في مثل هذا اليوم لسنتين خلتا، 19 آذار 2014، مثّلت حكومة الرئيس تمام سلام امام مجلس النواب لنيل ثقة حازتها اليوم التالي بـ 96 صوتاً. ابصرت النور بعد مخاض غير مسبوق استمر 11 شهراً، لم يأذن فحسب بأنه القياس الجديد للوقت الذي سيستغرقه مذ ذاك تأليف الحكومات، بل أذن خصوصاً بالشغور الرئاسي المحتمل. إلا أن ما لم يكن في الحسبان أن تشهد حكومة الإئتلاف بين قوى 8 و14 آذار ــــ مع أن أياً منهما لم يعد كذلك ــــ هذا الكمّ من الإنقسام والتفكك والنزاعات على نحو قلب مهمتها رأساً على عقب: من حكومة تنتشل الإستحقاق الرئاسي من الشغور إلى حكومة تحتاج إلى مَن ينقذها من نفسها. أول مَن بات يتذمّر من استمرارها هو رئيسها بالذات إلى حد يحمله على القول إن "الملقّ قد أفلت تماماً"، وهو يقيّم حصيلة ما شهده في جلسة الخميس. أوشك أن يحمل أوراقه ويغادر مجلس الوزراء بعدما بلغت السجالات بين الوزراء حداً من النزوع المذهبي لا يطاق: "لا يمكنني إدارة مجلس الوزراء يجري فيه ما يجري. أنتم مَن يتحمّل المسؤولية. مرت ثلاث جلسات ونحن غارقون في السجالات السياسية من دون مناقشة جدول الأعمال. هذه الجلسة مخصصة لجدول الأعمال. لننته منه ثم نبحث في القضايا الأخرى".
كانت جلسة الخميس إحدى أسوأ الجلسات التي ترأسها سلام. إلا أن مجلس الوزراء في الأسبوعين المقبلين في إجازة بسبب الأعياد، من شأنها حمل رئيس الحكومة على مزيد من التفكير والمشاورات في مرحلة لا يخفي أنها تقلقه في ضوء ما أثير أخيراً، وطبيعة السجال غير المألوف، ما يجعل جهود لملمة الحكومة تنطوي على صعوبات: "لا أعرف ماذا ينتظرنا! أخشى من المحظور الذي هو انفراط عقد الحكومة. أي فرق بين حكومة مشلولة وحكومة تصريف الأعمال؟ إنها نفسها".
يقول سلام: "ما أن ننتهي من مشكلة حتى نقع في أكثر من مشكلة، ومنها ما هو مفتعل. كأن أحداً من الوزراء لا يريد أن يعمل، أو يعمل على إمرار الوقت فحسب. طبعاً الشغور الرئاسي يرخي بثقله على الوضع العام، مع أننا في الحكومة، في الأساس، إتفقنا على قاعدة أساسية هي أن البلد لا يمشي بلا رئيس للجمهورية، لذلك يقتضي أن نعمل في سبيل هذا الهدف. لكن أن نعمل في سبيل متطلبات الناس والحؤول دون انهيار البلد. منذ البداية قلت للجميع إن علينا العمل في مجلس الوزراء، في الظروف الصعبة الحالية، كما لو أنه مجلس إدارة رغم أنه مركز القرار لأن الظروف أحالت طاولة الحوار الوطني إلى مركز للقرار. لندع مجلس الوزراء يعمل. لكن الواقع أنهم لا يريدون لمجلس الوزراء أن يعمل".
يسوء سلام تنامي الخلافات بين مرحلة وأخرى دونما التقاط الأنفاس: "في بداية العام قالوا سنترك مجلس الوزراء يعمل. بعدما اختلفنا طويلاً على سبل ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية وأوجدنا طريقة تعاون في اتخاذ القرار، بلغنا في الجلسة الأخيرة الذروة بفتح سجالات طائفية ومذهبية. الملقّ فلتان تماماً. لا رئيس للجمهورية لسنتين مضتا وقد راكمتا السلبيات الى حد يوصلنا الى تآكل الدولة ومؤسساتها، مجلس نواب لا يجتمع سوى مرة أو مرتين في السنة. تسيّب كامل. لا أحد يحاسب الحكومة، ولا الوزراء يحاسبون أنفسهم بل ينقلون نزاعات أحزابهم وتياراتهم إلى داخل مجلس الوزراء".

التفكير في الإستقالة تعبير عن التذمّر من عجز الحكومة عن العمل

لا يتردّد في القول إن ثمة "مَن يساهم عن عمد في تباطؤ عمل الحكومة وإضعاف دورها في هذه المرحلة إلى الحد الأدنى، من دون أن يكون هناك إنهيار مدوّ إلى حين التوصل إلى انتخاب رئيس للجمهورية. إلا أن ذلك يعني أيضاً التسبب بمزيد من عرقلة الإنتخاب والذهاب من ثمّ إلى مجهول لا نعرف أين نصبح فيه؟ ينهار النظام، يتغيّر، ينفجر. لا أحد يعرف أين يمكن أن يقودنا إنهيار كهذا؟ كأننا لم نتعلم من الإنهيارات التي عرفناها. في الطائف كان هناك من يلمّ البلد، ثم في الدوحة كان هناك مَن يلمّ البلد. الآن ليس مَن يفعل ذلك، وليس ثمة مَن يأبه بنا. صحيح أن هناك قراراً إقليمياً بعدم إنهياره، لكن ذلك غير كاف، وقد لا يمنع تداعي السقف على رؤوس الجميع".
لا يسقط سلام الإستقالة من حسابه: "نعم هدّدت بها مرتين وثلاثاً وأربعاً، وسأهدّد بها. على ما يبدو لا تنتظم أحوال مجلس الوزراء إلا بعد كل تهويل بالإستقالة. أحاول أن لا أصل إلى هذا الحد، إلا أنني أخشى فعلاً من أن أصل إليه. طبعاً الإستقالة ليست حلاً ولا أريد إشعار اللبنانيين بأنني تخليت عنهم. إلا أن إستمرار الوضع على ما هو عليه يجعلني شريكاً في التعطيل والشغور الرئاسي، كما أن استمرار بقائي على هذا النحو كأنني أغطي التعطيل وإبقاء البلاد بلا رئيس، وهو ما لا أريده. إستمرار الحكومة بخلافاتها وانقساماتها أفضل دليل على أنها تغطي الشغور الرئاسي. لست وحدي المسؤول، لكنني أتحمّل كرئيس للحكومة القسط الأوسع من المسؤولية. الأمر سيان بالنسبة لديهم لأن لديهم أحزابهم ومكاسبهم ومنافعهم".
هل يعوّل على دور لرئيس مجلس النواب نبيه بري في لملمة أشلاء الحكومة؟
يقول سلام: "الرئيس بري لم يقصّر مرة، ولم يبخل بجهوده ومحاولاته، ولولاه ومساعدتي في لمّ هذه الحكومة لما أمكننا ربما أن نصمد إلى هذا اليوم". يضيف: "بالتأكيد كان حل مشكلة النفايات بعد ثمانية أشهر قطوعاً إجتزناه. كان البلاء الكبير. طبعاً هو إنجاز في ظلّ التعثر الذي نحن فيه. كان إختراقاً، كما التعيينات الإدارية في جلسة الخميس كانت إختراق الحدّ الأدنى إذا أخذنا في الإعتبار المناخ الذي ساد الجلسة".
هل طوى صفحة الإستقالة؟
يقول سلام: "التفكير في الإستقالة ليس سوى تعبير عن التذمّر من عجز الحكومة عن العمل، وهي ليست هدفاً في ذاته. لا أبحث عن مكاسب في الحكم ولا أريد منافع. بل أنا زاهد. إلا أن مقاربتي للإستقالة مرتبطة بمدى شعوري بأن الناس لم يعد يجدون فائدة من بقاء هذه الحكومة. قبل أسبوعين بلغ اليأس لدى اللبنانيين حيال كارثة النفايات حداً لم يكن في الإمكان تحمّله، وضمر سؤالاً في خاطرهم هو من أجل ماذا تستمر هذه الحكومة وأستمر أنا على رأسها؟ فكّرت في الإستقالة لأن ليس لي أن أحمل وحدي عبء مشكلة تراكمت منذ أكثر من 20 عاماً، والمسؤولون عنها يعرفون أنفسهم، وهم مَن يقتضي حمل هذا الوزر. لوّحت بالإستقالة أكثر من مرة وأنا أراهن في الوقت نفسه على الوصول إلى نتيجة تنهي هذه المشكلة التي تحوّلت إلى سُمّ يتجرعه اللبنانيون. فعلاً أنجزنا هذا الحلّ الذي هو لغم كبير أزحناه ــــ وإن بعد وقت ــــ من طريقنا وطريق اللبنانيين على الأقل مرحلياً. لكن ذلك لا يعني أنني مرتاح إلى إستمرار الشغور الرئاسي الذي ينهك حكومتنا ويطيل عمرها وعمر خلافاتها".