تقارير وأبحاث كثيرة درست التغير المناخي وحلّلت آثاره على النواحي الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. لكن محاولات ربط المناخ بأحداث سياسية وثورات وحروب لا تزال قليلة. صحيح أنه لا يمكن حصر دوافع أي ثورة أو عمل بالمناخ بنحو مباشر، لكن لم يعد بالإمكان تجاهل تأثير المناخ في ما يجري اليوم.


المناخ والعنف

في دراسة للباحثين مارشال بوركي وإدوارد ميغيل وسولمون هزيانغ، من جامعة بيركلي الأميركية، نشرت عام 2013، أظهرت معاينة دقيقة لأشهر 60 دراسة حللت العلاقة بين التغير المناخي والعنف أن التبدلات المناخية، سواء أكانت ارتفاعاً حاداً في درجات الحرارة أم تساقطاً كثيفاً للأمطار، تؤدي إلى ارتفاع معدلات العنف بنحو كبير. وبيّنت الدراسة أن المناخ أسهم في زيادة نسب العنف الإثني والأسري في عدد من الدول، وكان له دور بارز في انقراض حضارات بارزة، كحضارة المايا في المكسيك على سبيل المثال.
ويرجّح باحثون أن ارتفاع حرارة الأرض بنسبة درجتين مئويتين في السنوات الخمسين المقبلة ــــ كما تتوقع أغلب الدراسات ــــ سيزيد بنسبة 50 في المئة من الحروب الأهلية في مناطق عدة من العالم.


اللاجئون البيئيون

تتصدر أزمة اللاجئين السوريين العناوين حول العالم، وباتت مأساتهم مادة دسمة لكثير من التحليلات التي تسعى إلى الربط بين اللجوء والإرهاب، خصوصاً في أوروبا. إلا أن قراءة في أعداد «اللاجئين البيئيين» تثير الذعر، لا بل قد تجعل من أعداد السوريين غير ذات قيمة، خصوصاً أن الوجهة المفضلة للكثير ممن تدفعهم الظروف البيئية إلى اللجوء... هي أوروبا نفسها.

ارتفاع حرارة الأرض درجتين مئويتين خلال الـ 50 سنة المقبلة سيزيد الحروب الأهلية بنسبة 50%

وتعرّف منظمة الهجرة العالمية «اللاجئ البيئي» بأنه «الفرد أو مجموعة من الأفراد الذين أجبروا أو اختاروا بسبب ظروف التدهور البيئي ترك مكان إقامتهم مؤقتاً أو دائماً. وينطبق هذا التعريف على المضطرين إلى النزوح داخل بلادهم من منطقة إلى أخرى أو إلى خارج حدود بلادهم».
ووفقاً للدراسات، سيشكل اللاجئون البيئيون الغالبية العظمى من المهجرين قسراً حول العالم، سواء داخل حدود بلادهم أو خارجها، متفوقين على اللاجئين الذين فرضت عليهم أسباب سياسية أو دينية أو عرقية أو إثنية الهجرة.
وبين عامي 2008 و2013، اضطر نحو 166 مليون شخص إلى ترك منازلهم أو بلدانهم بسبب الكوارث الطبيعية. ويقدَّر أن يصل عدد من سيضطرون إلى ترك منازلهم بسبب العوامل المناخية بحلول عام 2050 بما يراوح بين 250 مليوناً ومليار نسمة، بحسب كريغ جونستون، نائب المفوض الأعلى في المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة.
وفي عام 2008، حذّر الاتحاد الأوروبي من أن التغيرات المناخية ستكون لها انعكاسات واضحة على الاستقرار السياسي والاجتماعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولم يخف الرئيس الأميركي باراك أوباما، في مناسبات عدة، اقتناعه بأن التبدلات المناخية يمكن أن تولّد «إيديولوجيات خطرة». من جهته، المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية بيرني ساندرز، أعلن جهاراً أن القتال من أجل الموارد الغذائية والطبيعية، نتيجة لتأثير المناخ، قد يقود إلى مشاكل على مستوى العالم. واللافت أن ساندرز «طبّق» هذه النظرية على الوضع في سوريا، لافتاً إلى أنه نتيجة للجفاف والتصحر، اضطر كثيرون إلى اللجوء للمدينة حيث لم يجدوا أعمالاً، ما جعل الكثيرين فريسة سهلة لـ «القاعدة» و»داعش».

رياح شرق أوسطية حارة

«على الرغم من أن دول الشرق الأوسط لا تسبب سوى 4% من إجمالي نسبة الانبعاثات الحرارية في العالم»، كما تظهر البيانات, إلا أنها ستتأثر بنحو حاد بالتغيرات المناخية. بحسب تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2014 بعنوان «اخفضوا درجات الحرارة: مواجهة الواقع المناخي الجديد». فإن المنطقة العربية ستشهد تبخراً للموارد المائية الشحيحة، خصوصاً في نهري دجلة والفرات ونهر الأردن وبحيرة طبرية، وانخفاض غلة المحاصيل بنسبة 30% في مصر والأردن وليبيا. وكشف تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية أن 12% من أراضي مصر الزراعية ستتعرض لمخاطر متعددة، وبيّن أن «متوسط الاحترار العالمي بلغ أربع درجات مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، ويتوقع أن تزيد درجات الحرارة إلى ثماني درجات مئوية عن تلك المستويات، في مناطق متعددة من الجزائر والمملكة العربية السعودية والعراق مع نهاية القرن الحالي». وإذا أسقطنا ما كشفته الدراسة الصادرة عن الباحثين في جامعة بيركلي وتوقعاتهم بأن يؤدي الارتفاع بنسبة درجتين مئويتين إلى تصاعد العنف بنحو 50% على ما تقدم من أرقام، عندها ستكون النتيجة مرعبة!

سوريا والتصحّر

تطرقت دراسات عدة إلى تأثير العوامل المناخية بمجريات الأحداث السورية. لا يعني ذلك إلغاء أي مسببات أخرى أو التقليل من أهميتها، إلا أن بعض المعطيات والأرقام لا يمكن تجاهلها. فقد أشارت مجلة «البيئة والتنمية» عام 2013، تحت عنوان «ربيع العرب... خريف البيئة»، إلى أنه «بين عامي 2006 و2011، شهد نحو 60% من الأراضي السورية أسوأ موسم جفاف طويل الأمد وأكبر تراجع حاد في المحاصيل الزراعية منذ بدء الزراعة في منطقة الهلال الخصيب قبل آلاف السنين. حلّ الجفاف في نحو 75% من مناطق شمال شرق البلاد (مثل محافظة الحسكة) وجنوبها، وخسر الرعيان نحو 85% من قطعانهم، ما أثر في 1,3 مليون شخص بحسب تقرير للأمم المتحدة عام 2011. وكان نحو 800 ألف نسمة من السكان الرعاة قد خسروا كل قطعانهم عام 2009. وعانى نحو مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي عام 2011. وبات ما بين مليونين وثلاثة ملايين شخص يرزحون تحت فقر مدقع عام 2012. ودفع ذلك آلاف السوريين إلى الانتقال من الأرياف إلى المدن، حيث انضموا إلى آلاف اللاجئين العراقيين الذين توافدوا إلى سورية منذ حرب 2003 ليشكلوا ضغطاً كبيراً على البلاد والسكان».
وتطرقت دراسة أميركية بعنوان «الربيع العربي وتغير المناخ» صادرة عام 2013 إلى العلاقة بين القمح والثورة المصرية. ولفتت الدراسة الصادرة عن «مركز التقدم الأميركي» إلى أن الخبز يشكل ثلث الحصة الغذائية الفردية في مصر التي تتكبد 38% من دخلها على الغذاء و3% من إجمالي الناتج المحلي على دعم القمح.... فتضاعف أسعار القمح العالمية من 157 دولاراً للطن في حزيران 2010 إلى 326 دولاراً في شباط 2011 أثّر بنحو ملحوظ في إمدادات الغذاء وتوافره في مصر».

لبنان غير مطمئن

أما في لبنان، إذا صدقت توقعات المناخ وآثاره، فإن المستقبل لن يكون مطمئناً. فمع «حلول عام 2020، سيشهد لبنان زيادة خمس درجات في الحرارة، وانخفاض الأمطار بنسبة 40%، و18 يوماً إضافياً من الجفاف. وسيسجل القطاع الزراعي تراجعاً بنحو 300 مليون دولار». كذلك، زادت نسبة التصحر، بحسب الدراسات، بنحو ثلاثة أضعاف خلال السنوات الخمسين الماضية.
أما الاضرار التي قد يلحقها تغير المناخ بالاقتصاد اللبناني في مجال الزراعة والطاقة والسياحة والصحة، فقد تصل إلى 50 مليار دولار عام 2020 وإلى أكثر من 80 ملياراً عام 2040.
قد تكون كل المحاولات الهادفة إلى الربط بين المناخ وتصاعد العنف محط تشكيك ونقاش. إلا أنه لا يمكن التعامي عنها بالمطلق. المضحك المبكي في الموضوع أنه فيما يبحث الغرب عن جذور المشكلة في الشرق، فإن المشكلة قد تكون عنده بسبب إسهام الدول الصناعية الكبرى في الاحتباس الحراري والتبدلات المناخية. فهل يكون المناخ المدخل للقضاء على ظواهر كثيرة مستجدة؟