«انتخبت يا معلم؟»، يجيب سائق التاكسي الدمشقي: «لا والله. ما بعرف حدا منهن». جملة مفتوحة على الكثير من المعاني، حيث إن معظم المرشحين مجهولون بالنسبة إلى الشعب، ولا سيما الأعضاء السابقين منهم، المتهمين دوماً بالنوم خلال الجلسات، أو بالتصفيق بلا مبررات. جمل يكررها أبو محمود، السائق الخمسيني، ثم يستدرك قائلاً: «كان الإقبال على الصناديق أفضل خلال ساعات الصباح. بعد أذان الظهر خفّت الحركة حول المراكز الانتخابية». الطريق باتجاه وسط دمشق يبدو أكثر ازدحاماً من المعتاد. الأمر ليس خاصاً باليوم الانتخابي، بل بالتفتيش المضاعف على الحواجز العسكرية، خوفاً من أي حدث أمني يهدد هدوء العملية الانتخابية. بعض السوريين مضوا إلى الاقتراع عن غير اقتناع بالأشخاص المرشحين، بل لأسباب تتعلق بتأييدهم لاستمرار الدولة السورية وهيبتها. مراكز انتخابية عديدة في مناطق من حمص وأرياف اللاذقية وحلب، ما كانت في حساب العملية السياسية خلال السنوات الفائتة، بعد تقدم الجيش وإعادتها إلى الدولة. «كرمى لعيون الجيش» سأنتخب، تقول هانيا، المرأة الخمسينية التي خسرت ابنها شهيداً في ريف حلب. يربط سوريون عديدون بين تقدير تضحيات الجيش على مدار سنوات الحرب وانتخاب مرشحين لا يشبهون، بمعظمهم، الجيش أو عناصره أو تضحياته. جدلية اشتهر بها أبناء الشام الجامعون للتناقضات، كما عاصمتهم المزدحمة بفعل العملية الانتخابية التي تشهدها كل 4 سنوات. العسكريون انتخبوا، وللمرة الأولى، في مراكز استُحدثت خصيصاً لهم ضمن ثكن الجيش والمقار الأمنية، فيما لم يكن يُسمح للعسكري بالانتخاب.
بعض السوريين مضوا إلى الاقتراع عن غير اقتناع بالمرشحين

على مرمى حجر من حي جوبر الدمشقي المشتعل، شهدت مراكز العباسيين والقصاع وباب توما إقبالاً عادياً، على اعتبار بعض أبنائها مرشحين، ويطلبون دعماً، علّ صوت معاناة الأحياء المذكورة، والرازحة تحت نيران قذائف المناطق الجارة، يصل إلى قبة المجلس، لوضع حدّ لمأساة جرّبوها قبل تطبيق الهدنة الأخيرة. ويبرّر كون الإقبال عادياً في بعض المناطق وجود 2000 مركز، 543 منها استُحدثت لاقتراع أبناء مدن ومناطق ترزح تحت سيطرة المسلحين.
الفترة الصباحية من اليوم الانتخابي شغلها انتخاب الرئيس السوري بشار الأسد وعقيلته، في المركز الانتخابي المُستحدث في مكتبة الأسد في ساحة الأمويين. توجّه الرئيس منذ الصباح الباكر لممارسة الحق الانتخابي شجّع الموالين له، المترددين في الانتخاب، على المشاركة. وتضمنت مشاركة هؤلاء الكثير من الأوراق البيضاء، كناية عن رفض بعض السوريين للتمثيل الرديء الذي يقوم به نواب البرلمان السوري، في دوراته المتلاحقة.
في ساحة الأمويين قد تباغتك مناشير «لأقوى القوائم» المرشحة، قائمة «الوحدة الوطنية». يمسك يزن، المتطوع في الجيش، بأحد هذه المناشير، ويقول: «إنهم متأكدون من نجاحهم. ينامون مطمئنين كل ليلة إلى ذلك. أو لعلهم لا ينامون من شدة الحماسة لساعة إعلان نجاحهم نواباً عن الشعب المنكوب». وعلى الرغم من تأييده للعملية الانتخابية، وكل ما يكفل حماية الحياة المدنية في البلاد، غير أن لهجة الشاب المقاتل في جوبر يسودها نوع من العتب والأسى. كلام يؤيّده أحمد، المهندس المعماري، غير أن الشاب الثلاثيني قاطع الانتخابات، على اعتبار أن الأسماء الناجحة معروفة، و«صوتي لا يحدث فرقاً»، حسب تعبيره، هازئاً من الإعلان الموجّه عبر الإعلام الحكومي.
وفي حمص كان للانتخاب رمزيته، نظراً إلى الحرب القاسية التي شهدتها المدينة. الإقبال بدا أفضل من المتوقع، ما يوحي باطمئنان الناس إلى الوضع القائم في البلاد، في ظل تجاوز عدد الناخبين مع منتصف النهار 300 ألف صوت. رقم لم تحصد درعا المدينة ربعه، على الرغم من تحديد عدد مراكز الانتخاب لأبناء درعا، ضمن المحافظة وخارجها، بـ197 مركزاً، فيما شهدت حلب إقبالاً متوسطاً، بحسب مصادر في المحافظة، على الرغم من خروقات عدة شهدتها الجبهات الساخنة في المدينة وريفها. يأتي ذلك بالتزامن مع ما نشرته وكالة الأنباء الرسمية «سانا» عن تمديد فترة الانتخابات 5 ساعات إضافية، بسبب «الإقبال الشديد على المراكز الانتخابية»، حسب وصف الوكالة. وزارة الإعلام السورية استنفرت بقنواتها وكوادرها لنقل أجواء الانتخابات، بعد أيام عدة من الترويج للعملية الانتخابية، وحثّ الشارع السوري على المشاركة. وأحدثت الوزارة المركز الإعلامي لمواكبة الانتخابات، الذي يعمل على تهيئة الظروف المناسبة لعمل الصحافيين على نقل وتغطية أحداث اليوم الانتخابي الطويل. ومن الجدير بالذكر منع وفود إعلامية من الدخول إلى الأراضي السورية، من بينها فريق قناة فرانس 24، الذي حاول عبور الحدود اللبنانية ــ السورية بناءً على دعوة رسمية من وزارة الإعلام السورية، لتغطية الحدث السوري، بذريعة وجود حظر على أسماء بعض أفراد الفريق الإعلامي.