34 سنة فصلت بين روايتي «الرغيف» (1939) و«طواحين بيروت» (1973) لتوفيق يوسف عواد. منحت هذه السنوات الروائي اللبناني لقب الشاب وهو في الستين. أن يكتب رواية عن الشباب بنبضهم، هذه هي المفارقة التي أدخلت «طواحين بيروت» لائحة أفضل مئة رواية عربية، إضافة طبعاً إلى اعتبارات أخرى. يتردّد مصطلح الإصدارات الشابة اليوم. وهو يزداد التباساً مع طفرة الإصدارات الأولى. يدمج هذا التعريف المبدعين الذين يراوح عمرهم بين العشرين والثلاثين.


ينزعج بعض الكتّاب الجدد من هذه التسمية، باعتبارها تصنيفاً يدمج بين الإصدارات الجيدة والسيئة. حسناً، هذه ليست المشكلة الآن، فـ «الإصدارات الشابة» صارت حالةً تحتاج إلى دراسة جديّة بتشعّباتها: العقبات التي تقف بين الكاتب الجديد والدار، ومساهمة فايسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي في تخريج عدد لا بأس به من هؤلاء الكتّاب... سهّل فايسبوك رواج عملية الكتابة، وعزّز ثقة الكاتب في الإقدام على النشر. من ناحية الكتابة، حمل معه لغة جديدة، مقتضبة ومباشرة، وأفكاراً لحظوية تتسم بردة الفعل، وأتى بأساليب تقييم جديدة تتمثّل في اللايكات والتعليقات. نحن هنا أمام حقيقة: الدواوين الجديدة أكثر من الشعراء، والنقاد أقل منهما! لكن من يصفّي؟ ومن يعطي الكتب الجديدة حقها؟ ومن يحمّل الشاب المتحمّس مسؤولية النشر؟ وكيف تتعامل الدور مع الموضوع؟ وما المقاييس التي تعتمدها؟ الواقع يقول إنّها ليست جمعيات خيرية تحرص على الجودة فقط، بل هناك حسابات تسويقية ترافق حسابات النوعية. لكن ما هي مقاييس النوعية؟ كيف لها أن تطبّق حين تفرض الدار كلفة 2000 دولار على ديوان الشعر؟
توافق المحرّرة في «دار نوفل» التابعة لـ«هاشيت أنطوان» رنا حايك على أنّ لوثة سهولة النشر تصيب معظم الشباب في الآونة الأخيرة. هذه السنة، تلقّت الدار عدداً من المخطوطات لكتّاب جدد، إلا «أن معظمها يعاني من الركاكة». تمنح الدار خدمات للتجارب الأولى، وتعفي الكتّاب الجدد من كلفة النشر، شرط أن «تتوافر القيمة الأدبية في المخطوطة» وفق حايك. هكذا تشجّع الدار التجارب الشابة من دون الميل إلى التساهل. وبهذا تتحمّل مسؤوليتها، من خلال ممارستها لدور الناقد والرقيب على المخطوطات التي تتلقّاها. في السنوات الأخيرة، احتفت الدار بالإصدارات الجديدة، لكنها هذه السنة تخلو كلياً من أي إصدار أوّل، وعزز ذلك أنها تستبعد الدواوين الشعرية. تعتقد حايك أن لا احترام لذائقة القارئ اليوم، وأنّ «فايسبوك وإن كانت لديه بعض الحسنات، إلا أنه درّج لغة سهلة». هذه الفكرة تناقضها دار «الفارابي»، فـ«كتاب واحد لا يكسر دار النشر، لكن يمكنه كسر الكاتب الجديد» يقول المدير المساعد في الدار حسن خليل. لذا اتبعت الدار توجهاً جديداً هذا العام يهتمّ بالإصدارات الشابّة ويمنحها فرصاً عبر تقديم تسهيلات إنتاجية وتوزيعية لها. وفيما نشرت الدار 4 مؤلفات للشباب العام الماضي، شكّلت حصيلتها هذه السنة 12 تغلب عليها الدواوين. في الوقت ذاته، لا تميل الدار إلى فرض مقاييس وشروط نشر صارمة على كتب الشباب، بل إنّ الأخيرة تخضع للمعايير المتبعة على كل الإصدارات في الدار. أما الكتب الشعرية فهي تنشر على حساب الكاتب ومسؤوليته ولا تتدخل الدار فيها. بين 2006 و2011، أطلقت «النهضة العربية» مشروعاً شعرياً عبارة عن نشر مجموعة من الدواوين لشعراء جدد بشكل مجاني. إلا أنه توقف تزامناً مع الثورات العربية. يقول المدير المساعد في الدار زياد الحايك «إنّنا نعتمد على القارئ العربي في ما يخص الشعر»، ويضيف: «الأمر اختلف الآن واختلفت أولويات الدار». ومع ذلك، لم تغفل الإصدارات الشابة، ونشرت هذا العام ثلاثة دواوين لشباب في تجاربهم الثانية أو الثالثة.
بدأ خضر سلامة (1986) التدوين عام 2009، استطاع خلالها حصد آلاف المتابعين على فايسبوك ومدوّنته. يخبر الشاب اللبناني أنّ ذلك زاد ثقته في الإقدام على النشر، وكان سبباً وراء موافقة أكثر من دار على نشر كتابه الأول «أنتظر قوس قزح» (8/12ـــ س:18:00). «لدور النشر حسابات تسويقية معينة، ومن الطبيعي أن تهتمّ لوجود قارئ وجمهور لهذا الإصدار»، لكنه اختار «الفارابي» بسبب توافقها مع توجهه السياسي. ويعتبر سلامة أنّ مصطلح أدب شاب يجب أن يطلق بناءً على المضمون وعمر البحث أو العمل، لا على عمر الشخص. كذلك، تنفر عبير خليفة (1986) من التسميات، فـ«العمل يجب أن يقيّم وفق مستواه فقط». بعد فوزها بمسابقة شعرية عام 2011، نشرت باكورتها الشعرية على نفقتها عن إحدى الدور اللبنانية. لكنّها هذا العام تنشر كتابها الثاني «ما مات، يولد» (اليوم ــ س:18:00) لدى «الدار العربية للعلوم ناشرون». لكن ربيع شلهوب (1981) عضو «اتحاد الكتاب اللبنانيين» لم يواجه أي مشاكل مع الدور كما حدث مع باكورة خليفة. أصدر له الاتحاد ديوانه الأوّل عام 2010، أي قبل أن يفتح حسابه على فايسبوك. لكنه اليوم ينشر دوماً بعض قصائده على الموقع الأزرق، و«أحرص على النشر عليه بالمسؤولية نفسها التي أنشر فيها على الورق». أما عن اختياره نشر ديوانه الثاني «كيف ستنجو أيها العابر» (15/12ـ س:17:00) عن «دار النهضة»، فذلك يرتبط بـ«اهتمام الدار بالإصدارات الشعرية». يعتقد شلهوب أن المشكلة التي يواجهها الكاتب الشاب تكمن في «سياسة التجاهل التي يعتمدها النقد في الصفحات الثقافية المحلية». تعتمد رشا مكي (1985)، على فايسبوك في عملية الكتابة. نشرت روايتها الأولى العام الماضي عن «دار الحكمة» (لندن)، وستوقّع ديوانها الشعري «للقلوب أيضاً ذاكرة» (15/12ــ س:15:30) عن الدار نفسها. لم تواجه مكي أي مشاكل مع الدار، فـ«قبل إصدار روايتي الأولى بدأت أنشر على صفحتي على فايسبوك». وتعتقد مكي أنّ الـ 15 ألفاً الذين يتابعونها على فايسبوك دفعوها إلى خطوة النشر الأولى «بعدما كانت تعاني من فوبيا النشر»، وتضيف «طوّر فايسبوك أسلوبي الكتابي أيضاً».