لدى التيار الوطني الحر خطة وحيدة لرئاسة الجمهورية. في أدبياته لا وجود لما تُسمى «الخطة ب». من انتظروا سنوات طويلة ليعود العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا بالبذلة الرسمية فلن يتخلوا بسهولة عن حلمهم، إلا إذا «كان البديل من الطينة نفسها: عميد متقاعد اسمه شامل روكز». هكذا يمنّي محبّو العميد المتقاعد أنفسهم، لكنّ أحد أعضاء لقاء «يوم السبت» الشهير في الرابية يؤكد أنه «حتى الساعة، الجنرال لا يُفكر في التنازل لأحد». يضحك المقربون من روكز خلال الكلام عن هذه النقطة: «شو قصة التوافق الرئاسي؟»، قبل أن يأخذ الحديث طابعاً أكثر جدية ويعودوا إلى القول إن البحث «يدور حول إمكانية التوافق على العميد، ومن الصعب أن ترفضه الأطراف السياسية». ففضلا عما يصفونه بـ«مناقبية الرجل وتاريخه المشهود له» في المؤسسة العسكرية «يتمسك تيار المستقبل وحزب الله وتيار المردة من جهة بخياراتهم، لكن في المقابل يتركون منفذاً للحلّ. هذه هي فرصتنا الوحيدة في أن يكون هناك رئيس حكم وحكيم»، مع إشارتهم إلى أنّ «روكز يرفض سماع أي عرض من أي أحد في هذا الخصوص من منطلق أخلاقي. يعتقد أن مجرد الكلام في الملف يُعد خيانة لعون ولن يخونه»، كما أنه يعتقد أن «أي مرشح لا يحظى بموافقة عون لن يُنتخب». وماذا لو كانت «جائزة الترضية» تعيينه وزيراً للدفاع؟ يُنقل عن روكز رد تقليدي: «سيكون في أي موقع يقدر من خلاله أن يخدم الوطن. هذا هو همه الأساسي». بيد أنّ «الخدمة» لا تشمل ما يُحكى عن إمكانية إيجاد «فتوى» دستورية تتيح طلبه من الاحتياط وتعيينه قائداً للجيش: «هذه الصفحة طويت وهناك الكثير من الضباط في الجيش مؤهّلون لهذا المنصب». ويزيد المقربون بأن «روكز لن يقبل أي إجراء يُخالف القانون ويُكرس لاحقاً كسابقة». يسعى إلى الحفاظ على «المؤسسة أيا كان القائد، فهي الأساس». وتقديمه المساعدة على تعيين أعضاء المجلس العسكري «لا يعني أنه يتصرف كقائد جيش ظل، والعضوان المسيحيان لا يُحسبان عليه، علما أنه يثق بكفاءتهما وخبرتهما».

حين يُقرر روكز العمل السياسي لن يتوقف عند اعتبارات عائلية

عند الدفاع عن خيار روكز كمرشح توافقي لرئاسة الجمهورية، يرتكز المقربون منه على علاقاته الجيدة مع مختلف القوى السياسية، باستثناء قيادة القوات اللبنانية: «هناك إيجابية في التعامل مع قاعدتها. لكن في السياسة ما من تلاق». علاقات روكز مع القوى والأحزاب بدأت حين جال على الشخصيات السياسية التي لم تبد ــــ أقله إعلاميا ــــ معارضة لتعيينه قائدا للجيش، شاكرا لها موقفها الداعم. سريعاً، أُعجب رئيس مجلس النواب نبيه بري بشخصيته، فأخيراً وجد من يفهم عليه من المقربين من عون، كما يُنقل عنه. أو ربما هي محاولة من بري للغمز من قناة الوزير جبران باسيل الذي "لا كيمياء" بينه وبين رئيس المجلس. أصبح مكان روكز محفوظاً في احتفالات تقيمها حركة أمل أو مقربون منها، وآخرها حفل التكريم الذي أقامه عبدالله نبيه بري للمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم في شوكين (النبطية)، فجلس "الجنرال" على مائدة الطعام مُجاوراً النائبة بهية الحريري. الإيجابية الأولى التي نتجت من هذه العلاقة هي تقديم روكز مساعدته على تذليل العقبات التي رافقت التعيينات في المجلس العسكري، دون أن يكون مُنتدباً من «التيار» للقيام بهذه المهمة، كما يؤكد المقربون منه. تناوله الغداء أيضاً مع طوني سليمان فرنجية، لم يكن الهدف منه ردم الفجوة بين حليفي الأمس. لم يعمل على خطّ عون ــ رئيسة اتحاد بلديات المتن ميرنا المر، «إذا أرادت إيصال رسائل إلى عون فهي ستستعين بصديقتها كلودين ميشال عون، زوجة روكز، لا بروكز نفسه». الإيجابية في التعامل مع خصوم «التيار» وحلفائه، تنسحب أيضاً على علاقة العميد المتقاعد برئيس تيار المستقبل سعد الحريري وعدد من أعضاء فريق عمله وأشخاص في حزب الله، «حتى رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط وأعضاؤها إيجابيون تجاهه». واللقاءات في الأقضية هي «تلبية لدعوات دون أن يعني ذلك شبك تحالفات مع بيوتات سياسية محلية أو غيره». على الرغم من أنه «مطلع على تفاصيل الأقضية والبلدات ويعرفها جيداً، لكن في الانتخابات البلدية مثلا هو ضد تدخل الأحزاب».
الصورة التي يُحاول روكز رسمها لنفسه، لم تمنع الخيبة من التسلل إلى أنفس ناشطين سابقين في التيار الوطني الحر تحمسوا له سابقاً، «نشعر أن هناك تناقضاً في شخصيته. أحياناً نراه مقداماً وأحياناً أخرى يتريث في قراراته». يسألون لماذا غاب عن المشهد بعدما وعدهم في 15 تشرين الأول الماضي بأنه «لن أتقاعد … وبيننا سيكون أكثر من لقاء». كلمات «القائد المنتظر»، التي أتت بعد «انتخابات» رئاسة «التيار» وفوز باسيل أعطت أملاً لعونيين غاضبين بأنّ «الخلاص شامل» لأسباب عدة. في ذاكرة أحباء المؤسسة العسكرية، تاريخ "ناصع" وشبه "أسطوري" أحياناً لروكز: هو الضابط الذي «لم يستزلم للاستخبارات السوريّة». انتصر على "فتح الاسلام" في معركة نهر البارد (أيار 2007) وعُين قائداً لفوج المغاوير، الذي تحول سريعاً إلى فوج «شعبي» بسبب عدد الاستعراضات التي قدمها وتنظيمه سباقات «كون مغوار لنهار» السنوية. يتناسى محبوه هروب أحمد الأسير من عبرا (حزيران 2013). فخرهم أنّ «القائد» أحكم قبضته على المربع الأمني في صيدا. ثم «سكّر خطه» وتوجه إلى عرسال لمقارعة الارهابيين في جرودها. أكثر من ذلك، روكز بطل خارق، تقول الأسطورة ان كلبه مات من التعب دون أن يتوقف هو عن الركض. كلّ الملاحم الواقعية و«الأسطورية» جعلت منه «بطلاً تُبنى الآمال عليه»، وعلى قدرها تأتي الخيبة. يُلام لأنه لم يبدأ بعد كتابة فصول مستقبله، «هاجسه ألّا يكون سببا في انقسام البيت البرتقالي»، على ذمة الناشطين القدامى. لذلك، «يداري زوجته كلودين ويعطي أذنه لقيادة التيار حين تعده بأنه سيكون وزير الدفاع في الحكومة المقبلة وبأنه سيترشح إلى الانتخابات النيابية في كسروان». ثلاث "خبريات" يتناقلها "الشامليون" هي برأيهم دليل على «الالغاء الداخلي» الذي يتعرض له. أولا، «هل من المنطقي أن يرفض باسيل وزارة الدفاع وهو يعرف أن الوزير الحليف (فايز غصن) وقع التمديد لقائد الجيش جان قهوجي، فكيف بالحري إذا كان الوزير خصماً في السياسة؟ منعا للاحراج أراد وزارة الخارجية». أما "الدليل" الثاني، فهو الزعم بأنه «بعد جلسة الحكومة في تموز الماضي التي افتعل خلالها باسيل إشكالا مع تمام سلام، تواصل وزير الخارجية مع النائبين وليد جنبلاط وسعد الحريري ليُطمئنهما إلى أن عون لن يخوض معركة من أجل تعيين روكز قائدا للجيش». على أثره، تعمّد العميد تسريب خبر تناوله الغداء مع قهوجي في أحد مطاعم العاصمة. وعند الاعلان عن وقفة تضامنية شكرا لروكز بعد إحالته على التقاعد، سُرب تسجيل صوتي «لمساعدة أحد أعضاء اللجنة المركزية في التيار الوطني الحر تذكّر فيها بأن روكز ليس عضواً في التيار. شارِكوا في اللقاء لكن ما كتير تتحمسوا». يُستفز بعض "الشامليين" من هذا الغياب، «ماذا سيتبقى من شعبيته؟».
الجواب يأتي من الذين واكبوا روكز منذ التسعينات حتى اليوم: «اللبنانيون لم يتخطوا البذلة العسكرية وصورة القائد». شامل روكز ليس متريثا «لأن في التريث تردداً، بل باقٍ على الوعد الذي قطعه في ساحة الشهداء». القرار محسوم بالعمل السياسي، «وهو جاهز ومكتر ولكن الظرف حاليا غير مناسب. الكل يطل دوريا، ما الجديد الذي يقولونه؟ هناك حدّة في التعاطي السياسي هو يرفضها». لا يريد أن يُتهم بالسخف «فيغرق في التفاصيل فيما الناس يعانون أزمة النفايات. فليطمئنوا، حين يُقرر العمل السياسي لن يتوقف عند اعتبارات عائلية». الخلفية العسكرية تُسيطر على طريقة مقاربته للأمور وخاصة «في التخطيط ودراسة الخطوات»، ما يجعله هادئاً في الأزمات. يُداوم حاليا في مكتبه الجديد في منطقة النقّاش (المتن الشمالي) مع فريق عمله ومعظمه من المتطوعين. العمل يتركز على وضع دراسات ومشاريع قوانين، «الأمر الأساسي هو الانتهاء من مشروع اللامركزية. بقية السياسيين لديهم أفكار فيما فريق عمله وضع برنامجا». أما مشروع قانون الانتخابات النيابية، فـ«البحث فيه مؤجل». كلّ فترة يجمع عدداً من الصحافيين من انتماءات سياسية مختلفة فمن «الجيد سماع الرأي الآخر».
بعد خروجه من الجيش، حافظ على علاقاته "الخارجية" مع الدول الفاعلة محليا «والعلاقات هي على مستوى السفراء وما فوق». يُحاول إبقاء دائرة أصدقائه ضيقة. أربعة أو خمسة مقربين يساعدونه ماديا، حتى السيارة الفخمة التي يظهر وهو يقودها يملكها أحد أصدقائه «يعيرونه سياراتهم ويُبدلها دورياً لضرورات أمنية». الحياة السياسية لم تُبعده عن مسقط رأسه تنورين، فيزورها باستمرار، إلا أنه لن يتمكن من تمثيل قضاء البترون نيابيا «ما في محلّ». العين على قضاء كسروان، مركز الشرعيّة المسيحية التي انطلق منها عون في الـ2005 لتثبيت «التسونامي»، لها في ذاكرة روكز مكانة خاصة و«يعرفها بالتفاصيل»، ولكنه لا يُحب أن يوصف بوريث عون، «أولا لم ينتسب إلى التيار، وثانيا يعتقد ان بمقدوره استقطاب الناس الموالين والمعارضين لعون». وعلى الرغم من تأكيد أحد أعضاء «لقاء السبت» أنه مشارك دائم فيه منذ تقاعده، ينفي المقربون منه ذلك. صبغة «صهر الجنرال» ظلمت روكز. قد تكون محاولات الالتفاف عليه صحيحة، لا يهم: «كلّ طرقاتو مفتوحة. ما من منافسة مع أحد». هل المعركة محسومة لمصلحته؟ الجواب يرتسم على شكل ابتسامة.
العصي في دواليب روكز كثيرة، من الأقربين قبل الأبعدين. الأسباب نفسها التي حالت دون تعيينه قائداً للجيش ستعود لتضييق دائرة طموحه ودوره السياسي. قد يكون من المفيد له ألا ينغمس في هذا المستنقع، وأن يعمل على استراتيجية واضحة تُجنبه الدعسات الناقصة التي يرتكبها ضباط آخرون، ولو أن «المحبين» يستعجلونه لتأسيس تيار سياسي جديد. حتى الساعة، يرى روكز فرصه كبيرة، لكنّ قدميه لا تزالان على الأرض.