«شلالات نفق المطار»، «شوارع لبنان مسبح ضخم»، «... مع تحيات حكومات لبنان الغارقة بالفساد»، «نطالب فوراً بتشكيل حكومة تصريف المجارير، مش الأعمال»، «نفق المطار مغلق بالمياه: ليش في أحلى من لبنان»، «المجارير طايفة، طايفتين.. ثلاث. مش مهم، نحن بلد التعددية»، «نطلب من المغتربين عدم القدوم إلى لبنان: عم نشطف»... هذه حفنة قليلة من تعليقات المواطنين على «فايسبوك» أمس. تعبيرهم الساخر عن طرقات لبنان يلامس الحقيقة المُرّة المغيّبة قسراً. هي حقيقة يرفض المسجّلون ضمن لائحة «دولة لبنان الكبير» الكشف عنها. وزير الأشغال العامة غازي العريضي يتصدّر هؤلاء، فهو ألغى مؤتمره الصحافي الذي كان مقرّراً أمس «لأن لا شيء لديه يضيفه إلى ما بات معروفاً» كما نقلت عنه مصادر متابعة.


الحقيقة تتجلّى في التعليقات الساخرة على «الطوفان» والتعبير الصادق عن حالة «الدولة المستقيلة». الطوفان يتكرّر سنوياً بين تشرين الأول وكانون الأول، والإدارة الحكومية تجترّ التبريرات نفسها أيضاً وتجترّ المشكلة نفسها. مرّت سنوات عديدة من دون أن يتمكن أحد من تحديد المسؤوليات. وإذا افترضنا أن جهازاً ما أو إدارة ما تمكنت من تحديد هوية «الجناة»، فلا أحد لديه القدرة على محاسبتهم. هذا الواقع لا ينتج حلولاً ولا معالجات، بل يثير أسئلة: هل المشكلة في تمويل عقود الصيانة وتأخّر التلزيمات؟ هل المشكلة في تنفيذ عقود الصيانة ومراقبتها وفي محاسبة المتعهدين؟ هل المشكلة ذات جذور أبعد؟ هل تكمن المشكلة في السلطة نفسها التي لا يمكنها ألا تنتج سوى هذا الفساد كلّه؟
نفق «الكوكودي» ليس إلا حالة من حالات كثيرة شهدها لبنان أمس. هذا النفق تحديداً يقع ضمن حرم مطار بيروت الدولي ويمرّ نهر الغدير من تحته بـ«قناية» تمتدّ حتى نهاية مدرّجات المطار لتصبّ مياهه في البحر. صيانة هذا النفق، بما فيها تنظيف مجاريره، تنفذّها شركة مملوكة من شركة طيران الشرق الأوسط «ميدل إيست». مصادر الشركة، تقول إن عمليات الصيانة مبنيّة على أساس دراسة علمية لكمية المياه والأتربة التي قد تدخل في أنابيب التصريف (المجاري) مقابل قدرتها الاستيعابية، وقد حسبت الدراسة وجود نهر الغدير واحتمال طوفانه (!). وفي حالات الطوارئ، تستخدم هذه الشركة أربع مضخّات كبيرة لشفط المياه تحسباً لسقوط كميات أمطار كبيرة أو انسداد الأنابيب أو طوفان النهر... رواية الشركة تقول أن المضخات الأربع تعطّلت بفعل دخول كميات كبيرة من المياه إلى غرفة الكهرباء التي تشغّل المضخّات، وبالتالي لم يعد ممكناً سحب المياه ولا تصريفها، بل حوّلت النفق إلى خزّان مياه هائل.
طوفان نفق «الكوكودي» يشبه «طوفان» باقي المناطق. قد تتغيّر تفاصيل القصة بين نفق وطريق عام وفرعي وطوفان نهر داخلي وأتربة تدخل من فتحات المجارير، ومضخات مياه معطّلة، وأنابيب مسطومة، إلا أنها تبقى القصّة ذاتها: أنفق لبنان عشرات مليارات الدولارات، منذ مطلع عام 1992، لإنشاء بنية تحتية سرعان ما تبيّن أنها «رخيصة» بغالبية مفاصلها. المجارير وتصريف مياه الأمطار تقع في صلب هذه البنية ونالت حصّة وافرة من المليارات أيضاً، ويخصّص لها سنوياً ملايين الدولارات لصيانتها. ففي عام 2013 لزّمت وزارة الأشغال العامة عقوداً لتأهيل شبكات تصريف مياه الأمطار والمجاري الصحية بقيمة 11.7 مليار ليرة (7.8 ملايين دولار). نفق «الكوكودي» وحده شيّد بكلفة 57 مليون دولار وكان يعاني منذ أن وضع بالخدمة من مشكلة طوفان مياه المجاري.
طبعاً هذا الكلام لا يعني أن الجهات المسؤولة اليوم عن أعمال الصيانة وتأهيل شبكات المجارير في لبنان، ليست مقصّرة، ولا يعني هذا الأمر أن يحصل الطوفان وان يصبح المواطنين على حافة الغرق في سياراتهم من دون أي تحقيق في هذه الحادثة ولا في مسببيها. كذلك لا ينبغي أن تكون المحاسبة على إنفاق تلك المليارات من الأموال العومية خاضعة للتسييس... إلا أن ما حصل أمس أضاف إلى الازدحام المتواصل في مختلف مناطق بيروت، ذعراً ورعباً. الرعب من الوقوع في «فخّ» أي نفق، والذعر من الغرق في الطريق العام.
هذا الموسم بدأ باكراً مع سجال اندلع بين وزير الأشغال العامة غازي العريضي ووزير المال محمد الصفدي حول وجود اعتمادات لتلزيم أعمال الصيانة. كان هدفه «طمس» حقيقة أن الأموال العمومية تموّل عمليات السمسرة في أشغال أخرى «دسمة». وعندما خرج الصراع إلى العلن، سرعان ما بدأت التلزيمات. ففي مطلع أيلول انطلقت عملية استدراج عروض محصورة بثماني شركات هي: شركة الجنوب للإعمار، شركة البنيان للهندسة والمقاولات، مؤسسة سرحال للتجارة العامة، شركة قمبريس، شركة MISC، شركة الجهاد للتجارة والتعهدات، شركة مكتب حميد كيروز، بالإضافة إلى شركة العالم العربي للالتزامات والإدارة. وقد جاءت نتيحة استدراجات العروض لتمنح الجنوب للإعمار تلزيمات صيانة طرق بيروت وطرق البقاع للبنيان وقمبريس، وطرق ضاحية بيروت الجنوبية للجهاد، وطرق طرابلس لكيروز، وطرق خلده ــ الأولي حتى صور لشركة MISC، وطرق مرجعيون حتى المصنع لسرحال، وطرق دوار أبو علي ــ الحدود السورية لشركة العالم العربي.
إذاً، المشكلة ليست في التمويل، وإن جاء متأخراً، بل انتقلت إلى عقود التلزيم حيث عليها أن تقوم بجولة بين الوزارات والإدارات المعنية، «وهي لم تخرج إلا قبل يومين من غرف ديوان المحاسبة» تقول مصادر مطلعة. رغم ذلك، يقول أحد المتعهدين، أنه تلقى اتصالاً من العريضي يطلب منه البدء في تنفيذ الالتزام على مسؤوليته قبل انعقاد الصفقة رسمياً، فانطلق بعض المتعهدين في هذا الأمر، وقرّر آخرون الانتظار حتى تكتمل العقود بشكلها النهائي.
هذا يعني أن تنفيذ العقود استبق، جزئياً، المشكلة، فلماذا طافت في كل لبنان؟ وهل مجارير لبنان مرشحة إلى جولة ثانية من الطوفان؟
يجيب رئيس مجلس إدارة «الجنوب للإعمار» رياض الأسعد: بالتأكيد. نحن أبلغنا المعنيين أكثر من مرّة بأن هناك مناطق مرشّحة لطوفان الأنابيب بسبب انسداد المخارج الكبرى. فعلى سبيل المثال، إن أعمال «مارينا ضبيه» أغلقت جزئياً مصبّات الأنابيب في البحر، أما في وسط بيروت فالمجارير موصولة على قساطل بلا مخرج (قسطل المباني)! كذلك إن منطقة الكرنتينا مرشحة للطوفان لأنها بلا أي بنية تحتية.
هذه النماذج التي يشير إليها الاسعد كانت محور نقاش هاتفي أجراه ميقاتي بالأسعد: ماذا يمكننا أن نفعل اليوم؟ سأل ميقاتي. سؤال ميقاتي مفاجأة. سؤال ميقاتي ليس سوى قنبلة في وجه المواطنين الذي يأملون وجود نصف دولة في لبنان، بوجود دولة لم تنأ بنفسها عن الطوفان.
في المجال نفسه، ينفي رئيس بلدية الشويفات، ملحم السوقي، أن تكون بلديته مسؤولة عمّا حصل أول من أمس في نفق طريق المطار - خلدة. وقال لـ«الأخبار» إن قانون البلديات «لا يجيز لنا سوى العمل في المناطق الداخلية للبلدية، أما ذاك النفق فلا صلاحية لنا حياله، وهو من مسؤوليات وزارة النقل والأشغال العامة». واستغرب السوقي عدم خروج أي مسؤول في الدولة، من مختلف الوزارات، ليحدد طبيعة ما حصل في النفق، وسبب فيضان المياه هناك، إذ «كنا أمام كارثة، تعطّلت حركة السير لساعات، والبعض غرق في المياه، وحتى الساعة لم يجر تحقيق ميداني لمعرفة ما حصل». لكن من وجهة نظره، يرى السوقي أن ما حصل ربما يكون بسبب «توقف التوربينات المزروعة في الأرض، التي تعمل على شفط المياه ورميها بعيداً، وبالتالي فإما هي معطلة وإما أطفئت عمداً بغية عدم وصول الماء إلى الأسلاك الكهربائية، لأن هذا يؤدي إلى كهربة المياه وبالتالي يتأذى كل من يتصل بالماء». ويردف موضحاً: «هناك شركة خاصة تلتزم صيانة النفق، وما حصل هو مسؤوليتها، لأننا لا يمكن أن نضع سداً مانعاً لتدفق نهر الغدير، الذي بالمناسبة لم يجتح بيوت الناس هذا العام».