لم يعد السؤال يتعلق بإقامة «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في ظروف أمنية هشّة يعيشها لبنان في جوار يحترق، بل بات محتّماً الذهاب بعيداً إلى إشكاليات «مزمنة» تحيط بـ«عميد المعارض» الذي ينطلق اليوم في «مركز بيال للمعارض». الدورة الـ57 التي تحمل شعار «أعرض من معرض»، تطلّ في ظروف استثنائية أمنياً واقتصادياً، والأهم أنّها ما زالت تعاني من غياب الرؤية والتخطيط.


الموعد السنوي الذي ينتظره اللبنانيون والعرب كمساحة للتلاقي والتلاقح الثقافي يبدو رتيباً في برمجته الممتدة على 13 يوماً، والسبب غياب سياسة ثقافية وتغييب لمحاور حيوية أساسيّة تعيشها المنطقة.
مع ذلك، يبدو المنظمون من «النادي الثقافي العربي» و«نقابة اتحاد الناشرين في لبنان» متفائلين بالكتاب وصناعته. هم يرون أنّ ما من شأنه أن يعيد ريادة المعرض موجود في الأصل! وقد اختاروا اعتماد سياسة النأي بالنفس عن تسيير دفة المعرض. رئيس «النادي» فادي تميم يرى في غياب الخيط الممسك بالمعرض (بما أنّ كل دار تتولّى إدارة مملكة مستقلة بحد ذاتها) أمراً إيجابياً، فذلك سيشكّل «مساحة للحرية في عرض الإصدارات المتنوعة». يرخي موضوع تراجع مشاركة الدور السورية بثقله على «النادي» في ظل الأزمة الدامية في الشام وامتداد قطرها على مناطق الجوار من الأردن والعراق، إذ عانى كثيرون من إعاقة حركة شحن الإصدارات براً. مع ذلك، تتمثّل هذه الدور إما بالمشاركة في المعرض أو بالاستعانة بدور لبنانية، أو في أسوأ الحالات بالكتب الإلكترونية. وهذه السنة، حرص المنظمون على حجز مساحة للموسيقى مع مشاركة الملحقية الثقافية الإسبانية للمرة الأولى عبر أمسية فنية (10/12). وكما جرت العادة، سيكون الكونسرفاتوار الوطني حاضراً والفن التشكيلي مع سيطرة الحضور اللبناني على هذه الأنشطة مقابل ضآلة المشاركة العربية.
أكثر من 210 دور محلية و55 عربية لسبع دول (منها السعودية، الكويت، سلطنة، ليبيا، العراق، فلسطين) ومشاركة أكثر من 14 مؤسسة ثقافية مع برمجة موازية يتخللها تكريم للأخوين فليفل (8/12ــ س: 18:00 بمشاركة حسان حلاق، أحمد قعبور، طارق قاطرجي، إدارة اسيمة دمشقية)، وللمخرج المسرحي الراحل يعقوب الشدراوي (2/12 ــ س: 18:00 بمشاركة روجيه عساف، عبيدو باشا، نقولا دانيال، إدارة ماجدة داغر) وتخصيص يوم لفلسطين (15/12) مع حفلات فنية وعروض أفلام وندوات. وفي ظل هذه المراوحة، يبرز سؤال كبير عن عصر ذهبي عاشته بيروت مرةً بوصفها عاصمة للنشر العربي بعدما تراجعت حركة النشر العربي فيها إلى ما يقارب 50%. إلا أنّ نائب رئيس «نقابة اتحاد الناشرين في لبنان» نبيل عبد الحق متفائل، بل يتمسّك بأنّ «بيروت عاصمة النشر في الشرق الأوسط وسبّاقة في الطباعة والفكر»، نظراً إلى طفرة الدور فيها ونسبة مبيعاتها وإنتاجاتها العربية ومشاركتها في المعرض وإتاحتها مساحة من الحرية وغياب مقص الرقابة الحاضر بقوة في العالم العربي. النفس التفاؤلي ينعكس أيضاً على بعض الدور المشاركة من حيث الإصدارات والرضى عن نسبة المبيع في العام الماضي، لكن طبعاً مع وجود تخوّف من الأحداث الأمنية. لكن ماذا عن الجديد الذي تقدّمه هذه الدور؟ رنا إدريس من «دار الآداب» تضع ثقلها في الإنتاج الروائي الذي يتخطى الحدود الجغرافية المألوفة. هذه السنة، عرّبت الدار أعمالاً لبلاد شبه غائبة عن المشهد الروائي كالهند وكوريا، إضافة إلى تركيا واليابان الحاضرتين دوماً. هذا العام، سيتاح للقارئ قراءة «لقيطة اسطنبول» و«شرف» للتركية أليف شفق، وأعمال ألبير كامو في مئويته (راجع مقال الزميل أحمد محسن). ويبقى الموعد الثابت مع الجزائري واسيني الأعرج (مملكة الفراشة). وتحتفي الدار هذا العام بإطلاق موقع مجلة «الآداب الإلكترونية الذي يتضمن تراث المجلة منذ عام 1953». «دار الساقي» ستنشر للمرة الأولى مخطوطة للشاعر الفلسطيني محمود درويش كتبها في باريس رداً ضمن «أنا الموقع أدناه محمود درويش» لإيفانا مرشليان (14/12 ــ س: 18:00). كذلك، يوقّع جبور الدويهي «حي الأميركان» (15/12 ــ س:18:00)، واسكندر نجار «برلين 36» (13/12 ــ س: 18:00). رانيا المعلم من الدار تتمنى لو تصدر وزارة التربية قراراً بالسماح لطلاب المدارس الرسمية بالتوافد الى المعرض من دون الحاجة الى إذن مسبق، ما «سينعكس إيجاباً على حركة المعرض». وتبقى الترجمات للأدب العالمي حاضرة في «دار المدى»، إضافة إلى إصداراتها العراقية المعتادة. وتكشف مهى الزين أنّ الدار تقدّم تخفيضات تتراوح بين 20 و25% على أسعار كتبها، وسط توقعات مثقلة بالتخوف وغياب الحماسة.
جنان جمعاوي المسؤولة الإعلامية في «هاشيت ــ أنطوان» تبدو متفائلة لناحية تشكيل المعرض فرصة تلاقي بين القارئ والناشر مع ابتعاد الدار عن إصدارات ذات طابع سياسي والتركيز على الأدبي وتخصيص حيّز مهم للناشئة وللأطفال. في الأجواء العامة التي تعتري الدور والبرمجة، تحضر سياسة النأي بالنفس بقوة، وتُترجم الابتعاد عن طرح معالجات ومقاربات للحراك العربي. ويبقى السؤال: ماذا بقي من صفتي «العربي والدولي» المتلازمتين للمعرض مع غياب لافت للحراك العربي داخله ولشخصيات محورية لطالما احتضتنها بيروت؟ هل هو مخاض قبل استعادة «عميد المعارض» عصره الذهبي؟




«معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»: بدءاً من اليوم حتى 19 ك1 (ديسمبر) ــ «مركز بيال للمعارض» ــ للاستعلام: 01/345948

يمكنكم متابعة زينب حاوي عبر تويتر | @HawiZeinab