من يقبل بالعمل من دون حقوق، فعليه أن لا يبكي حين يعامَل كشخص مسلوب الحقوق. هذه هي «الموعظة» التي من الممكن الخروج بها من مأساة المبعَدين اللبنانيين من الخليج. لكن، أليس هذا الكلام سهلاً؟ بالطبع هو سهل. فالمهاجرون إلى الخليج حيث لا حقوق للوافدين، من بلد كلبنان لا حقوق للمواطنين فيه فعلياً، لن يشعروا بخطر العمل في غياب حقوق الإنسان ذاك. فهم تأقلموا مع «نظامهم» اللبناني، وباتوا «يدبّرون» أنفسهم إما «سيراً بين النقاط» أو استعانة بصديق/ واسطة، أو بالتطنيش، حتى ولو انعكس هذا التأقلم، هبوطاً بمستواهم المادي والمعنوي. المهم تأمين الحدّ الأدنى للكرامة والأجور.

لكن، مهما تدنى مستوى حقوق المواطن في لبنان، إلا أنه لم يبلغ مرحلة الفجور الخليجي الذي ظهر أخيراً في ملف المبعدين. حيث لا حقوق للوافد، خاصة إن «علق» مع مواطن، كما د. أ. س. ولو كان قد أمضى 20 عاماً، كما د. ع. ف. في معالجة أمراض «علية القوم» من بينهم على الخصوص، فنسج معهم علاقات وُدّ ظناً أنها، على الطريقة اللبنانية، ستحميه من قطع الرزق، أو المعاملة بصلف. إلا أن وفاء «طوال العمر» تبين أنه قصير جداً.
حسناً، هذا عن «هناك». وماذا عن «هنا»؟ فالمغترب المطرود اللاجئ إلى حضن بلده الأم، سيجد لدى وصوله أخوة له في المواطنية يعملون عند «المعلم» الخليجي، تكفلوا، لقاء نسبة معينة، ملاحقة إخوتهم المطرودين كيدياً، مع علمهم أن حقوق هؤلاء داستها الأقدام الجلفة لحكام «قريش العصر». هكذا، يعود المطرود إلى بلده أملا بأن يجد من يدافع عنه. لكنه بدلاً من ذلك، يجد شركات تحصيل الأموال التي شبهها أحد المبعدين بـ «بلاك ووتر» المصارف، تلاحقه بوسائل قد تصل إلى الضغط على... عائلته!
الملاحظة الأخرى التي يجب الالتفات إليها هي تواريخ وأسباب إبعاد بعض المطرودين التي يعود بعضها إلى عام 2007 و2008، أي إنه لا علاقة لموقف «المعتر» جبران باسيل، بهذه السياسة التي ــــ وإن تصاعدت بشكل فاجر أخيراً ــــ إلا أنها كانت قد بدأت منذ زمن طويل بموازاة سياسة غربية أميركية تعمل على محاربة محور المقاومة، حكومة وشعباً، بكل ما تملك.


لا يزال د. ع. ف. يحتفظ ببعض محطات الكلام الخليجية. بين فقرة وأخرى يقول: «يا طويلة العمر»، يرددها بين الحين والآخر. فدكتور فاعور مكث في الإمارات عقدين من الزمن، يعالج فيها أمراض الناس هناك، علية القوم خاصة، لكونه مخترع طريقة في معالجة التهابات البروستات المزمنة. يروي الطبيب المبعد أنه ذهب إلى الإمارات عام 1990 وعاش هناك حتى 2009. «أنا وقاعد بعيادتي، وكان الخميس المسا يا طويلة العمر، إجاني تلفون من الأمن أن: تفضل لعنّا. الجمعة والسبت عطلة. رحت الأحد، وإذا بي أُفاجأ بضابط يقول لي: هناك أمر بالإبعاد وإلغاء الإقامة دون إبداء أي سبب! ذُهلت طبعاً وسألت ما الذي فعلته؟ فأبدوا أسفهم لأنني ـ كما قالوا ـ طبيب محترم، لكن الامر مش من عنا! ضابط صغير أضاف: هيدا من عندكم من لبنان! استغربت وقلت له: لو عليّ شيء كانوا كمشوني بمطار بيروت، كنت هناك منذ أسبوعين، فما الذي استجد؟ لم يجيبوني. حين عدت إلى لبنان عملت اتصالاتي بالمسؤولين اللبنانيين، فأجابوني بما كنت قد قلته سابقاً، أنه لو علي شي كانوا منعوني من السفر! هنا خلصت القصة. قلت لهم أعطوني على الأقل شهراً لأخلص أمور مرضاي وأنظمهم! فقالوا: خذ شهرين. لكن بعد أسبوعين أُفاجأ باتصال من جهاز الأمن يقول: شو مبين بعدك هون؟ الجماعة بدهن اياك تفل بأسرع ما يكون. من هم الجماعة؟ الله أعلم. سرّعت إجراءاتي، ثم زرتهم مرة أخرى فأخذوا مني الباسبور وأعطوني «طلب إلغاء إقامة»، وهي معاملة تسمى مذكرة إخراج. كانت الإقامة سارية حتى 2011، وأخرجت في 2009/8/7».

«تفاجأت باتصال من جهاز الأمن يقول: مبيّن بعدك هون»

يتابع الرواية: «كنت مصدوماً. حاولنا أن نسأل، لكن السؤال ممنوع! تذكرت زيارة مسؤول بالمخابرات الإماراتية الشمالية قبل فترة من أجل معالجته من بحصة في مجرى البول. كانوا قد قالوا لي لو سألك: من تقلد (دينياً)؟ قل له أقلد عيادتي. وهكذا كان. لكنه ألحّ. فقلت له: (الراحل المرجع السيد محمد حسين) فضل الله. بعد أسبوع جاء الأمر بالترحيل. (يضحك) منيح اللي ما قلتلو خامنئي، كانوا يمكن حبسوني. المهم. ضببت أغراضي وطلعت من مطار دبي. الأمن العام سألني ليش مسافر؟ فأخبرته. فاذا به يقول: وهذا آخر ختم بحياتك من دولة الإمارات! تذكرت أنهم كذبوا علينا حتى بهذا، إذ كانوا قد قالوا لي إن الإبعاد إن كان سببه أمنياً، يمكن أن تعود بعد سنة».
حسناً، وماذا حصل عند عودته إلى لبنان؟ يقول: «حين كنت في الشارقة، كان لدي صديق يعمل رئيسَ إدارة في أحد المصارف، أقنعني بأن اقترض 300 ألف درهم، ولم أكن أريد بالحقيقة، لكنه أراد أن يخدمني. كان ذلك يا طويلة العمر في 2008/6/25. حتى إني لم أذهب إلى المصرف، بل أرسل لي الأوراق إلى العيادة وأتى بالنقود في كيس ورقي. لكني وقّعت على شيك بدون تاريخ يفيد بالمبلغ والفوائد وقيمة التأمين الشخصي. ولديّ صورة عن الشيك.
بدأت بتسديد أقساطي: كل شهر 7642 درهماً (نحو ألفي دولار)، يعني هيدا معاش موظف ونص. سددت ما يعادل مئة ألف درهم، أي ثلث القرض، ولدي الإيصالات.
عندما أُبعدت، شكلنا في بيروت مع بعض المبعدين لجنة بعد أن تعارفنا، وإذا «صاءبت» كلنا من الجنوب! عملنا جولة على المراجع، أهمهم نبيه بري. قام الرئيس بري بزيارة للإمارات، حيث كنا قد طلبنا إليه التدقيق بالموضوع المالي، عاد بعدها ليخبرنا حرفياً أن «القصة انحلّت وتوقف الإبعاد، ولن يلاحقوكم بشيء». لكني فوجئت بعد ثلاث سنوات بدعوى مرفوعة عليّ في محاكم الإمارات، لا بل طالع حكم بالتنفيذ بالمبلغ الإجمالي حتى من دون حسم ما دفعته»!
وبعد؟ يقول: «قسم الجرائم المالية راسلوا الإمارات وطلبوا ملفي بكامله، وعندها استُدعيت من قبل القاضي محمد درباس الذي حقق معي، وتبين أنهم أضافوا تاريخاً بخط اليد، ما عدّه القاضي تزويراً، إضافة إلى أنهم لم يحتسبوا ما دفعت، ما عدّه القاضي مسألة كيدية سياسية، لكنه طلب مني ألّا أغادر لبنان. وبلغوني بتحويل القضية إلى محكمة في جبل لبنان، وحتى اليوم لم تحرك المحكمة ساكناً، وما زلت ممنوعاً من السفر». مردفاً: «يعني يا طويلة العمر افهميني أنا طبيب»!
أما أ. ع. ز. (وهو طبيب جراح)، فروايته أيضاً مشابهة: «سافرت إلى أبو ظبي عام 2004. وكنت أعيش بشكل عادي، إلى أن حدث أنني كنت أنقل أوراقي أواخر 2010 من مستشفى عام لآخر خاص، طلبوا مني كمستند نسخة من إذن مزاولة المهنة في القطاع الخاص. عادة تأتي الموافقة الأمنية بعد أسبوع، لكن مسؤول الموارد البشرية أبلغني أن الموافقة الأمنية سلبية! وبالتالي عليك المغادرة. ما السبب؟ سألت، فقالوا: أمني! هكذا، عدت وكانت السنة الدراسية في منتصفها، سأوفر عليك رواية المعاناة النفسية للأولاد، وكيف ركضنا لتدبير مدارس حتى لا تضيع السنة عليهم. المهم. هناك يلاحقونك من أجل أن تقترضي، خاصة إن كنت طبيباً ولديك معاش محترم. كنت قد أخذت قرضين واستثمرتهما بشراء شقتين في دبي. دفعت من سعرهما 35%، أي نصف مليون درهم! ولما صارت الأزمة العالمية والانهيارات المالية في عام 2008، اتضح أن البناية التي اشترينا فيها، توقف فيها البناء، إلا أنهم لم يعيدوا إلينا ما دفعناه! رفعنا دعوى من طريق هيئة إدارة الشؤون العقارية في دبي، باسمي واسم شخص آخر من جنسية أخرى. كان ذلك عام 2009، وبقيت الأمور بين أخذ ورد. انتظرت لسنتين دوري بالدعوى، لكنه لم يصل. ما وصلني بدلاً منه كان الأمر بإبعادي في عام 2011! بعد إبعادي بشهر، وصلني إيمايل من مسؤولة الهيئة إنو: وين حضرتك؟ يريد القاضي الاستماع إليك! فأخبرتها بما حصل، وأني في لبنان، ويمكن الاتصال بي على الرقم كذا. لكن أحداً حتى اليوم لم يتصل. عاودت مراسلتها، لكن عبثاً!».
نسأله: ألم توكّل محامياً لمتابعة قضيتك هناك؟ قال: «الكل قالوا لي إنها تكلفة ع الفاضي. لأن الجميع يعرف أن الوافدين لا حقوق لهم، خاصة إن كانوا علقانين مع مواطن»!
حسنا وماذا بعد؟ «بدأت اتصالات المصارف تلاحقني هنا في لبنان بعد شهرين من إبعادي، قلت لهم إني عاطل من العمل، وإننا أُبعدنا، فهددوا بم قاضاتي: سنلاحقك حتى في بلادك. وهكذا كان. فقد استدعتني هيئة القضايا المالية والإنتربول في قوى الأمن الداخلي، إنو يابا عليك دعوى من الإمارات بخصوص قرض معين. ذهبت مع محامٍ لمقابلة القاضي، ولم ألجأ للواسطة في البداية. اتصل المحامي بالهيئة و«زبّطها». يعني راسمالها: منحتفظ بالباسبور. ومن وقتها يعني من تشرين الثاني 2012 ممنوع من السفر.
حسناً، وما هو الاسم الرسمي للقضية المرفوعة عليه؟ يقول: طلب استرداد للمحاكمة بالإمارات بتهمة الاحتيال المالي. هكذا ردّ شكيب قرطباوي على الإنتربول برفض الاسترداد وتحويل المدعى عليه إلى القضاء اللبناني المختص للتحقيق وإجراء المقتضى بعد حجز جواز سفره.
ويضيف «هياني الي 3 سنين لا قادر سافر ولا أعمل شي. وأنا يعني طبيب لازم روح دورات ومؤتمرات إلخ... حالياً لا أعمل، إلا القليل، فقد فقدت كل زبائني هناك، ويلزمك وقت حتى تكوّني اسماً».
وماذا عن مكاتب تحصيل الأموال؟ يكنس الهواء بقفا يده: «مكاتب تحصيل الأموال بالإمارات بيوكلوا محامين هنا ليهولوا ع الناس. بدك تقولي هيدي مكاتب تحصيل الأموال متل شركة بلاك ووتر (المرتزقة). هيدي بلاك ووتر البنوك». لكن الطبيب يحذر هؤلاء «بما أن سبب الإبعاد قد ظهر وتبين أنه كيدي سياسي، وذلك عبر إعلان حزب الله إرهابياً، فإننا نحذر المحامين الموكلين من قبل تلك المصارف من المتابعة بملاحقة المبعدين، وإلا فسنتهمهم باستكمال المخطط الكيدي ونحمّلهم كل المسؤولية في ما قد ينتج من هذه الملاحقة».
تختلف رواية ا. ف. (صاحب معرض سيارات ديلوكس) عن روايتي الطبيبين السابقين. فالرجل فقد بالإبعاد التعسفي أملاكه هناك بملايين الدولارات. يروي أ. ف: «أنا متل هالناس، كان صرلي 35 سنة بالشارقة، إجاني أمر ترحيل (2012/7/13) دون إبداء أسباب أنا واللي كافلهم، يعني عيلتي بكاملها. كان عندي معرض سيارات ديلوكس ومحلين، قلت لهم كيف بدي فلّ بأسبوع؟ وشو بدي أعمل بتجارتي وأملاكي؟ قالوا لي: اكتبهم باسم حدا! قلت لهم سأكتبهم باسم صهري، فرفضوا قائلين بالحرف: ما فيك تحولهم لاسم شيعي لبناني، اكتبهم إما لواحد باكستاني أو مواطن خليجي!». ثم يضيف كما لو كان يجيب على ذهولنا البادي: «هيدا الحكي قللي اياه ضابط الأمن. قلت له: ولو؟ (هو بيعرفني من زمن) أنت بتقبل تسجل باسم واحد غريب أملاكك اللي اشتغلت وحفيت منشانها؟ فما كان منه إلا أن شنكلني وقال: أكيد لا. بس الموضوع من فوق وما فينا نعمل شي».
حسناً ماذا فعلت؟ يقول: «حولت أملاكي لواحد سوري (طبعاً سني) كان يشتغل عندي منذ فترة طويلة، لقاء شيكات قيمتها الإجمالية لا توازي ثلث القيمة الحقيقية للمعرض والسيارات والمحلين، ومع ذلك، بعد أن دفع بعض الشيكات، باع كل شيء وتوارى عن الأنظار، فحولت الشيكات، وهي ¾ قيمة المبلغ إلى محامٍ خليجي وكّلته، لكن هذا الأخير على ما يبدو بلع الباقي. عندي تجارة بالملايين بعتها بملاليم».
إذاً هو ليس من جماعة القروض؟ قال: «بلى. كان لدي قرض، وكنت قد سددت منه بعضه، ولما أُبعدت، بالطبع لم أعد أدفع شيئاً، وهناك دعوى مرفوعة ضدي هناك وهنا، وأنا ممنوع من السفر. لكني لن أدفع إن لم تعوضني الدولة الإماراتية عن قرار الطرد، وما لحق بي من أضرار مادية جسيمة ومعنوية لسبب واحد، هو أني شيعي لبناني! لذا، أنا اليوم ممنوع من السفر مثل كثيرين غيري».
أما هـ. ح. فيخبرنا بالقصة التالية: «لدي صديق هو رئيس مجلس إدارة بنك لبناني. أخبرني أنه في يوم جاءه أحد العاملين في فرع المعلومات حاملاً بيده استمارة. وقال له حرفياً: ليك أنت صاحبنا، ومطلوب مني إبعت تقرير بابنك اللي عم يشتغل بالخليج. فشو منكتب؟ أجابه المدير: اكتب الحقيقة، أنه موظف ولا اهتمام له بالسياسة أبداً. وأضاف: «وكبس في يده مبلغاً من الدولارات»، فكتب تقريراً إيجابياً. أي إن الموضوع فعلاً من عندنا، والعملاء الذين يخربون أرزاق مواطنيهم مثلهم مثل عملاء إسرائيل لا فرق». اسأله: «وماذا حصل للشاب؟»، يجيب: «ولا شي... بقي في عمله».
يحاول بعض المبعدين أن يوكلوا محامين في الخليج لمتابعة قضاياهم، إلا أن أحداً لا يقبل بالدفاع عنهم خوفاً من الانتقام. ونحن لا نتحدث هنا عن محامين عرب، بل خليجيين ولبنانيين. لا بل إن من حاولت الاتصال بهم "الأخبار" في مكاتبهم هناك، ذعروا من الحيث الهاتفي وقالوا أن لا علاقة لهم بالملف ولا يريدون حتى التحدث فيه. لذا، يفكر المبعدون بالتضامن في ما بينهم وتوكيل محام حقوق إنسان، أجنبي ربما، ومن جمعيات حقوق الإنسان الدولية، للربط ما بين تعويضات الطرد واسترداد القروض.