قد يكون يوم 14 شباط الماضي الموعد الأكثر حرجاً للعلاقة بين تيار المستقبل والقوات اللبنانية. سبق أن مرّ هذا الثنائي بمفاصل شديدة الحساسية جرى التعامل معها بنوع من «الطبطَبة» وتأجيل الطلاق، إلى أن جاءت «لطشة» الرئيس سعد الحريري لسمير جعجع في البيال، ووضَعت حدّاً لسياسة تسكين الألم. كُثرٌ، في فريق الرابع عشر من آذار، إعتقدوا أن أوان الإنفصال قد حان، وعلى كل من الشريكين الأساسيين في «ثورة الأرز» أن يمضي في حال سبيله، لكنّ الطلاقَ لم يحصل. منذ اللحظات الأولى التي تلَت الذكرى، بدأ المعنيون يعمَلون على ترميم الجرّة. يقول المطّلعون على أجواء الجانبين إن الحالة هذه الأيام «مستقرة، لكنها ليست بعافية... صحيح أن العلاقة لم تعُد كما كانت عليه، لكن الخلاف لم يتطوّر.
ترشيح القوات العماد ميشال عون للرئاسة، أشّر إلى بداية حقبة جديدة من العلاقة مع تيار المستقبل. وسبق ذلك موقف الرئيس الحريري بدعم رئيس تيار المردة سليمان فرنجية. أما المشهد الإجمالي الحالي، فيُمكن قراءته على هذا النحو: «معالجة الإضطرابات لحظة بلحظة، ورَكن الملف الرئاسي جانباً مع اقتناع الطرفين بأن لا انتخابات رئاسية ما دامت المظلّة الإقليمية والدولية غير متوافرة».
تبدّدت الكثير من الآمال المعلّقة على الحريري وجعجع في التراجع عن المواقف التي رأى كل منهما أن عليه إتخاذها لحلّ الملف الرئاسي: إما أن يسير رئيس تيار المستقبل في خيار جعجع، وإما أن يلتحِق الأخير بموجة الحريري. أما الأفضل بالنسبة إلى فريق الرابع عشر من آذار، فهو بتخلّي الاثنين عن مرشحيهما من فريق الثامن من آذار والعودة إلى خيار دعم شخصية من فريقهما، أو أقله «رئيس وسطي». لكنّ أياً من هذه التكهنات لم يحصل، وبقيت الأمور على ما هي عليه. بناءً على ذلك، وجد الطرفان أن الحلّ الأفضل حالياً هو تنظيم الخلاف بينهما، استعداداً للمرحلة المقبلة التي تتطلب أن يواجهاها بالجمع لا بالمفرق. لهذه الغاية، تبرّع مستشار الرئيس الحريري النائب السابق غطاس خوري لزيارة معراب مجدداً، تحت عنوان «تنظيم الخلاف والإتفاق على السير معاً في استحقاقات مقبلة». ومع أن عدداً من القواتيين والمستقبليين يؤكدون أن «الجوّ بين الحليفين يتحول من سيئ إلى أسوأ، وتكاد القطيعة تقع بينهما»، أكدت مصادر مطلعة على تفاصيل اللقاء الذي جمع خوري بجعجع أن «الدبلوماسية طغت على النقاش الذي ركّز على ملف الإنتخابات الرئاسية». منذ بداية اللقاء، وجد خوري نفسه ملزماً بإعادة شرح تفاصيل الملف الرئاسي، في جلسة مصارحة وصفتها المصادر بأنها «مفتاح للمرحلة المقبلة». فقد جرى الاتفاق على «حصر الخلاف بالملف الرئاسي». قال خوري على نحو صريح «نحن مستمرون في دعم فرنجية وأنتم مستمرون في دعم عون، ونحن لا نستطيع مجاراتكم، فلتسِر الأمور كما تفرضها الظروف ولسنا ضد وصول أحد»، لكن في المقابل «نتمنّى ألّا يحمّلنا أحد من جهتكم مسؤولية التعطيل، كما لن نحمّلكم نحن المسؤولية. المشكلة كلّها تصبّ عند حزب الله». وأضاف «نحن سنستكمل التواصل مع كل الأطراف، ولا نرفض تواصلكم مع العونيين، بشرط ألّا تكون هناك مواجهة أو صدام بيننا وبينكم».

في مقابل زيارة غطاس خوري لمعراب، لم يبادر القواتيون إلى أي خطوة نحو حليفهم

في المقابل، لم يتّسم موقف معراب من هذا الكلام بالحدّة، وإن كانت القلوب غير صافية مئة في المئة، لكنّ «الحكيم» فضّل مسايرة «ضيفه»، بالتعبير عن إرتياحه لشكل العلاقة. على الأقل «التنسيق لا يزال قائماً، والخطوط مفتوحة. وهذه نقطة تُسجّل لمصلحة فريقنا، مقارنة بفريق الثامن من آذار، حيث أقفلت الأبواب العونية في وجه فرنجية، وأدارت عين التينة ظهرها كلياً للجنرال، وبينهما أصبح الحزب في خانة الحرج». وبالنسبة إلى المصادر، «دخل التوتر مرحلة التبريد لا العكس». وتستند المصادر في حديثها إلى «رغبة الطرفين بعدم توسيع دائرة الخلاف بل تضييقها». حتّى إن جعجع، بحسب المصادر، لم يجزم لخوري قرار القوات الإلتحاق بالخيار العوني النزول إلى الشارع ضد تيار المستقبل، مشيرة إلى أن رئيس القوات لم يعطِ ضيفه المستقبلي تطمينات بهذا الشأن، لكنه أكد أمامه أن «النقاش في هذا الأمر لم يُحسم بعد».
ولعلّ ذلك كما تقول المصادر يفرضه استحقاقان، يجد المستقبل والقوات أنهما بحاجة إلى خوضهما معاً. الأول، هو الإنتخابات البلدية المقررة في أيار المقبل، وقد جرى البحث فيها على قاعدة أن «تنجح القوات في خلق أرضية مشتركة بين العونيين والمستقبليين لخوضها في المناطق التي يتشاركان النفوذ فيها». وبالنسبة إلى المستقبل، فقد أكدت مصادر الرئيس الحريري أنه «سيخوض معارك المقاعد الإسلامية، في بلدية بيروت على سبيل المثال لا الحصر، أما المقاعد المسيحية فسيترك المعارك فيها للقوات والكتائب، على أن تتولّى القوات بالتحالف مع العونيين خوضها». وبالنسبة إليه، تبقى بيروت هي الأهم. يظهر حتى الآن أن الحريري يُحاذر عدم خوض معركة ضد القوات في البلديات، ولذا يسعى إلى إرساء قاعدة تفاهم. لكن المستقبليين يشتكون من «عدم الحماسة القواتية لملاقاة الحريري في منتصف الطريق»، مدّعين أنه «باستثناء الزيارة الأخيرة لغطاس خوري، لم يلِ هذه الزيارة أي حراك استثنائي يشي بأن الأمور تسير كما يرغب بها الطرف المستقبلي».
وترجّح مصادر المستقبل أن القوات حتى الآن تعيش فترة «ارتباك»، فهي من جهة لا تريد مقارعة التيار الأزرق حتى لا يؤثر عليها ذلك في الانتخابات النيابية في مناطق مثل زحلة والشمال. في المقابل، «تريد إرساء اتفاق مع العونيين حتى يبقى في استطاعتها الدخول إلى المتن وكسروان»، وهو ارتباك يثير ريبة تيار المستقبل، بسبب عدم حسم حزب القوات خياراته حتى اللحظة.
من جهة أخرى، يبقى استحقاق قانون الإنتخابات النيابية الذي استطاعت القوات أن تصل إلى صيغة مشتركة مع المستقبل والحزب الإشتراكي بشأنه. وهو يضمن إجراء الاستحقاق بنسبة ستين في المئة على الأساس الأكثري، وأربعين في المئة على الأساس النسبي. ولا يبدو، أقله حتى الآن، كما تقول المصادر، أن القوات في وارد التخلّي عن هذه الصيغة وفتح معركة جديدة مع الرئيس الحريري.
إذاً، التنسيق قائم بين المستقبل والقوات، لكنه يبقى مجرد تنسيق شكلي، وهذا يعني أن الأمور لا تزال «متصدعة». ولعلّ خير مثال على هذا التصّدع هو انتقاد نواب مستقبليين لتغيّب نائب القوات جورج عدوان عن جلسة انتخاب رئيس للجمهورية الأسبوع الفائت. وهو تغيّب أكدت مصادر قواتية أنه «ليس رسالة موجّهة ضد الحريري. لكننا ندرك جيداً كما يُدرك هو ونوابه أن النصاب سياسي لا عددي، وما دام قرار انتخاب رئيس جديد غير متوافر، فلا حاجة للحضور». أما الجلسة ما قبل الأخيرة، فقد كان النصاب القواتي المكتمل بمثابة «ترحيب بعودة الرئيس الحريري إلى البلد ومجلس النواب»!