تطغى صور مرشحي مجلس الشعب على صور شهداء قرية الدالية، الواقعة في ريف اللاذقية الجنوبي الشرقي. وجوهٌ غاب أصحابها طيلة السنوات الأربع الماضية، وعادوا فجأة لتذكير الناخبين بأنهم على قيد الحياة، لتتبارى صورهم مع من يسبقونهم غياباً... شهداء القرية يتجاوز عددهم الـ 150 من أصل 15 ألف نسمة. يتجلى الفقر في ملامح السكان الذين لا يعوّلون على الانتخابات في شيء. غير أن أبو أحمد، الرجل الخمسيني، لن يقاطع «إكراماً» لأولاده الأربعة المقاتلين على الجبهات. كثير من السوريين أسوة بأبي أحمد، يربطون بين الانتخابات والوطنية وجهود الجيش السوري على الأرض، معتبرين أن الجيش يقاتل كي تبقى الدولة وتستمر العملية السياسية. يبتسم أبو أحمد هازئاً عند سؤاله عن أي تأثير لأعضاء المجلس السابقين من أبناء المنطقة، ويعلّق بالقول: «لن نقاطع الانتخابات كما يريد أعداء البلاد، ولكننا نرجو من النواب أن يرتقوا إلى مستوى دماء وكرامات الشهداء وعائلاتهم».

يختلف حال المواطنين داخل اللاذقية. أبناء المدينة يفصلون ملف الوطنية عن الانتخاب، وسط يأس مخيف. لا شيء يجبر الطالب الجامعي أو الموظف المُعدم على انتخاب وجوه تقيأتها الشاشة الصغيرة، بعدما غابت عن هموم الناس ومصالحهم. «قائمة الوحدة الوطنية» أثارت استياء أبناء المدينة، حتى البعثيين منهم. تكرار أسماء غاصت في ملفات الفساد وخسرت ثقة الشارع، حمل ما يكفي من الاستفزاز لعائلات قدّمت دماء أبنائها من أجل واقع أفضل. دوار الزراعة مثلاً يثير الرثاء، بعدما أضحى تظاهرة من اللافتات العشوائية الصارخة التي تمثل حالة من الفوضى والتلوث البصري. وفيما التزم بعض المرشحين اللوحات الإعلانية المخصصة، تطاول آخرون منهم على ملصقات زملائهم المتلزمين عبر إلصاق صور صغيرة على وجوههم وأسمائهم، تخفي عن الشعب ملامح من قد يمثله بحق والتزام. كل ذلك يأتي وسط غياب الرقابة على أيّ مخالفات انتخابية، في بلد غُيّبت فيه المحاسبة بحجة الحرب القائمة. وكلما ازدادت ابتسامات المرشحين في الصور المتناثرة، ازداد هزء المواطنين المطالَبين بالاقتراع لتنصيب 250 نائباً من أصل 11 ألف مرشح من كافة أنحاء البلاد.

ملائكة وشياطين


يمثّل الصحافي والكاتب السوري نبيل صالح صدمة إيجابية لليائسين من العملية السياسية، إذ إن الرجل انطلق من منبره كرئيس تحرير جريدة إلكترونية محلية، ليقرر خوض غمار المسؤولية في البلاد. يصف صالح في حديث لـ«الأخبار» زملاءه المرشحين بأنهم «ملائكة وشياطين وتجار أحلام وحالمون لا يتاجرون، إضافة إلى وكلاء وأمراء حروب وضحاياها». ويضيف إلى قائمة الصفات «الفنانين والكتاب والدكنجية»، موضحاً أن «الحرب أفرزت سماسرة قادرين على بيع كل شيء». ويرى المرشح المستقل أن «قائمة الوحدة الوطنية» التي اختارها البعثيون «تبدو الأكثر قوة واتزاناً في المعركة الانتخابية»، رغم تحفظه على بعض الأسماء. ويشير الصحافي السوري إلى أن الأمل يكمن في وجوه جديدة اكتوت بنار الحرب، غير أن أغلبها لا يملك الخبرة في العمل السياسي. ويرى أن بعض المرشحين أبطال حرب وأقارب شهداء ومن المفترض بهم ألا يتاجروا بدماء شهدائهم. يركز برنامج صالح على تفعيل دور البرلمان بعد استرخاء طويل، مستنداً إلى فريق عمل مزود بخطة زمنية لتنفيذ برنامجه، ما قد يُحدث بنظره فرقاً في عمل المجلس. ويضيف قائلاً: «قد يظنني البعض أحلم، ولكنني أذكر أن كل الأشياء العظيمة بدأت بحلم. كما أن لدي خبرة طويلة في مواجهة أولاد الحكومة».

شامِنا... فرجة


ساحات دمشق أيضاً ترزح تحت وطأة التلوث البصري. ساحة المرجة الشهيرة لم تتزيّن بحسب الأغنية الشاميّة، بقدر ما «تبشّعت»، بحسب قول سوريين على شبكات التواصل الاجتماعي. «حيتان» ورجال أعمال وتجار أزمة، إلى جانب أسماء قليلة لشباب رفضوا الهجرة وواجهوا الفساد، مجاهرين برفع الصوت عالياً للمطالبة بحرية الرأي. الشوارع تغطّت بلافتات فوضوية لوجوه لا تشبه أقدم العواصم، وابتسامات لا تضاهي فواتير الدم التي دفعها أبناؤها. قوائم عدة عن مدينة دمشق يتوقع متابعون نجاحها، بينها قوائم رجال أعمال حاولت أن تضاهي «قائمة الوحدة الوطنية»، بضمّ أسماء تمثل مختلف الشرائح. وكان لافتاً ضمن المشهد، حضور صور مرشحين ساعين إلى نشر الدين والتبشير بسماحته ضمن أقوى القوائم، ما يضمن وصولاً يسيراً إلى قبة المجلس، وفيما حضرت أصوات أمهات وأخوات شهداء، امتلأت جدران البلاد بوجوه خاضت في الحرب وتخبطاتها وفي التحليل السياسي وكذباته، والفن وجدلياته، ما جعل السوريين في سأم من المشهد الممجوج الذي يثقل كاهلهم كل أربع سنوات.

بين الحيتان


«عن جد عندك أمل؟»، سؤال يواجهه المهندس سعيد فريح، الشاب العشريني المرشح عن مدينة دمشق، الذي جاهر طويلاً برأيه داخل البلاد، رافضاً السفر والهجرة، برغم حصوله على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة وإقامة في ألمانيا. رفض والده الفكرة في البداية، ما جعله يخسر فرصة تمويل حملته الانتخابية. لاحقاً، رضي الأب عن خيار الابن وتبرّع بمبلغ 100 ألف ليرة فقط، كانت كافية لينشر فريح صوره في اللوحات الإعلانية المخصصة للحملات الانتخابية. يفخر الشاب الدمشقي بأن لديه برنامجاً انتخابياً، يتضمن بشق منه مجال دراسته، إذ يهتم المهندس باستخدام الطاقة البديلة على اعتبار سوريا بلاد الشمس، وجزء كبير من أراضيها صحارى، فيما تعاني نقص الخدمات المتعلقة بالكهرباء، بسبب افتقار العمل إلى الحلول البديلة والصحية. يلمح المرء ارتباكاً عفوياً على وجه الشاب الذي يحرص أن يسأل الآخرين، بغرض البحث عن الثقة المفقودة بين السوريين، فيقول: «هل تظنون أني سأتغير!». الإجابة نظرة تحدٍّ في عينيه، مشيراً إلى أن عدم نجاحه متوقع إلا إنه حاول أن يحدث فرقاً، إذ يكفي أن يكون «أثر الفراشة».




«صمت انتخابي» لـ24 ساعة
أكد رئيس اللجنة القضائية العليا للانتخابات، القاضي هشام الشعار، أنّ مرحلة الصمت الانتخابي تبدأ اليوم الثلاثاء عند الساعة السابعة صباحاً.
وفي تصريح إلى وكالة «سانا»، أوضح الشعار أنّه منذ صباح اليوم لا يحق لأي مرشح إجراء أي شكل من أشكال الدعاية الانتخابية، مشيراً إلى أن الجهات المعنية في المحافظات تتكفل بإزالة اللافتات واللوحات والاعلانات الخاصة بالمرشحين.
وحسب المادة 58 من قانون الانتخابات العامة، تتوقف الدعاية الانتخابية للمرشحين قبل أربع وعشرين ساعة من التاريخ المحدد للانتخاب، ولا يجوز لأي شخص أن يقوم بعد توقف الدعاية الانتخابية، بنفسه أو بوساطة الغير، بتوزيع برامج أو منشورات أو غير ذلك من وسائل الدعاية الانتخابية.
وكانت اللجان القضائية الفرعية لانتخابات مجلس الشعب في المحافظات قد أنهت في السادس من الشهر الحالي تلقّي طلبات انسحاب المرشحين، وأعلنت استعدادها التام لإنجاز الانتخابات وتوفير كل مستلزمات المراكز الانتخابية التي يتجاوز عددها 7 آلاف مركز.
(سانا)