■ السيسي رئيس شكلي بفعل صراعات الحكم

■ «أساطير دولة يوليو» يكشفها العهد الحالي


■ بداية، كيف تنظرين إلى هذا الحراك، وكيف تطور؟
في الحقيقة إن للحراك جذورا تعود إلى ما قبل عام 2011. طبعاً ازدادت وتيرته بعد ذلك العام، وبعد وصول الإخوان إلى الحكم بدا وكأنه ضدهم. بعض الأطراف في تلك الفترة أرادوه حراكا ضد الإخوان لذاتهم و ضد الثورة عموماً، فيما أراده آخرون حراكاً ضد الجماعة بهدف استكمال مشروع الثورة الذي تخلى عنه الإخوان و باتوا يهادنون النظام القديم.

مع وصول السيسي إلى الحكم، وعقب انقلاب 3 يوليو (2013)، خفت هذا الحراك، قبل أن تعود وتيرته لتعلو خلال العام الماضي. فعقب استقرار الحكم لمصلحة السيسي واستنفاد خطاب السلطة القائم على أن كل ما يحدث هو «مشاكل الإخوان» وأن مصر تواجه الإرهاب وما إلى ذلك، وفي خضم اشتداد وتيرة الأزمة الاقتصادية وغياب أي نوع من القنوات السياسية للتعبير عن الرأي، بدأنا نلاحظ عودة هذا الحراك بشكل أكبر مما رأيناه في 2013 و2014. إذن، هو ليس حراكا جديدا، لكن مساره يتبدل، صعوداً وهبوطاً، وفق منحنيات مختلفة.

ما من أحزاب مصرية قوية، وأحزاب ما بعد الثورة استنفدت كل الزخم


■ بما أن الجذور تعود إلى ما قبل 2011، ما هي مكتسبات هذا الحراك من «ثورة يناير» ومن «يونيو 2013»؟
كان حراك 2011، بصورة عامة، يطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة، وجاء شعار إسقاط النظام ضمن محاولات الحصول على هذه المتطلبات. اليوم، حين نراقب الحراك الحالي الذي لم يصل بعد إلى ذروته في مواجهة نظام السيسي، نجد أن المطالبات والاعتراضات مرتبطة بالسياسة الاقتصادية الفاشلة وباشتداد الأزمة الاقتصادية (من استنفاد الموارد وصعود الدولار مقابل الجنيه، الخ..)، وهذا ما أنتج مجدداً شعارات على علاقة بفكرة العدالة الاجتماعية ورفض الفساد وما إلى ذلك.
ضمن هذا المشهد، نقف أيضاً على حراك من نوع آخر، على علاقة بالمعتقلين، يواجه عودة الشرطة للاستبداد والقمع بشكل أسوأ مما كانت عليه الأحوال قبل يناير 2011، وهو يطالب بالحرية والكرامة الإنسانية.
بالتالي، نلاحظ أن هناك استمرارية في النهج، إذ لم يتغير جوهر المطالب، بل إن ما تبدل هو شكل الحراك. بمعنى آخر: في الظاهر، لا يشبه الحراك الحالي ما كان سابقاً، لكن المحركات الرئيسية في ما له علاقة بالمطالب لم تتغير.

■ أين الأحزاب المصرية ضمن هذا المشهد؟
ما من أحزاب مصرية قوية. نحن مرة أخرى أمام مشهد شبيه بمشهد 2010 في مصر حينما كانت هناك أحزاب لا تمثل قيادة سياسية لأي حراك، ولا هي ممكّنة بمعنى الخيال السياسي، ولا هي منظمة بمعنى قدرتها على الضغط سواء عبر عمل جماهيري أو حتى عبر عمل سياسي عن طريق مفاوضات وخلق رأي عام. وهذا لم يمنع في حينه من اشتداد الحراك وتبلوره في لحظة 2011، وظهرت لاحقا أحزاب ما بعد الثورة لتخلف الأحزاب القديمة.
نحن الآن في لحظة شبيهة، استنفدت خلالها أحزاب ما بعد الثورة كل الزخم الذي كان مرتبطا بوجودها في 2011 و2012، وأصبحت كيانات هشة وضعيفة. هي مجرد «يفط، يفط تحتها فراغ». وهو فراغ بمعنى العضوية إليها، والأكثر ايلاماً أنه فراغ بمعنى عدم وجود رؤية سياسية، وعدم وجود قدرة على توجيه الرأي العام لمحاولة الحشد وإحداث حراك سياسي.
بالتالي، فإنّ الأحزاب ليست موجودة، وليست هي الفاعل السياسي الأساسي. ومرة جديدة نرى أن قيادة الرأي العام غير منظمة، بل هي موجودة عن طريق شخصيات، وقطاعات، ومحاولات وليدة في أرض الواقع وفي الفضاء الإلكتروني.

■ بالنسبة لك، هل تعتقدين أن واحدة من إيجابيات وصول السيسي إلى الحكم قد تتمثل في نمو هكذا حراك من شأنه وضع حد لحصرية صراع «الإخوان المسلمين» مع السلطة؟
الأكيد أن صعوده إلى الحكم ليس له أي إيجابيات تساوي الأثمان الباهظة التي يدفعها المصريون في ظل القمع الحالي، لكن طبعا وجود الإخوان سابقا في صدارة المشهد، ثم تنحيهم بإرادة شعبية وبتدخل العسكر عن صدارة المشهد، يتيح لنا مجموعة من المتغيرات السياسية التي سنراها على المدى المتوسط:
أولا، انتهاء أسطورة أن الجيش حامي الثورة، وأنه مؤسسة تقدمية. ثانياً، انكشاف فكرة المستبد العادل القادم من الجيش، التي ما هي إلا خدعة كبيرة، وارتباطاً بذلك بروز حقيقة أن السيسي الذي قالوا إنه حصل على تأييد شعبي لم يسبقه إليه أحد من أيام عبد الناصر لن يستطيع أن يلبي الاحتياجات الشعبية وأن يكون على مستوى المسؤولية.
إذن، بمعنى من المعاني، هناك مُخرَج إيجابي لناحية انكشاف بعض الأساطير المرتبطة بتأسيس دولة 23 يوليو 1952، وهي الأساطير المرتبطة بالمؤسسة، والأساطير المرتبطة بفكرة الكفاءة (بمعنى أن الكفاءة لا تأتي مع الديموقراطية)، والأساطير المرتبطة بفكرة الزعيم الملهَم الذي على الرغم من كونه مستبداً، يكون عادلا.
نظام السيسي بات فاكهة ناضجة، وقابلة للسقوط من على الشجرة

■ هل تعتقدين أن السيسي تمكن من تثبيت نظام يحميه ويضمن له الولاء؟ أم أنه ما زال في طور الصعود إلى قمة نظام موروث؟
الحقيقة أنّ السيسي لم يستطع أن يثبّت لنفسه دعائم ولاء، باستثناء المجموعة الصغيرة من داخل المؤسسة العسكرية. وقد فشل في بناء تحالف واسع يضم قوى من خارج جناح معيّن من هذه المؤسسة. والحقيقة أيضاً هي أنه ليس في سبيل الصعود، ولكن نحن نشهد الآن على بداية منحدر انتهاء حكمه.
نرى مثلاً أن المعارضة حاليا ليست فقط من المعسكر المحسوب على ثورة يناير بشكل عام، بل نلحظ معارضة للسياسات الاقتصادية متشكلة من اليمين ومن اليسار، بما في ذلك مجموعات رجال الأعمال التي كانت دائما ظهيرا للحكم الاستبدادي في مصر، والتي كانت دعامة رئيسية لمشروع صعود السيسي إلى الحكم. نرى أن هذه المجموعات تعبّر عن استيائها حيال السياسات الاقتصادية بشكل واضح، بعدما كانت تشكل عنصرا رئيسيا ضمن تحالف 30 يونيو وتحالف صعود السيسي.

نرى أيضاً مجموعة من الناصريين والقوميين الذين كانوا ينظرون إلى السيسي على أن بمقدوره إعادة انتاج مشروع جمال عبد الناصر والدولة الناصرية، قد اشتدت معارضتهم وخاصة إثر حدوث ما له علاقة بعودة جزيرتين للسعودية وما الى ذلك. يضاف إلى كل ذلك طبعاً المعسكر الثوري برمّته.

■ هناك من يقول إن السيسي لن يستطيع إكمال ولايته الرئاسية. هل توافقين على ذلك؟
بشكل إجرائي، يستطيع أن يستمر في صدارة المشهد حتى انتهاء ولايته، هذا من الجائز. لكن ما نعلمه، أن السيسي لم يعد مسيطرا على الأمور. شكلياً، هو ما زال في الصدارة، ويمكن أن يبقى، لكن الحكم الفعلي في مصر لم يعد في مؤسسة الرئاسة.
هناك صراع شديد بين أطراف مختلفة ضمن دوائر الحكم، يشمل الصراع بين الأجهزة الأمنية، ويشمل الصراع بين مجموعات رجال الأعمال، ويشمل الصراع بين هذه الأجهزة ومجموعات رجال الأعمال. بالتالي فإن السيسي أصبح بمعنى ما رئيسا شكليا.
السؤال الآن: ماذا سيتبع ذلك؟ أنا أزعم في كتاباتي أن مبارك انتهى فعلياً بصورة أو بأخرى قبل سقوطه بخمس سنوات، على الأقل. لكن عدم وجود بديل متبلور يدفع الناس إلى إزاحة مبارك عن الحكم واستبداله به قد أخّر فكرة إزاحته.
بهذا المعنى، فإن نظام السيسي بات فاكهة ناضجة، وقابلة للسقوط من على الشجرة. لكن ما يتبقى فعله مرتبط بإمكانية هزّ هذه الشجرة، عبر بديل يقنع جموع الشعب بأن خطورة إزاحة السيسي أقل تكلفة من
بقائه.




«مزيج من الغضب المكتوم والحسرة والملل، يغلّف المدينة... التي تغيرت على مدى خمس سنوات». هكذا تتحدث رباب المهدي عن القاهرة في ذكرى «ثورة يناير».أستاذة العلوم السياسية، مثلت منذ أكثر من عقد صوتاً لشباب، قارع أجهزة مبارك، وأسس للثورة عليه، وهو الآن يتابع فصول دفاعه عن تلك المكتسبات. أحد أولئك يعرّف عن المهدي قائلاً: «هي ناشطة سياسية لا تكل ولا تتعب، وفي الوقت نفسه منظرّة ولديها عين ثاقبة في ما يخص المجتمع وعلامات تغيره... وهي من القليلين الذين تجاوزوا تراث اليسار التقليدي، ورأت أن من الممكن الوقوف على أرضية واحدة مع إسلاميين على خلفية يسارية، أو على خلفية الدفاع عن المقاومة مهما كان لونها».