لكن قلة قليلة من اللبنانيين توقفت عند ما وافق عليه المشنوق باسم لبنان، وعند ما أقره وزير داخليتنا باسم حكومتنا ودولتنا. ففي العودة إلى النص الحرفي لبيان اجتماع تونس، يتبين للتاريخ، ما يلي:
تبنى لبنان موقفاً يؤكد أن "الممارسات الإيرانية هادفة إلى زعزعة الأمن والاستقرار في مملكة البحرين والعديد من الدول العربية، وتقويض التعايش السلمي بين مكونات المجتمعات العربية بالتجييش الطائفي وإثارة النعرات المذهبية". وأيد "الاجراءات التي تتخذها الدول العربية في مواجهتها". تبنى لبنان أيضاً موقفاً يؤكد أن "الممارسات والأعمال الخطرة التي يقوم بها حزب الله (الإرهابي) (هي) لزعزعة الأمن والسلم الاجتماعي في بعض الدول العربية". وقد تبنى لبنان أيضاً "إدانة وشجب" تلك الممارسات والأعمال، فيما اكتفى بالنأي بنفسه عن مفردة واحدة، هي وصف حزب الله بالإرهابي، فقط لا غير. وأيضاً وأيضاً، تبنى لبنان " تأييده التام للتحالف العربي وتثمينه للجهود التي يبذلها من أجل دعم الشرعية في الجمهورية اليمنية، ومواجهة تنظيم القاعدة وداعش وميليشيات الحوثيين الإرهابية"!
وهنا أيضاً، ولتكتمل المفارقة، خرج حزب الله بعد أربعة أيام كافية للتدقيق والتأكد والتمحيص، وعلى لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله، ليوجه لفتة إيجابية إلى نهاد المشنوق، بأن "كتر خيره"، وبالقول أنه "التزم بالموقف الرسمي الحكومي"!
يذهب جبران باسيل إلى الاجتماع العربي اليوم، محملاً بتلك التناقضات كافة. بين طاولة حوار تتخفف من واجباتها الوطنية، ورئيس حكومة يتنصل من مسؤوليته الدستورية، وبين مواقف سياسية تتناقض حتى المستحيل. ماذا سيفعل باسيل اليوم؟ الأكيد المؤكد أنه لن يستقيل!