في ظل الانتفاضة الشعبية الجارية واشتداد الاعتداءات الإسرائيلية، خرج مجلس الوزراء الفلسطيني في جلسته الأسبوعية يوم أمس، بإعلان قرار مقاطعة السلطة منتجات خمس شركات إسرائيلية ومنعها من الدخول إلى الأسواق الفلسطينية، في ردّ على قرارٍ اتخذته إسرائيل أخيراً، ويقضي بمنع خمس شركات فلسطينية تنتج الألبان، من إدخال منتجاتها إلى مدينة القدس المحتلة، باعتبار أنه خرق إسرائيلي جديد لـ«اتفاق باريس الاقتصادي»، الذي ينص على «حرية تدفق السلع والبضائع بين الجانبين».
القرار الفلسطيني، برغم أنه يأتي في إطار الرد على قرار إسرائيلي (كالمعاملة بالمثل)، وليس ضمن حملة مقاطعة فلسطينية شاملة تابعة لقرار وطني، لكنه يُعَدّ سابقة، لأنه لم يسبق لحكومة فلسطينية أن أعلنت مقاطعة منتجات إسرائيلية، فيما كانت حملات المقاطعة الرسمية تقتصر على مقاطعة منتجات المستوطنات.
بعض المتابعين ذهبوا بعيداً ورأوا أنه بداية لـ«مبدأ الندية في التعامل». يقول المحلل الاقتصادي نصر عبد الكريم، إن القرار «الندي» جاء استجابة للضغوط الجماهيرية التي دفعت نحو هذا الاتجاه، فقد «وجدت نفسها في حرج شديد أمام المواطنين والقطاع الخاص، وأرادت اتخاذ هذا القرار كي لا تتهم بالتخاذل».
هل سيكون للقرار أثر اقتصادي واضح؟ يجيب مدير العلاقات العامة والإعلام في وزارة الاقتصاد الفلسطينية، محمود أبو شنب، بالقول إن الشركات الخمس التي ستجري مقاطعة بضائعها هي شركات الألبان (تنوفا، وشتراوس، وتارا)، وشركة «زغلوبك» للحوم، وشركة «تبوزينا» للمشروبات. لكن أبو شنب يقر بأن المنتج الإسرائيلي يستحوذ على حصة 50% من منتجات الألبان في الأسواق الفلسطينية، ما يعني أن «تطبيق هذا القرار سيسبب خسارة بالملايين للجانب الإسرائيلي».
يعود نصر عبد الكريم ليقول إن «التأثير الإيجابي للقرار سيكون في السوق المحلية أكثر بكثير من تأثيره السلبي في الاقتصاد الإسرائيلي، لأن الاقتصاد الفلسطيني اقتصاد صغير، وحصة المنتجات الفلسطينية التي منعت من الدخول إلى القدس بسيطة»، مضيفاً: «هناك فرصة لشركاتنا بأن تستفيد من القرار، في ظل أن الشركات الإسرائيلية لا تعتمد بالقدر نفسها في مبيعاتها على السوق الفلسطيني».

غياب سيطرة رام الله على كل الطرق والمعابر عائق لتنفيذ قرارها

في المقابل، يرى مراقبون أنه لا يمكن رام الله الدخول في حملة مقاطعة شاملة تحقق نتائج كبيرة قبل التحرر من كل الاتفاقات السياسية والاستعداد لتحمل التبعات، وبخلاف ذلك، لا يستطيع الفلسطينيون الحفاظ على العلاقات مع إسرائيل واتخاذ خطوات مقاطعة اقتصادية مجدية لمجابهتها في آن واحد. لذلك يرى عمر البرغوثي، وهو ناشط في حقوق الإنسان وعضو مؤسس في «حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)»، أن «القرار خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح، ولكنها بالتأكيد غير كافية».
وأضاف البرغوثي: «اللجنة الوطنية الفلسطينية للمقاطعة، وهي أوسع تحالف في المجتمع وقيادة حركة BDS، تضغط على المستوى الرسمي الفلسطيني لتطبيق قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير الواردة في البيان الختامي لدورته العادية قبل عام، وتدعو إلى إنهاء ما يسمى التنسيق الأمني، وهو أخطر أشكال التطبيع، وإلى فك الارتباط تدريجاً مع الاحتلال ومؤسساته».
وبرغم وجود اختلافاتٍ حول السياق الذي جاء فيه القرار الفلسطيني وغيابه عن إطار خطة متكاملة لمقاطعة منتجات العدو، فإن الأهم في نظر مختلف الأطراف، هو تطبيق القرار على الأرض، نظراً إلى التجارب السابقة التي لا تدفع على التفاؤل، وآخرها قرار محمود عباس الذي صدر قبل عدة سنوات، على شكل قانون يجرم التعامل ببضائع المستوطنات أو العمل بها. وبرغم أنه قرار بقانون من الرئيس، وهو أكثر إلزاماً وجدية من قرار الحكومة، فإنه لم توضع الآليات المناسبة للتأكد من التزامه منذ صدوره.
وعلمت «الأخبار» أن «لجان حماية المستهلك» التابعة لوزارة الاقتصاد والصحة و«الضابطة الجمركية»، وضعت آلية لتطبيق القرار الأخير فور صدوره عن الحكومة، وأبلغت موزعي الشركات الخمس بمنع إدخال منتجاتها، وإمهالهم عشرة أيام للتخلص من المخزون الخاص بهم. ومن المقرر أن يبدأ بعد ذلك سحب كل ما يتعلق بتلك الشركات بالتنسيق مع «لجان مقاطعة المنتجات الإسرائيلية».
لكنّ غياب سيطرة السلطة على كل الطرق والمعابر في الضفة المحتلة معضلة تعطل دوماً دور أجهزتها الرقابية في تطبيق ما يصدر من قرارات، خصوصاً المتعلقة بالرقابة على دخول البضائع إلى الأسواق الفلسطينية وخروجها منها، فضلاً عن أن المناطق المصنفة «ج» وفقاً لاتفاقية أوسلو، لا تقع تحت السيطرة الأمنية الفلسطينية، لذا لا يمكن رام الله إنفاذ قراراتها فيها وتطبيق القانون بالطريقة المطلوبة.
يشار إلى أن العدو كان قد اتخذ قراراً مشابهاً بمنع دخول منتجات فلسطينية إلى القدس عام 2010، ولكنه عاد وتراجع عنه بعد وساطات دولية. ويذكر أن الشركات الفلسطينية التي مُنعت منتجاتها من الدخول إلى القدس أخيراً هي «سنيورة» و«السلوى» للمنتجات الغذائية، و«حمودة» و«الريان» و«الجنيدي» للألبان. وأعلنت بعض تلك الشركات أن القدس تشكل 50% من السوق الذي توزع فيه منتجاتها، وأن استمرار منعها يعني خسائر كبيرة لها.