«سنة الانتخابات» في أميركا ليست كغيرها. الحمّى المرافقة لوصول الساكن الجديد إلى البيت الأبيض، تمتدّ شهوراً من التفاصيل والتقلّبات. أهل الفن لا يمكن أن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام حدث كهذا. كثيرون يجاهرون بميلهم لمرشّح ديمقراطي أو جمهوري. بعضهم ينخرط في اللعبة عملياً. هوليوود تنجز ساعات دراميّة استناداً إلى التنافس الرئاسي. تميل إلى أحد الحزبين بوضوح أو مواربة، أو تقف على مسافة واحدة منهما. بعضهم يستهدف الجميع بهجوم حاد أو تهكّم ساخر. التجاهل نادر الحدوث ضمن بلد يختلق القضايا الساخنة في حال عدم وجودها. الأفلام العديدة عن حكم لينكولن، واغتيال كنيدي، وفضيحة نيكسون، أمثلة بارزة على ذلك. يبقى «بيت من ورق» الذي تنتجه شركة «نيتفلكس» الرائدة في بثّ المحتوى الترفيهي عبر الإنترنت، الدراما الأشهر عن كواليس الحياة السياسيّة (الأخبار 1/3/2016).

على الشاشة الكبيرة، تبدو الأجندة مزدحمة قبل يوم الحسم في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. أفلام جديدة أو تتمّات لسلاسل شهيرة، تتراوح بين الدراما والرعب والخيال العلمي، لترسم مسار تشويق بين استوديوهات لوس أنجليس والـ «كابيتول هيل».

فيلما «عيد الاستقلال: العودة» و«التطهير» يروّجان لهيلاري كلينتون

في «عيد الاستقلال: العودة»، يستكمل رولاند إيمريش الخيال العلمي الشهير «عيد الاستقلال» (1996). السينمائي الألماني ماهر في بعث رسائل السياسة، كما في صنع أيام القيامة وأفلام الكوارث. يعود الفضائيون إلى الكوكب الذي هزمهم قبل 20 عاماً. هم اليوم أشرس وأقوى وأكثر دمويةً وإجراماً. أميركا التي استثمرت ما تبقّى من تكنولوجيا الغزو السابق، مضطرة لقيادة العالم مجدداً. هذه المرّة، تجلس لانفورد (سيلا وارد) في المكتب البيضاوي، كأوّل رئيسة للولايات المتحدة، بدلاً من ويتمور (بيل بولمان) في الجزء الأول. هي قويّة، حازمة، لا تخشى المواجهة وركل المؤخرات. الشريط تعويذة حظ أو نبوءة سارّة لهيلاري كلينتون، التي تسعى لخوض العراك عن الحزب الديمقراطي. في فيلموغرافيا إيمريش، يمكن التوقف عند The Day After Tomorrow الذي صدر عام 2004 قبل خمسة أشهر من الانتخابات الرئاسيّة. بإعادة الأرض إلى العصر الجليدي، حذّر الفيلم من إنكار التغيّر المناخي، موجهاً إنذاراً قويّاً بخصوصه.
فيلم آخر يلفت الأنظار نحو حظوظ كلينتون. الجزء الثالث من سلسلة الرعب الاجتماعي «التطهير» يحمل عنوان «عام انتخابي» The Purge: Election Year، بدلاً من رقم الجزء. استوديو «يونيفرسال» يستوحي العنوان السحري من روح الحدث. أكثر من ذلك، يروّج للفيلم ضمن المؤتمرات والتجمّعات الانتخابيّة. في المضمون، تدور الأحداث في المستقبل، انطلاقاً من الطقس الشيطاني الذي أوجده «مؤسسو أميركا الجدد لإبقاء البلد عظيماً»: تشريع الجريمة لمدّة 12 ساعة. روح هيلاري كلينتون تحوم هنا. السيناتور شارلين رون (إليزابيث ميتشل) تسعى للرئاسة، واضعةً إلغاء هذا التطهير القذر في مقدّمة أهدافها. أيضاً، تبدو شجاعةً، صلبةً، قادرةً على اتخاذ أصعب القرارات. مخرج وكاتب السلسلة الأميركي جايمس دي موناكو لم يفعلها صدفةً أو جزافاً.
ليست كلّ الأفلام عطوفةً على المرشحين. رجل الأعمال المثير للجدل دونالد ترامب، الذي يسعى لانتزاع بطاقة الحزب الجمهوري، لن يكون سعيداً بـ «المؤسس» The Founder. جديد الأميركي جون لي هانكوك يلاحق سيرة مؤسّس سلسلة مطاعم «ماكدونالدز» راي كروك (يلعبه الأوسكاري العائد مايكل كيتون). صاحب «الخلطة السريّة» يشبه ترامب في معارضته رفع الحد الأدنى للأجور، حتى أنّه تبرّع لحملة نيسكون أوائل السبعينيات من أجل ذلك. هارفي وينستن (صاحب استوديو «وينستن») من أخبث المنتجين الفاعلين في السيرك السياسي. لم يعبث بالعنوان كما «يونيفرسال»، لكنّه قام بتقديم إصدار الشريط من موسم الجوائز آخر العام إلى شهر آب (أغسطس) أي قبل الحسم الانتخابي. برّر ذلك بأنّ أفلام الجوائز يمكن أن تصدر في أيّ وقت من العام. يبدو أنّ هارفي لا يكنّ مشاعر طيّبة للحزب الجمهوري. قام سابقاً بدعم الوثائقي «فهرنهايت 9/11» (2004) لمايكل مور، الذي انقضّ على الرئيس الجمهوري جورج دبليو. بوش. إذا نجا دونالد ترامب من مؤتمر حزبه يوم 18 تموز (يوليو)، سيجد جدلاً منهكاً في انتظاره.
دونالد ترامب لن يكون سعيداً بـ «المؤسس»، جديد الأميركي جون لي هانكوك

التعاطف مع حزب بعينه حاضر أيضاً. نترقب «معك في ساوث سايد» لريتشارد تان إخراجاً وكتابةً، الذي لاقى ترحيباً في مهرجان «ساندانس» الأخير. السينمائي الأميركي يعود إلى شيكاغو في صيف 1989. الموعد الأول بين الشابين باراك أوباما (باركر ساويرس) وميشال روبنسون (تيكا سمتر) بداية لتغيير تاريخي. باراك تمكّن من أسر قلب ميشال، التي تعرف اليوم بـ «السيّدة الأولى». مزيج من الرومانس والذكاء والطموح والقوّة واللعب على الاختلاف العرقي، سيشعل الحماس للحزب الديمقراطي الذي أخرج أول رئيس أميركي أسود البشرة. «معك في ساوث سايد» Southside with You يذكّر بمحاولة صنع فيلم بعنوان «رودهام» قبل ثلاث سنوات، عن قصّة حب بين هيلاري رودهام وبيل كلينتون. آنذاك، بدأ جدل السياسة وحسابات الانتخاب بمجرّد الكلام عن شريط لم يتحقق. ضمن الحراك العرقي نفسه، يبرز «ولادة أمّة» لنات باركر. ابن فرجينيا ينبش تاريخ ولايته، مقترحاً بيوغرافيا محكمة عن الثورة المناهضة للعبودية التي قادها نات ترنر عام 1831 (يلعبه باركر نفسه). «ولادة أمّة» لن يفيد من المناخ الانتخابي فقط، بل سيحجز مكاناً في ترشيحات أوسكار 2017 لأفضل فيلم، كردّ فعل على اقتصار ترشيحات الأوسكار الأخير على البيض. أصلاً، نال الشريط جائزتي الجمهور ولجنة التحكيم الكبرى في «ساندانس» الفائت.
الحزب الجمهوري لن يُترَك وحيداً. كاوبوي السينما كلينت إيستوود صانع بروباغندا من الطراز الرفيع، على غرار مواطنه ستيفن سبيلبرغ، ها هو يقلّده مستعيناً بالمحبّب توم هانكس، للعب شيزلي سولينبرغر في جديده «سولي» Sully، الطيّار الذي حقق «معجزة نهر هادسن» عام 2009، هابطاً بالرحلة 1549 على المياه المتجمّدة، ما أنقذ حياة 155 راكباً. أين الانتخابات من ذلك؟ حسناً، لقد حاول الجمهوريون إقناع شيزلي بالترشح للكونغرس عن ولاية كاليفورنيا بعد الحادثة، إلا أنّه رفض. هذا سيخدم الحزب بعد دخول العنوان إلى «البوكس أوفيس»، خصوصاً أنّ الطيّار يتحدّث بمنطق دونالد ترامب حول «جعل أميركا عظيمة ثانيةً».
في المقابل، بعض الأفلام تطلق النار على الجميع. من أقدر من أوليفر ستون على فعل ذلك؟ المعلّم الأميركي من أشد منتقدي سياسات بلاده. لا يخفي ميوله اليسارية الراديكالية، ووقوفه إلى جانب قادة لاتينيين أمثال فيدل وراؤول كاسترو وهوغو تشافيز. «سنودن» فرصة مواتية لقول الكثير عن انتهاك الحكومة الأميركية لخصوصيات مواطنيها. جوزيف غوردون ليفيت يلعب مسرّب وثائق «وكالة الأمن القومي» إدوارد سنودن، الذي انقسم العالم حول وصفه بين «وطني وخائن». دونالد ترامب وهيلاري كلينتون لن يكونا سعيدين. الأول شنّ هجوماً شرساً على شركة «آبل»، داعياً إلى مقاطعة منتجاتها ما لم تستجب لطلب مكتب التحقيقات الفيدرالي، بفك تشفير جهاز منفّذ هجوم كاليفورنيا سيد فاروق. الثانية اتُهمت بخرق قواعد الأمن الإلكتروني، أيام توليها وزارة الخارجية. إذاً، الكل حاضر في حمّى الانتخابات. من قال إنّ السينما لا تسهم في صنع الرؤساء؟