مات كريستيان غازي في شقته في الحمرا ليل أول من أمس. ربما لن يفتقده سوى أصدقائه الشباب وروّاد المقاهي التي كان يتردّد إليها، فيما ستبقى صورته الأخيرة ترسم حضوره الهادئ مع سيجارته وهو يلعب الطاولة. كأن المخرج بعدما التهمت الحرب أفلامه، ما لبث أن ابتُلع ماضيه السينمائي من رؤوس الناس ليبقى المخرج الذي احترقت أفلامه من دون أن يلمسوا شيئاً منها. لذلك، تولّى «نادي لكل الناس» إحياءها، عندما أعاد غازي إلى الكاميرا عام 2001 ليصوّر فيلمه «نعش الذاكرة» بعد ثلاثين عاماً من الغياب.


في الوثائقي، أوجز غازي حياته على مدى 45 دقيقة، ليتمحور حول الوضع الاقتصادي والوحدة التي عاشها حتى آخر أيامه. ومقابل عودته إلى الإخراج، وعده النادي بالعمل على استعادة أفلامه، وتمّت هذه المهمّة، مع إعادة واحد من أهم أفلامه «مئة وجه ليوم واحد» (1969 ـــ 1970، بطولة جلال خوري، مادونا غازي، ريمون جبارة، منى واصف...) إلى الحياة، ونقله إلى «دي. في. دي.» ليصبح متوافراً في السوق، بعدما كان موجوداً لدى «المؤسسة العامة للسينما» في سوريا. وضمن المهرجانات التي أقامها النادي، استعاد تجربته عام 2009 ضمن مهرجان أقامه في «مسرح بيروت» وعرض خلاله «نعش الذاكرة»، و«مئة وجه ليوم واحد»، إضافة إلى فيلم عن سيرته يحمل عنوان «مسرح عند ملتقى الرياح» الذي أخرجته نانسي الخوري من خلال مقابلة مع كريستيان غازي.
يقول مدير «نادي لكل الناس» نجا الأشقر إنّ غازي، كغيره من المخرجين، «لم ينل اهتماماً من نقابة السينمائيين». لذلك، في تتبّعه لأفلام السينمائيين اللبنانيين وترميمها مثل مارون بغدادي، وبرهان علوية، وجان شمعون، استطاع النادي أن يوفي غازي جزءاً من حقه. عَمَل النادي تواصَل في بعض المدن اللبنانية لعرض أفلام غازي مثل النبطية وصور، إلى جانب عرضها في «المكتبة العامة لبلدية بيروت» (الباشورة). كما سعى (ولا يزال) إلى الحصول على فيلمه «الموت في لبنان» (نفّذه لمصلحة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) الذي كان يُفترض أن يكون موجوداً لدى الجبهة. في سجل كريستيان أفلام عدّة عن اللاجئين خلال الحرب الأهلية، وقد بقي ملتزماً بقضايا الفقراء حتى آخر أيام حياته. وفي «الفترة الأخيرة، كانت لديه مشاريع لأفلام، أهمها اللاجئون السوريون والفلسطينيون» يقول الأشقر، إلا أن غياب التمويل حال دون ذلك. اليوم، بعدما مات في اليوم الذي وجد فيه مارون بغدادي ميتاً في منور المبنى قبل 20 عاماً، سيوجه النادي تحيّة له الأسبوع المقبل بين ناسه ومحبيه الذين رافقوه في المقاهي خلال أيامه الأخيرة.