«مسقط رأس القوات اللبنانية هو بشري»، هذه هي الصورة المترسخة في أذهان اللبنانيين عن «القضاء المقدس»، بعد أن تمكن سمير جعجع من شقّ صفوف العائلات التقليدية عبر تقديم نفسه «طانيوس شاهين» منطقته ومصاهرة إحدى أكبر العائلات البشراوية: طوق. هكذا بدأت القوات اللبنانية تثبيت أنّ في بشري حزباً أوحد يفوز بـ99٪ من الأصوات. وعلى رغم حصول النائب السابق جبران طوق في الانتخابات النيابية عام 2009 على 4089 صوتاً من أصل 17183 مقترعاً، إلا أن محاولات «إلغاء» طوق وبقية الفعاليات لم تتوقف يوماً، مستفيدة من ضعف منافسيها وعدم تمكنهم من تشكيل جبهة موحدة.

ترفض جعجع عودة الرئيس الحالي للبلدية، لأنه لم يكن منصاعاً لها ولم يقاطع خصومها

عززت القوات مكانتها كمرجعية وحيدة في القضاء، إن كان في الشكل أو في طبيعة إدارة الملفات السياسية. الانتخابات البلدية مثالٌ على ذلك. في الاستحقاقات السابقة، لم تكن القوات تجد مانعاً في اختيار رؤساء ومجالس بلدية لا يوالونها تماماً. كان يكفي أن يكون الشخص المختار يدور في فلك الحزب. على هذه القاعدة، زكّى النائب إيلي كيروز عام 2010 لرئاسة البلدية، أستاذه أنطوان طوق. أستاذ الأدب العربي سابقاً في ثانوية بشري صديق لنسيب لحود وسمير فرنجية. "يساري سابق" ساعد في أيام الحرب الأهلية عدداً كبيراً من أبناء المنطقة ليدرسوا في دول الاتحاد السوفياتي. ذكرياته مع العلامة الراحل هاني فحص لا تنتهي، سهرات كثيرة جمعتهما في بيته في بشري. ساعد القوات اللبنانية عام 1997 على الفوز في انتخابات لجنة جبران خليل جبران في وجه الفعاليات التقليدية، وحاول طوال سنوات ولايته (ابتداءً من عام 2010) السير بين الألغام التي زُرِعَت في طريقه، والعمل وفق منطق أنه رئيس بلدية كلّ بشري وليس بلدية «الحزب»، من دون أن يفصل عمله عن «جهود نائبي المنطقة». لم يكفِ قيادة معراب ذلك، «فرضت عليه إصدار بيان يُعارض إقامة عرس ابنَي ويليام في الأرز، ولكنه رفض فلامته»، على ذمّة النائب السابق جبران طوق. كذلك عاتبته النائبة «ستريدا (جعجع) مراراً لمشاركته في مناسبات اجتماعية من تنظيمي»، كما يروي روي عيسى الخوري (ابن شقيق النائب السابق قبلان عيسى الخوري). ويزيد أنّ «ستريدا لم تعد قادرة على تحمّل أنطوان لولاية ثانية. مارست عليه الكثير من الضغوط»، هي التي لم تقدر أن «تمون» عليه بمقاطعة إحدى وسائل الإعلام. أما «أستاذ أنطوان»، فلا ينبس ببنت شفة. جُلّ ما يُنقل عنه أنه غير راغب في الترشح لدورة جديدة.
التجربة التي عاشتها القوات اللبنانية مع طوق، غير «المطيع»، دفعتها إلى تغيير شروط لعبتها هذه الدورة: اختيار رؤساء بلديات ملتزمين في القوات، ولا مانع من خوض معركة سياسية «ديموقراطية» لفرض خيارها. ووفق معلومات «الأخبار»، فإنّ اجتماعاً (من أصل عدة لقاءات تُعقد بين معراب وبشري) عُقد في المقر الرئيسي للحزب في 1 نيسان حضره المحاربون القدامى والمقربون من «الحكيم» بحضور النائبين جعجع وكيروز، أبلغت جعجع الحاضرين نيتها تبديل 8 رؤساء بلديات من أصل 12 في القضاء، على أن يكونوا من الملتزمين. حجة أحد القواتيين المشاركين في هذه اللقاءات أنه «إذا ببشري ما جابوا رئيس قواتي وين بجيبوا؟ بعيداً عن الرؤساء لم يكن للقوات شرط سوى أن يُختار شباب يُحبون بشري ومتعلمون».
في الإطار نفسه، يتحدث مسؤول «القوات» في بشري والمرشح المحتمل إلى النيابة (بدلاً من كيروز) جوزف إسحاق: «في منطقة 75٪ من أبنائها ملتزمون في الحزب، من وين بدك تجيبي رئيس؟»، موضحاً أن «التغيير هو نتيجة تفاهم مع رؤساء البلديات السابقين». هذا الأمر «لا يعني أننا نضع فيتو على أحد، في كلّ بلدة نحاول أن نتواصل مع غير القواتيين». العديد من البلديات لم تُحسم فيها الأمور بعد «وإذا فشل التوافق في قرى معينة، فسيكون للمعركة طابع سياسي». المحسوم هو رئاسة اتحاد البلديات التي «ستبقى مع رئيس بلدية بقاعكفرا إيلي مخلوف».
المعركة الأهم في القضاء هي في مدينة بشري، حيث تبرز ثلاث قوى ويتألف المجلس البلدي من 18 عضواً مقسمة على النحو الآتي: 4 مقاعد لآل طوق، 4 لآل رحمة، اثنان لكيروز، اثنان لجعجع، اثنان لسكّر، اثنان لفخري، وعضو لآل شدياق، وعضو لـ«الأقليات». الفريق الأول هو القوات اللبنانية ومرشحه فريدي كيروز، المسؤول في إحدى شركات الهاتف الخلوي في بيروت. الملاحظة الأساسية التي يُسجلها الفريق المعارض له أنه لا يكون في بشري إلا في نهاية الأسبوع، معتبرين أن اختياره هو «جائزة ترضية» لآل كيروز، بعد قرار عدم ترشيح إيلي للنيابة، «ورغبة القوات في اختيار رؤساء بلدية على غرار زياد حواط في جبيل. أما الرئيس الفعلي للبلدية، فسيكون نائبه يوسف فخري». يُدافع كيروز عن ترشيحه، بالتأكيد أنه «ابن بشري وملتزم مع القوات. كل مواصفات الرئيس تنطبق عليي». ينفي أي كلام عن أن ترشيحه هو تعويض لعائلته، «الحزب يختار الشخص المناسب ومن يتحدث عن أن نائب الرئيس سيتولى الصلاحيات لم يقرأ القانون». الأولوية هي «بشري. أما برنامج العمل فنضعه أنا وأعضاء اللائحة»، كما يقول في اتصال مع «الأخبار».
الفريق الثاني يتمثل بالفعاليات التقليدية التي يُحاول أقطابها التوصل إلى توافق في معظم البلديات وهي سعت إلى ذلك في بشري، ولكنها فشلت. يُخبر «الشيخ روي» (عيسى الخوري) عن اجتماعات عُقدت بينه وبين النائب السابق طوق وكل من بِنوا كيروز، إينياس كيروز، ابراهيم الضاهر، النائب السابق نادر سكر وسعيد طوق «وكان يُنسق معنا (مسؤول هيئة التيار الوطني الحر) وليد جعجع من أجل التوصل إلى صيغة توافقية». بعث برسالتين إلى النائب جعجع «مع منسق البلدة فادي الشدياق. لكنها رفضت اقتراح عمّها (جبران طوق) التوافق على أنطوان طوق». حالياً، «نتواصل مع القواتيين المنشقين وسنؤلف لائحة ثانية»، كما يقول عيسى الخوري. من جهته، يتهم طوق القوات بأنها «تختار أشخاصاً ألوانهم فاقعة، في حين أننا نريد بلدية إنمائية ــ بشرانية». يهزأ من «انتقاد القوات لسياسة حزب الله الأحادية، في وقت هم يعتمدونها في بشري. لا تريد ترشيح أنطوان لأنه لا يُنفذ أجندتها». «انتحاري» هذا الفريق لم يظهر بعد. يقول النائب السابق طوق: «سننتظر خيار العائلات، ونحن منفتحون على الجميع، بمن فيهم القوات، لاننا نسعى إلى التوافق». ويعتبر عيسى الخوري أنه «إذا تعاملت العائلات بجدية مع الانتخابات فستكون المعركة على المنخار». ولكن، بوادر «انشقاقات» لاحت في الأفق بعد «اتصال والد فريدي كيروز ببنوا واينياس، محاولاً إقناعهما بالسير بلائحة ابنه. مارسنا، جبران (طوق) ونادر (سكر) وأنا ضغوطاً للحؤول دون ذلك».
الفريق الثالث في بشري هم «مقاتلو سمير جعجع» السابقون الذي يحاولون منذ سنة تقريباً بناء حركة اعتراضية وينقسمون إلى قسمين: المقاتلون القدامى والذين كانوا مسؤولين عن الإعداد الفكري للقوات في زمن الحرب. هؤلاء يشعرون بخيبة أمل «من ممارسات ستريدا الاستعلائية وإنشائها شبكة من الزبائنية حولها»، كما تقول مصادرهم. أكثرية المعترضين ينتمون إلى عائلتي رحمة وطوق «الذين أسهموا سابقاً في إضعاف العائلات التقليدية، والنائب السابق جبران طوق». قبل الانتخابات البلدية عام 2010، كانوا معارضين لأنطوان طوق «لأنه يساري ولا نلتقي معه في السياسة، ولكن بعدها شكل اسمه عامل راحة. فهو تمكن من المحافظة على البلدية الوحيدة في تاريخ بشري التي لم يُحَلّ مجلسها». تبدلت الأمور هذه الدورة وباتوا يعتقدون أن أي آخر غير طوق «يجب أن يكون بالمستوى نفسه». وتزيد المصادر بأنهم «مع القوات إذا كان لديها عدو. ولكن ضد من تخوض الانتخابات البلدية في بشري؟ لماذا تتعاطى مع استحقاق محلي بخلفية سياسية؟ القوات عم تجيب زلمها إلى البلديات». اعتراض القواتيين القدامى بشكل أساسي هو «على الأداء، لكن لم نحسم القرار بأن نخوض معركة ضد جعجع. الأكيد أننا لن نخوض معركته وفي الحد الأدنى سنضع أوراقاً بيضاء في الصندوق أو نمتنع عن المشاركة في الانتخابات وفي الحد الأقصى نُرشح أحد القواتيين إلى رئاسة البلدية». ينكر هؤلاء أي تواصل، حتى الساعة، مع الرموز التقليدية، «هم لديهم أسبابهم لمعارضة القوات ونحن لدينا أسبابنا. نعمل بمعزل عنهم».




«زمن المبايعات ولّى»

يرفع منسق هيئة بشري في التيار الوطني الحر وليد جعجع في الانتخابات البلدية شعار: «بشري جمعتنا وما بحياتنا فرقتنا». لذلك، هناك «تنسيق مع كلّ القوى وسنأتي باتحاد بلديات متناسق». في أحسن الظروف، لم يكن أحد ليتخيل جعجع يقول إنه «رغم القليل من البعد، كل المصارين بالبطن». قد يكون جعجع أكثر المتفائلين بإمكانية التوصل إلى صيغ توافقية في البلدات، فـ«العمل يتم تحت شعار بشري. نحن لا نشتغل سياسة استراتيجية بين أهلنا». أما بالنسبة إلى ترشيح القوات لحزبيين، فلا يعتبره جعجع تحدياً: «القوات فريق قوي في المنطقة ويحق لكل فرد أن يترشح وهم أهلنا».
بشري لم تكن أرضاً خصبة للصراع بين التيار الوطني الحر وتيار المردة. فالتنسيق بينهما قائم، من دون أن يعني ذلك تشاركهما الرأي ذاته. يعتقد منسق المردة طوني متى أن «قضاء بشري هو خارج الخريطة الإنمائية. بقينا عشر سنوات نتفرج وبشري تتراجع... زمن المبايعات ولّى». قد لا يكون هناك مرشحون مرديون، «ولكننا سنساند فريقنا من خلال الفكر الإنمائي. ومن لا يريد الإنماء لا نُنسق معه».