حمص | لا تفارق الابتسامة وجه أيمن أخرس. الخمسيني يجلس وحيداً بين الشالات الملوّنة المعلّقة على حبل أمام محلّه. الألوان مبهرة داخل حيّ الحميدية. بين الركام والحيطان السوداء، يعتقد الرجل الذي ورث المتجر عن أبيه (تأسّس عام 1934) أنّ «السوق سيعود». لديه حتى الآن جاران: واحدهما «يفتح كل يوم ساعة فقط». المهندس الكيميائي الذي رفض عرض عمل من مؤسسة أميركية في منتصف التسعينيات، ليحافظ «على ما بناه» الوالد، لم يترك الحيّ في فترة سيطرة المسلحين. يعد بقاء أولاد جوزف الأخرس طبيعياً. ينظر نحو لافتة المحل الممهورة باسم أبيه: «فرحتي إنو لقيت اليافطة».
يبدو الحيّ الذي «يتسلّل» إليه العشرات يومياً مكاناً واعداً لعودة بعض عائلاته. حركة ترميم بحدّها الأدنى تتواصل. وحده بائع الفول يظهر مستفيداً من الزاوية التي وضع فيها عربته أمام نقطة للجيش السوري. بين الحميدية وكنيسة أم الزنار داخل حمص القديمة يقبض على المارة... الرائحة لها فِعلها هنا. في باحة الكنيسة جمعٌ من المؤمنين والأهالي. داخل إحدى أقدم كنائس العالم تنتفي الحرارة الخارجية. الحجارة تضفي برودة مميزة على اليوم المشمس. بضع شموع مضاءة تقدّم جرعة من الدفء... دفء لا يصل إلى الرجل الراكع بخشوع أمام المذبح. تمتمات تُسمع، وتتسارع... لديه الكثير ليطلب ويصلّي من أجله.

«فتوح الشام»

نرفع الباب الجرار وندخل «حمام الباشا» الشهير. الركام والسقف المهدّم جزئياً لا يسمحان بتخيّل بخّار دائم يطبع حياة الحمامات التركية. المسلسلات السورية المصورّة داخل الحارات الشامية قد تفي الغرض. من المخيلّة تأتي الاسقاطات: في الأعلى يستريحون بعد الحمام. الفناجين وصحونها حاضرة إلى جانب عشرات الكتب. لكن أين الحمّام؟ دمرّته «الفتوحات»، وهو بالمناسبة يقع في شارع أبي الهول. أبو الهول «من التابعين المشاركين في فتوح الشام» زمن «صدر الإسلام»، بحسب ما تشير اللافتة على الحائط. ليست كل الفتوحات تشبه بعضها بعضا. ننتقل إلى مطعم «بيت الآغا»، نفتح الباب لعلّنا نجد بعض الإجابات.

حيّ الحميدية يبدو كاليتيم الفرح بمعرفته أنّ أحداً ما سيتبنّاه

يجلس 5 أشخاص أمام طاولة دائرية بغطاء أبيض يعاند الغبار. في المطعم الذي اتخذه المسلحون مقراً ترك هؤلاء العشرات من كتبهم. «ناسَبتهم القعدة بالقبو، ما كأنّو كانوا عرفانين شو منضبّ مشروب هون» يقول صاحب المقهى الذي سبق أن زاره الرئيس السوري بشار الأسد مع عائلته. الطاولات المجمّعة في مكان واحد «وجدناها في معمل للخراطة». طاولات المطعم الذي سيعاد افتتاحه، كانت تصنع عليها القواذف والعبوات الناسفة.
حيّ الحميدية يبدو كاليتيم الفرح بمعرفته أنّ أحدا ما سيتبنّاه. لا إخوة له في حيّي الخالدية وجورة الشياح. الجنود في حواجزهم والعمال يرمّمون مسجد خالد بن الوليد. هم الأثر الحيّ في الجحيم التي مرّت من هنا، وما زالت شياطينه تسكن كل مبنى. طرد «الأرواح» يعوّل على إعادة الاعمار، وهذا ما يبدو بعيداً بالنسبة لحمص اليوم. في المدينة تحضر كل مشاكل البلاد، من الدمار القاتل إلى حيّ الوعر الذي يحضن آخر الوجود المسلح، وعلى بعد مئات الأمتار يشتغل عدّاد السيارات المفخخة في حيّي الزهراء وعكرمة.
أزمات حمص المدينة تمتدّ إلى ريفها ونواحيها، من تدمر وحقول النفط والغاز إلى حدود العراق شرقاً، أو إلى الريف الشمالي المسلح في سهل الحولة وتلبيسة والرستن.
تبدو المدينة كمحطة بثّ آمال أو انكسارات. على الأقلّ من هنا الانطلاق. 400 عائلة تدمرية في باصات شاهدناها تتحرك نحو مدينتها. أيعلمون ما أصاب بيوتهم؟ هل الذي أكد لبعضهم يوم تحرير «لؤلؤة البادية» أن منزله قابل للسكن، أخبرهم أنّه أصبح فارغاً حتى من الأغطية التي تقيهم ليل الصحراء؟ العودة تحت سقف واقٍ أولوية أهل الدار... فلنتشرّد داخل منزلنا! «المحطة» مرّت منها أيضاً باصات محمّلة بعناصر الجيش السوري المغادرين إلى حلب.
نخرج خلفهم نحو «الأرض السليمة». حياة وسوق ومقاهٍ. وراءنا الدمار الذي لا يشيح إليه أبناء المدينة أنظارهم. لديهم جحيمهم الخاصة: تدهور الليرة والطابور أمام محطات البنزين وارتفاع الأسعار. يغريهم أنّ حمص «اللي صار فيها ما صار بمحلّ»، ما زالت الحياة فيها أقل تكلفة من اللاذقية ودمشق.
يتعلّق أهاليها بكل نافذة أمل. تحرير مدينة «القريتين» يساهم في درء خطر السيارات المفخخة، وتوفير حزام أمان لخطوط النفط والغاز يخفّف الأسئلة اليومية عن سبب التقنين الكهربائي.
«المنطقة الوسطى» (حمص وحماه) تعرف اللهيب المرتبط بالحدود اللبنانية، وأهمية صلة الوصل التي تشكّلها بين الساحل والعاصمة. تريد ردّ الجميل. لا تنتظره من انتخابات مجلس الشعب. البثّ اليومي المتواصل على كل القنوات المحليّة المشجّع لـ«العرس الديمقراطي» يمرّ كإعلان عن سيارة فارهة في حيّ شعبي. تراها، تسمع عن ميزاتها... ثم تقلب المحطّة ليجذبك مسلسل شاهدتَه عشرات المرات منذ سنين... المهمّ بالنسبة إلى الجميع ألّا يكرّر التاريخ نفسه.