بات من المؤكد ان موعد 16 كانون الاول الجاري لن يكون موعداً لانتخاب رئيس للجمهورية، ولن يكون ايضا موعداً لانتخاب رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجيه رئيساً، رغم ان شخصيات من قوى 14 آذار وتيار المستقبل لا تزال تجزم بانتخابه قبل نهاية العام الجاري. ولا يبدو ايضاً في الافق احتمال عودة الرئيس سعد الحريري الى بيروت، التي كان مفترضاً أن تتم بعد ترشيحه فرنجيه واستكمال عناصر التأييد له. إذ أن تداعيات الترشيح والاضرار التي تسبب بها لقاء باريس، جعلت من المستبعد عودة الحريري في وقت قريب، بحسب اوساط المطلعين على مبادرته. وقائع الامور تثبت يوما بعد آخر، ان عقدة الترشيح والانتخاب لا تزال عالقة منذ اليوم الاول عند ثلاث لاءات من التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية وحزب الله، وان كل الحركة الديبلوماسية الاقليمية والدولية التي اشاعت في الايام الاخيرة اجواء تسوية صارت بمثابة صفقة وبازار مفتوح، لم تتمكن من انتزاع نعم من القوى الثلاث. وقد تكون من المرات القليلة التي يؤدي فيها العنصر الداخلي دوراً مؤثراً في المشاورات حول رئاسة الجمهورية، معطوفاً على العامل الاقليمي المتريث في الافراج عن الانتخابات الرئاسية في لبنان. لا يمكن لرئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون ان يسلم اليوم بما رفض ان يسلم به منذ الشغور الرئاسي، ولا يمكنه ان يتجاوب مع الدعوات الى انتخاب رئيس للجمهورية بأي ثمن ويتخلى عن ترشحه، ولو من اجل حليفه في خط قوى 8 آذار. ومن لم يتنازل عن تعطيل الحكومة منذ اشهر، برغم المطالبات المتكررة تمسكا منه بالتعيينات الامنية وآلية التوافق في مجلس الوزراء، لن يكون من السهل إقناعه بان يتنازل في ثمانية ايام عن ترشحه، في تسوية استهدفت ابعاده لانه مرفوض اقليمياً، وسعودياً تحديداً. يحلو لعون ان يردد دوماً ان احداً لن يأخذ توقيعه، لكن عبارته التي كانت موجهة الى خصومه، يقولها اليوم ايضاً لحلفائه وخصومه معاً. فالتمديد مرتين للمجلس النيابي ولقادة الاجهزة الامنية، امر والانتخابات الرئاسية امر آخر، ومهما طالت مدة الشغور الرئاسي، لن يرشح العماد عون سوى عون نفسه. ويبدو مستغربا ان يتفاءل القائمون على تسوية باريس بأن احدا، ولو كان حزب الله، قادر على اقناع عون بالانقلاب على نفسه، علما انه يفترض بالحريري وفرنجيه ان يعرفا عون جيدا.
تخلّي عون وجعجع عن كونهما مرشحين وناخبين ينهي دورهما كما حصل بعد عام 1990

ولا يمكن لرئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع ان يقبل مجيء خصمه المسيحي على يد حليفه المفترض الرئيس الحريري. فعون يمكن ان يكون قد اصبح اقرب الى جعجع بعدما وقعا ورقة اعلان النيات وخاضا معا معركة الجلسة التشريعية، ومع ذلك لم يتخذ جعجع اي قرار بحجم ترشيحه، علما ان هذا الموضوع طرح في نقاشات سبق ان دارت مع حلفائه وفي اوساط الطرفين قبل اعلان ترشيح فرنجيه وبعده. واذا كان جعجع الذي رشحته قوى 14 آذار مجتمعة، قد اقترح قبل اشهر ان يسحب ترشيحه وأن يُتفَق على مرشح آخر، فلانه وضع نفسه في خانة الناخب الاساسي للرئيس الجديد، ولن يقبل حكما ان يكون مقترعا فحسب لمرشح اختير من خارج التشاور معه. صمْتُ عون وجعجع اعلاميا، بالنسبة الى من يعرفهما جيدا، يعني ان ما قبل الجلسة التشريعية الاخيرة مختلف تماما عما بعدها، واذا كان الرد عليهما جاء مباشرة بعد نجاحهما معا في قطف ثمار معركتهما المشتركة، الا انهما لا يبدوان في موقع التراجع خطوة واحدة في مجال الرئاسيات. بالنسبة الى عون وجعجع هما مرشحان بقدر ما هما ناخبان اساسيان، ولن يتخليا عن هاتين الركيزتين وفق ما هو مطروح حاليا، لان ذلك يعني انهاء دورهما وموقعهما، كما حصل بعد عام 1990 وإن بوجه مختلف، برغم كل المغريات التي توضع اليوم امامهما. لكن لا يمكن لعون وجعجع، ومعهما حزب الله، الذي يتقاطع لاول مرة موقفه مع القوات اللبنانية وإن لاسباب مختلفة، ان يستنفدا سياسة الرفض والممانعة الى الحد الذي يمدد الشغور الرئاسي اشهرا جديدة. والرسائل الديبلوماسية المتلاحقة تحثهما علنا وسرا، على القيام بمبادرة لانهاء الشغور الرئاسي. فالمشكلة ان الاهتمام "المسيحي" اليوم ينصب على تعطيل مبادرة الحريري ومنع وصول فرنجيه فقط، من دون الحديث عن "اليوم التالي" لمبادرة الحريري حين تنتهي في شكل رسمي. فالطرفان انشغلا بوقف الاندفاعة الرئاسية، من دون مقاربة فعلية لملف الرئاسيات والانتقال من مرحلة الرفض الى الدفع الجدي في اتجاه اجراء الانتخابات، علما ان الانغماس بملف الرئاسيات اطاح في شكل جدي البحث في تفعيل الحكومة والعودة الى جلسات مجلس الوزراء، وتاليا تعطيل عمل كافة المؤسسات ودخول البلد في حالة من الشلل التام. ما يفترض بعون وجعجع، بعدما أثبتا صحة موقفهما وحصدا رصيدا داخليا اضافيا وحصلا على "غطاء مسيحي"، إعادة قراءة الملف الرئاسي، انطلاقا من زاوية الحدث الباريسي الطارئ وتداعياته، لا تجاهله والعودة الى المربع الاول. لان هذا الخرق، الذي جرى التهويل بانجازه سريعا في لحظة اقليمية مؤاتية، ليس عاديا، وكلا الرجلين عسكريّ ويعرف معنى الخرق بهذا المستوى واستمرار الدفع به تكرارا. وهما في ظل الاتصالات التي تكثفت في كافة الاتجاهات في الساعات الاخيرة، سيكونان امام تحديات مختلفة، تتعلق بالعلاقات الثنائية بينهما، وبتفعيل الحوار الرئاسي في شكل معمق، ومنها ما يتعلق باعادة ترميم الثقة مع حلفائهما والمكونات السياسية جميعا، بعد الاجواء المحمومة التي تركها لقاء باريس في كل الاوساط السياسية والشعبية، ومنها ايضا ما يتصل بالدوائر الاقليمية والدولية التي استفادت من لقاء باريس للاضاءة على الشغور الرئاسي والدفع به في اي طريقة.