تشرق شمس بيروت اليوم من «مسرح المدينة» بعودة إحدى أهم رائدات الحركة المسرحية في لبنان الستينيات التي غابت تمثيلاً عنها منذ عام 1991. تعود نضال الأشقر كممثّلة في «الواوية» (ترجمة وإعداد إيلي أضباشي؛ اقتباس وإخراج ناجي صوراتي عن نصّ «الأم كوراج» لبرتولد بريشت) بعد غياب طال 22 عاماً. سنوات لم تسلب الأشقر تقنياتها التمثيلية العالية وشغفها وانضباطها. عادت كأنها لم تغب. شاهدناها رشيقة على الخشبة ذات حضور أخّاذ ولغة جسمانية متمكّنة مع حركة نظيفة، تلقي نصّها بصوت جهوري يفرض نفسه في تجسيد شخصية الأم «الواوية». عودة جريئة تتموضع أهميتها في سياق طبيعة العرض المعاصر الذي أوجدت الأشقر نفسها فيه وتفاعلت مع عناصره بسلاسة. لم تنحصر عودتها بخصوصية تاريخها المسرحي، بل استطاعت بمخزونها المسرحي أن تكون جزءاً من عمل معاصر يحرّك خيوطه الخفية المخرج ناجي صوراتي ببصمته الخاصة.


بدا حضور الأخير قوياً في العرض من خلال خلق جو عام وإنشاء ديناميّة بين العناصر المسرحية والإمساك بأدق تفاصيلها، حتى انصهرت هذه العناصر لتشكل كائناً حياً مستقلاً بحد ذاته ـ هو العرض ـ ينساب كالموسيقى على نحو ديناميكي متجانس ومتحرّك من دون انقطاع.
يأتي ذلك ضمن سينوغرافيا حيّة (برنار ملاط) ذات فضاء بصري يعتمد السلّم عنصراً بصرياً متكرراً (motif) وعلامة متحولة في رمزيتها كي تحمل مدلولات مختلفة مثل الزمن؛ التنقّل؛ زمن الحب؛ الافادة من الحرب؛ الصعود؛ الحواجز؛ الخراب.
تتوه «الواوية» في الفضاء بين الظلال والنور، أي بين الحرب والسلم؛ بين المأساة والملهاة؛ بين الحياة والموت (إضاءة منى كنيعو التي أضافت سحراً الى جو العرض) على وقع موسيقى معظمها حية تفوّق في تأليفها وعزْفِها عبد قبيسي وعلي الحوت. آلات ما عادت تحمل أصواتها في فوضى الحرب العبثية، فأصبح الغيتار يصدر أصوات الإيقاع، وصار البزق يطلق صرخات الكمان. يتداخل جنون الموسيقى مع جنون الحرب، حتى تتحوّل رمزية الآلات الموسيقيّة كأغراض مسرحية الى أسلحة في أيدي أولاد الواويّة، الذين تتحول حركة أجسادهم الى مقاتلين بينما هم يعزفون. يضحى الممثل علامة في فضاء صوراتي، لها مدلولاتها المتحولة كباقي العلامات البصرية والسمعية في السينوغرافيا. رؤوس من دون أجساد تتحرك وتخطب، بل تؤكد على غستوس أساسي (المفهوم البريشتي) هو الحرب. تُرجعنا الى صور قطع الرؤوس، يحركها هادي دعيبس، الذي برع في خلق شخصيات مختلفة بتفاصيلها ذات أصوات وحركات تميّزها وعلى نحو يتآلف مع الجو العام للمسرحية.
مثلما جاءت عناصر السينوغرافيا مبعثرة وممسوكة معاً، كذلك أدى النص دوراً مماثلاً في الرؤية الإخراجية. نص عربي معاصر يحمل الركيزة الأساسية لنص بريشت من حيث التيمة، إلا أنه ينمو مع أضباشي وصوراتي في واقعنا المؤلم، يشبهنا في حروبنا وأحلامنا وتعاملنا مع الحرب. الواوية التي تستفيد من التجارة في أوقات الحرب وتغضب إذا «وقع السّلم»، تفقد أولادها واحداً تلو الآخر الى أن تبقى وحيدة في النهاية، لكنها تكمل الطريق ذاته مصممةً على الاستمرار والافادة من الحرب. ولديها الأبكمان «قدس» و«بغداد» وابنها الثالث الأعمى «دمشق» (خالد العبد الله) يقتادون الى الحرب ويموتون فيها، ونشير طبعاً الى الرمزية في الأسماء، التي تحلّى بها النص، والمستوحاة من الدلالة الجغرافية لأسماء الأولاد في النص الأصلي لبريشت.
يتألق خالد العبد الله إنشاداً، وخاصّةً في المشهد الأخير له قبيل موته حين تتصارع أصوات الجنود مع غنائه المتواصل، كأنه يحارب من خلال الصوت حتّى النفس الأخير. وبذلك، يكون صوراتي قد تعامل مع الصوت أيضاً كعلامة في اللعبة الإخراجيّة. وقد كان الابن (خالد العبد الله) أحياناً عبارة عن صوت يحمل رسالة تأمّل حين يتلو نصوصاً لابن عربي التي ـ ولو بدت مقحمة أحياناً ــ إلا أنها حملت وجداناً وبصيرةً ترجعاننا الى بصيرة أوديب، فشكّلت توازناً مع فقدان بصيرة الواوية وأضافت بُعد التصوف في سياق العمل المعاصر. ويختَتم العرض بخطاب مباشر للممثلة الأشقر تتناول فيه علاقة الإنسان بالحرب وتداعياتها عليه، لكننا نتساءل عن مدى أهمية هذا الخطاب، بعدما كانت لغة العرض المليئة الرموز والمدلولات قد تولت مهمة إيصال الرسالة على نحو أعمق من الكلمة المباشرة التي أدّت الى تنفيس تطهيري للمُشاهد. «الواوية» صنيعة تزاوج فني حقيقي يطرح الوضع العربي الراهن على نحو معاصر؛ ويعيد نضال الى الخشبة كأنها كانت تراكم طوال سنوات غيابها تداعيات الحروب التي حوّلتها أخيراً الى «واوية».





«الواوية»: بدءاً من 21:00 مساء الخميس والجمعة والسبت ــ «مسرح المدينة» (الحمرا ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/753010