قبل أسبوع، توجه وفد من حركة «أنصار الله» إلى منطقة عسير الحدودية للقاء مسؤولين سعوديين أمنيين وعسكريين، حيث تم التوصل إلى تهدئة تشمل المناطق الحدودية بين البلدين، من المفترض أن تفضي إلى تهدئة شاملة في مرحلة لاحقة تضع حداً للحرب السعودية على اليمن على مشارف الذكرى السنوية الاولى لاندلاعها.

مصادر «أنصار الله» تؤكد أن ما حدث لم يكن اتفاقاً، بل مجرد مساعٍ لا ترقى إلى مستوى الهدنة الشاملة بعد. وتمّ إطلاق سراح أسير سعودي برتبة عريف، مقابل سبعة يمنيين قبض عليهم من الداخل السعودي.
وجاء اللقاء الذي اقتصر من الجانب السعودي على تمثيل أمني وعسكري، ثمرة ثلاثة لقاءات جرت في مسقط بين الجانبين السعودي واليمني، إلى جانب لقاءات الوفد اليمني («أنصار الله» و«المؤتمر الشعبي العام») بمسؤولين روس وأوروبيين إلى جانب مسؤولين من الامم المتحدة، على مدى الأشهر الاربعة الماضية.

هادي للسعوديين: أنا معكم وخلفكم في كل ما تريدونه

الموقف السعودي تغيّر

لمست «أنصار الله» في الآونة الأخيرة تغيّراً في الموقف السعودي. مؤشرات عدة التقطتها الحركة اليمنية، تكللت باللقاء الحدودي الذي سهلت مساعٍ قبلية انعقاده.
وانعقد اللقاء بـ«ضوء أخضر» من الملك سلمان وبدفع من جناح ولي العهد محمد بن نايف المؤيد لوقف الحرب، وفقاً للمصادر. تعلم «أنصار الله» أن الانقسام داخل العائلة الحاكمة إزاء الحرب لا يزال مستعراً. هي على يقين من أن «جماعة (ولي ولي العهد) محمد بن سلمان» تتبنّى قرار استمرار الحرب حتى استئصال الحركة اليمنية.
لكنّ مسؤولين في «أنصار الله» يرون أن نزول السعودية من «عليائها» لم يكن حدثاً عابراً في سياق الحرب. فالمملكة توصّلت بعد نحو عامٍ إلى حتمية الجلوس معها، وإن بشكلٍ بدائي لم يتبلور بعد. يرى مصدر قيادي في «أنصار الله» أن أسباباً عدة جعلت السعودية تلجأ إلى البحث عن حلول، سواء عبر العُمانيين أو عبر اللقاءات الحدودية، بدءاً من العمليات ضد الاراضي السعودية، وصولاً إلى استمرار الحرب بلا نتائج تُذكر سوى إدخال البلد في فوضى ناجمة عن انتشار «القاعدة» و«داعش» على طول الساحل الجنوبي وفي تعز ومأرب أيضاً.
وترفض «أنصار الله» وجهة النظر القائلة إن ضغوطاً أميركية على السعودية هي ما سرّع انعقاد اللقاء. لا يزال الحوثيون يعتبرون الولايات المتحدة عدوّاً «متقدماً» على السعودية. من هذا المنطلق، يرى القيادي أن بعض السعوديين في ميلهم نحو إيجاد هدنة قد تجاوزوا الأميركيين، لذلك سمعنا ما صدر عن البيت الابيض أول من أمس عن أن الحل السياسي لا يزال بعيد المنال، أو بمعنى آخر إن الأميركي غير راضٍ عن تسوية يراها «غامضة» حتى الآن.

ترقب وامتناع عن التفاؤل

منذ ثمانية أيام، توقفت العمليات من الجانب اليمني ضد الأراضي السعودية، في مقابل تهدئة سعودية تشمل صعدة والمناطق الحدودية، كذلك توقفت الغارات الجوية على صنعاء. هي «إجراءات بناء ثقة»، بحسب «أنصار الله»، لا يزال من المبكر الحكم بنجاحها أو فشلها.
ورغم مجزرة سوق حجة قبل ثلاثة أيام التي أدّت إلى مقتل 107 مدنيين، والتي هددت بفشل التهدئة الحديثة، يرجع القيادي استهداف السوق في ظل التفاهم إلى الصراعات داخل «التحالف»، صراعات سعودية ــ سعودية وسعودية ــ إماراتية.
حالياً، تهيمن حالة من الترقب على «أنصار الله». يمنع التاريخ السعودي ــ اليمني من التفاؤل بوقف قريب للحرب، لا سيما أن اليمنيين معتادون غياب وحدة القرار في المملكة. ورغم كل التصريحات اللافتة أخيراً، جلّ ما تفعله «أنصار الله» اليوم هو مراقبة الأداء السعودي وخروقات التفاهم، قبل تحديد خطوتها المقبلة.
تحاول ألا تستسلم للتصريحات السعودية «الجذابة» عن نهاية وشيكة للحرب، ولا لكلام الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي عن «الشراكة في السلطة من دون إقصاء أو تهميش أي فئة» (بعدما كان يردّد أن الحرب لن تتوقف قبل عودة الحوثيين إلى جبال مرّان في صعدة). ويجدد مسؤولو الحركة التأكيد على انعدام قرار الرجل الذي أجاب المسؤولين السعوديين الذين أعلموه بنية التفاهم مع «أنصار الله» قبيل انعقاد اللقاء الحدودي بالقول: «أنا معكم وخلفكم في كل ما تريدونه».

لا مفاوضات قبل التهدئة الشاملة

وفيما يكثر الحديث عن انعقاد جولة مقبلة من المفاوضات قريباً، رجّحت معلومات صحافية أنها ستكون في الكويت التي زارها المبعوث الدولي اسماعيل ولد الشيخ وهادي قبل أيام. ويأتي اختيار الكويت لسبب رئيسي هو الفيتو السعودي على سلطنة عمان التي تعدّها الرياض «منحازة للحوثيين».
إلا أن «أنصار الله» تؤكد أن حدوث هذه الجولة يتوقف على نتائج التهدئة. «لا مفاوضات قبل وقف شامل لإطلاق النار»، هي اللازمة التي ردّدتها الحركة قبيل الجولتين الماضيتين، لكن الجديد هذه المرة أن التفاهم على وقف النار لم يعد بواسطة الأمم المتحدة، بل بمحادثات مباشرة مع الرياض. «إذا اقتنعت السعودية بوقف الحرب وتعميم ما جرى على الحدود على كل المناطق الأخرى، فسنشهد مفاوضات في دولة عربية»، يقول القيادي في «أنصار الله»، الأمر الذي يقلل من احتمال انعقاد الجولة في نهاية الشهر الجاري مثلما ورد في وسائل الإعلام الخليجية.
وعن مضمون أي جولة مقبلة من التفاوض، تؤكد «أنصار الله» أن السعوديين يعلمون أن القرار الدولي 2216 ليس لديه أرضيه للتطبيق، وأنه يجب اللجوء إلى قرار دولي آخر.
في الوقت الراهن، تحاول السعودية الايحاء بـ«استسلام الحوثيين»، إذ تروّج في وسائل إعلامها لقيامهم بنزع الألغام من صعدة، وإذلالهم حين تنشر أنباء عن إدخالها قافلة مساعدات إلى صعدة، الأمر الذي نفاه محافظ صعدة محمد جابر عوض أول من أمس بشكل قاطع.
ولكن رغم هذه المحاولات، من الواضح أن الرياض تسعى إلى تمهيد أرضية حتى في إعلامها لنهاية قريبة. ما يعزز هذا الظنّ هو غياب أي خبر عن المعركة التي شهدتها عسير ليل أول من أمس، حين شنّ الجيش السعودي هجوماً لاستعادة منطقة الربوعة قبل إفشاله من قبل الجيش و«اللجان الشعبية». غياب التغطية يوحي باتفاق ضمني على الإمساك إعلامياً بمناخ التهدئة الحدودية.

الميدان يعاكس الرياض

ولكن مشكلة أساسية تقلل من إمكانية ذهاب السعودية إلى إعلان النهاية قريباً، هي التوازنات العسكرية التي لا تزال بالمجمل في كفة «أنصار الله». الخرق الذي حدث قبل أسابيع في منطقة نهم، شرقي صنعاء، والذي اتخذه الاعلام الخليجي منطلقاً للحديث عن اقتراب «معركة صنعاء»، تمكّن الجيش و«اللجان الشعبية» من معالجته قبل أيام بعد استرداد المناطق التي استطاعت مجموعات «الاصلاح» السيطرة عليها بمساعدة طائرات «التحالف». هذا الأخير اعتمد سياسة الارض المحروقة لتحقيق هذا الخرق، فضلاً عن العدد الهائل من المقاتلين الذين تم تدريبهم في مأرب. «ما جرى في نهم أزعجنا، ولكنه لم يشكل تهديداً حقيقياً لنا»، وفقاً للقيادي. فقبل الوصول إلى العاصمة، كان على المسلحين مواجهة ثلاث قبائل، هي بني حشيش، وبني حارث، وأرحب، التي تؤيد الجيش و«اللجان»، بينما ينحسر فيها حضور «الإصلاح».
أما في تعز التي يسيطر الجيش و«اللجان» على معظم مديرياتها، فقد تحرك «الإصلاح» وحلفاؤه فور وصول الأنباء عن تفاهمات، مسارعاً إلى حجز مكان له في أي اتفاق. بسط المسلحون سيطرتهم على ثلاث مديريات في مدينة تعز، وهو ما كان كافياً لادّعاء وسائل الاعلام الخليجية «فك الحصاء عن تعز» في ساعات قليلة. يؤكد القيادي في «أنصار الله» أن «القاعدة» و«داعش» شاركوا بكثافة إلى جانب «الاصلاح» في هذه المعركة، ووقعت جرائم سحل وتمثيل بالجثث بيّنت الصور ومقاطع فيديو أن رايات «داعش» كانت تظللها.
اعتاد «الإصلاح» ردود فعل من هذا النوع، حين يستشعر أن حلاً سياسياً يلوح في الأفق. الحزب «الإخواني» ذو النفوذ الكبير في اليمن يخشى أن يغيب عن صيغة الحكم المقبلة، لذلك هو يغتنم أي فرصة ليوجه رسائل إلى الرياض مفادها «أننا سنكون جزءاً من أي تسوية».

لا تقسيم ولا «أقلمة»

تنظر «أنصار الله» إلى تعيين اللواء علي محسن الأحمر نائباً عاماً للقوات المسلحة، من قبل هادي أخيراً، على أنه خطوة لتكريس أمر واقع شمالاً وجنوباً في التسوية المقبلة، على قاعدة أن الشمال له، والجنوب لهادي وبحاح. ويؤكد القيادي في هذا الإطار أن ذلك لن يمرّ، لأن اليمن سيظلّ دولة موحدة «لن نسمح بتفكيكها وتمزيقها»، حتى بصيغة «الأقاليم الستة» الشهيرة التي «عفّ عليها الزمن».
في المحصلة، لا تزال «أنصار الله»، بعد عام على العدوان، متيقنة من أن الرياض تخوض حرباً عبثية، فيما يبقى تخلّي الاميركيين عنها مسألة وقت. ومع ازدياد حديث التسويات، سيظهر قريباً أن من غير الممكن المضي بأي حل لا تكون «أنصار الله» عضواً أساسياً فيه، ما سيثبت لمرة أخيرة أن السعودية خاضت حرباً من أجل «لا شيء».




عتب على «الأصدقاء»

بعد مرور سنة على بدء العدوان، يرى مسؤولون في «أنصار الله» أن الموقف الروسي من الحرب «سيّئ»، فيما يعاتبون بعض المسؤولين الإيرانيين الذين يطلقون تصريحات «تفتقد إلى الحكمة».
وقد يكون ردّ عضو «اللجنة الثورية العليا» يوسف الفيشي (أبو مالك) على تصريح نائب رئيس الأركان الإيراني مسعود الجزائري، حين عبّر عن استعداد بلاده لإرسال خبراء عسكريين إلى اليمن، بدعوته إيران إلى «التوقف عن المزايدة في الملف اليمني»، خير دليل على "التباين" بين الطرفين. القيادي في الحركة يشير إلى أنّه رغم أن "موقف الفيشي لا يمثل موقفنا... إلا أننا نؤيد انتقاد الموقف الايراني الذي جاء في توقيت سيّئ، وبدا كأنه يعيق التفاهم على التهدئة».




هل يقاتل التحالف «القاعدة» في الجنوب؟

قبل أسبوع، اندلعت مواجهات مسلحة بين فصائل تابعة للتحالف السعودي و«القاعدة» في منطقة المنصورة في عدن. حينها قيل إنها من ضمن مرحلة أمنية جديدة في الجنوب أطلقها رئيس الحكومة المستقيلة خالد بحاح، رجل الإمارات الأول. ترى «أنصار الله» أن الحرج يتسع داخل «التحالف» من الواقع الذي نتج من السماح للتنظيم المتطرف بالانتشار.
إلا أن الرفض السعودي لقتال «القاعدة» والتكفيريين في عدن، بما فيهم تنظيم «داعش»، لا يزال الخيار المهيمن بين الحلفاء. أما المواجهات القليلة التي اندلعت أخيراً، قبل أن تنتهي باتفاق يخرج مسلحي «القاعدة» من المنصورة، فهي محاولة لنزع ورقة «القاعدة» و«داعش» الرابحة من يد المفاوض اليمني أمام المجتمع الدولي، بحسب القيادي في «أنصار الله». بمعنى آخر، يحاول «التحالف» رفع راية محاربة «الإرهاب» لقطع الطريق على «أنصار الله» من استخدام الورقة نفسها في المفاوضات المقبلة.