بدا أشبه بمسرحية ذاك المشهد الذي طبع العالم يوم أمس. إخراج درامي لاتفاق تبين بشكل جلي أن خطوطه العامة قد تم التفاهم عليها بين الأطراف المعنية خلال الأيام الماضية. مخرج لحالة مستعصية تتهدد المنطقة والعالم بحرب مدمرة. سلم نزول للرئيس باراك أوباما عن شجرة تهديدات أطلقها والتزامات تعهد بها تبين سريعاً أن كلفتها أكبر بكثير من قدرة أي طرف على احتمالها. البعض يقول إن الحبكة إيرانية والسيناريو روسي والإخراج أميركي. أما الخشبة فهي تمتد من لندن، حيث افتتح جون كيري العمل بتصريح مفاجئ، مروراً بموسكو حيث أعلن سيرغي لافروف مبادرة سرعان ما وافق عليها وليد المعلم، وصولاً إلى واشنطن التي تلقّفتها. والخلاصة: موافقة سورية على رقابة دولية على السلاح الكيميائي، في مقابل الامتناع عن شن ضربة.

مخرج لا يزال الشيطان يكمن في تفاصيله، والمقصود حصراً مصطلح «الرقابة الدولية»، مع ما تعنيه من ذكريات مريرة كان عراق صدام حسين أبرز ساحاتها، مخرج يسمح لباراك أوباما بادّعاء نصر إعلامي عنوانه تحقيق أهداف الحرب من دون خوضها، ونعني منع الرئيس بشار الأسد من استخدام السلاح الكيميائي مجدداً، ويسمح لدمشق بإعلان نصر فعلي عنوانه تحقيق مستوى من الردع حال دون قدرة الغرب على تنفيذ تهديداته، من دون دفع أي ثمن ميداني، ومن دون ترجمة الهجمة الخارجية تنازلات سياسية. ولعل مقابلة الرئيس الأسد مع قناة «سي بي اس» خير شاهد، بعدما تمسك بنفيه أي استخدام للكيميائي وتوعده واشنطن بـ«دفع الثمن» في حال هاجمت سوريا، في خطوة تزامنت مع سلسلة مقابلات لباراك أوباما على القنوات الأميركية.
ورأى الأسد أنّ «هذه المنطقة كل شيء فيها على حافة الانفجار، وعليكم توقع كل شيء. فالحكومة (السورية) ليست اللاعب الوحيد في المنطقة. توجد أطراف مختلفة، وفصائل مختلفة، وإيديولوجيات مختلفة. ويوجد كل شيء في هذه المنطقة الآن». وحذر من مخاطر شنّ «الإرهابيين هجمات كيميائية إذا ما حدث تدخل خارجي»، متسائلاً «كيف يمكنكم أن تتحدثوا عما حدث إذا لم تكن لديكم أدلة؟.. في المنطقة التي يقولون إنّ الحكومة استخدمت فيها أسلحة كيميائية لا توجد سوى تسجيلات فيديو وصور وادعاءات. نحن لسنا هناك. قواتنا المسلحة، شرطتنا لا تعتقد ذلك. كيف يمكن أحداً الحديث عن شيء لم يره؟».
كذلك دعا الرئيس السوري أعضاء الكونغرس الأميركي، الذين سيصوتون على مشروع قرار يجيز ضرب سوريا، إلى «مطالبة الإدارة (الأميركية) بتقديم ما لديها من أدلة»، متوجهاً إليهم بالقول «يجب أن تتحلوا بالشفافية. العالم أجمع يشعر بخيبة أمل من إدارة» أوباما. وتابع أنّه «في هذه القضية، لم يقدم (وزير الخارجية الأميركي جون) كيري أي دليل»، مشيراً إلى العناصر التي قدمها وزير الخارجية الأسبق كولن باول لإثبات وجود أسلحة دمار شامل في العراق قبل غزو هذا البلد عام 2003. وأضاف الأسد «الروس لديهم أدلة مختلفة تماماً، تشير إلى أنّ الصواريخ أطلقت من مناطق يسيطر عليها المتمردون».

المبادرة الروسية على السكّة

في هذا الوقت، أعلن وزير الخارجية السوري وليد المعلم أن سوريا ترحب بالمبادرة الروسية حول وضع الأسلحة الكيميائية السورية تحت الرقابة الدولية، و«بحكمة القيادة الروسية لمنع العدوان الأميركي ضد شعبنا». وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد أعلن في مؤتمر صحافي «نحن لا نعرف ما إذا كانت سوريا ستوافق على ذلك، ولكن إذا كان من شأن فرض رقابة دولية على الأسلحة الكيميائية في هذا البلد أن يتلافى الضربات العسكرية، فنحن سننخرط فوراً في العمل مع دمشق». وقال «نحن ندعو دمشق ليس فقط إلى وضع مستودعاتها للسلاح الكيميائي تحت الرقابة الدولية، بل أيضا إلى إتلافها في ما بعد، وانضمامها الكامل إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية». وتابع قائلاً: «لقد سلمنا مقترحنا إلى وزير الخارجية السوري وليد المعلم ونأمل برد سريع وإيجابي».
في المقابل، قال المتحدث باسم البيت الأبيض، جاي كارني، إنّ الإدارة الأميركية تدرس الاقتراح الروسي بالعمل مع سوريا لتأمين ترسانتها من الأسلحة الكيميائية، لكنها متشككة في رد مبكر من وزير الخارجية السوري الذي بدا أنه يرحب بالفكرة.
وقالت متحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، إنّ وزير الخارجية جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف بحثا مسألة الأسلحة الكيميائية السورية في اتصال هاتفي أمس، وذلك بعد الاقتراح الروسي، فيما قال نائب مستشار الأمن القومي الأميركي، بن رودس، إنّ الولايات المتحدة تعتزم «المتابعة» مع روسيا للتأكد من أن الخطة «ذات صدقية». إلا أنّ رودس صرح لشبكة «ام اس ان بي سي» بأنّ واشنطن لن تخفف الضغوط على دمشق، وأنها حذرة من أن تكون هذه عملية «مماطلة».
بدوره، رحّب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بالاقتراح الروسي. وقال «إذا كانت سوريا ستضع أسلحتها الكيميائية خارج الاستخدام، تحت إشراف دولي، فمن الواضح أن هذا الأمر سيكون خطوة كبيرة إلى الأمام ويجب تشجيعها»، فيما رأى وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس أنّ الاقتراح يستحق دراسة دقيقة، وأنه مقبول بشروط، بينها «أن يلتزم من دون تأخير بوضع مجمل ترسانته الكيميائية تحت مراقبة دولية والسماح بتدميرها» وإحالة مجزرة الغوطة إلى المحكمة الجنائية الدولية.
إلا أن «رئيس هيئة أركان الجيش السوري الحر»، سليم ادريس، اتهم موسكو ودمشق بـ«الكذب» و«الخداع»، محذراً الأميركيين من الوقوع في «شرك الخديعة والتضليل».
اللافت أن جون كيري، الذي كان أول من عرض المخرج في وقت سابق من لندن، عاد وأبلغ لافروف أن تصريحاته في هذا الشأن «كانت للتأثير الخطابي ولم يقصد بها أن تكون اقتراحاً»، على ما أفاد مسؤولون أميركيون أكدوا أن وزير الخارجية قال إن «الولايات المتحدة ستدرس أي اقتراح جدي، لكن ذلك لا يمكن أن يكون سبباً لإبطاء جهود البيت الابيض للحصول على تصريح من الكونغرس باستخدام القوة ضد سوريا».

بان لمخرج عبر «تدمير مخزون الكيميائي»

في السياق، قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، في محاولة لمساعدة مجلس الأمن الدولي في التغلب على «شلل محرج»، إنّه قد يطلب من المجلس مطالبة سوريا بنقل مخزوناتها من الأسلحة الكيميائية إلى مواقع سورية، حيث يمكن تخزينها بأمان وتدميرها. وأوضح «كنت أنظر في مقترحات محددة يمكن أن أقدمها إلى مجلس الأمن عندما أقدم تقرير فريق التحقيق. ودرست على مدى أيام مقترحاتنا. وإنني أدرس حثَّ مجلس الأمن الدولي على طلب تسليم أسلحة سوريا الكيميائية فوراً والمواد التي تصنع منها الأسلحة الكيميائية، ووضعها في أماكن داخل سوريا حيث يمكن تخزينها بشكل آمن، وتدميرها. وأحثّ ثانية على انضمام سوريا إلى معاهدة حظر استخدام السلاح الكيميائي».
في موازاة ذلك، لفتت عضو لجنة التحقيق الدولية حول انتهاكات حقوق الانسان في سوريا، كارلا دل بونتي، إلى أن تدخلاً عسكرياً في سوريا سيسبّب «المزيد من الضحايا والمزيد من القتلى»، وسيجعل السعي وراء حل سياسي أكثر صعوبة. وأضافت أنّ «التفاوض هو الحل الوحيد الممكن للسوريين. آمل أن نصل إلى التفاوض في وقت قريب جداً لأنه بات متأخراً جداً».
(الأخبار)