فائز السراج يصل إلى العاصمة الليبية طرابلس من طريق البحر، آتياً من تونس، حيث مكث لفترة، وذلك بعدما أجبره انعدام التوافق الليبي على حكومته المعترف بها دولياً والمشكّلة على أساس اتفاق سياسي رعته الأمم المتحدة نهاية العام الماضي، على البقاء خارج البلاد. لكن هل حضر ليحكم ويوحّد السلطات المنقسمة بين شرعيتين (شرق وغرب) منذ 2014؟ أم جاء ليفاوض على الحكم؟
عملياً، لم يكن الخبر مفاجئاً لمتابعي الشأن الليبي، إلا أنّ وقعه كان كبيراً، خصوصاً لناحية التساؤل: من سيحمي السراج وحكومته في ظل هيمنة القوى الرافضة له على طرابلس؟

العاصمة المقسّمة

نشأت "حكومة الوفاق الوطني" التي يترأسها فائز السراج، بموجب اتفاق السلام الليبي الموقع برعاية الأمم المتحدة في مدينة الصخيرات المغربية قبل أشهر. اختار تشكيلتها المجلس الرئاسي، وهو مجلس منبثق من الاتفاق نفسه، ويضم تسعة أعضاء يمثلون مناطق ليبية مختلفة، ويرأسه السراج نفسه. إلا أنّ التشكيلة الحكومية رفضتها أبرز شخصيات السلطتين المتنازعتين على الحكم في ليبيا.
اليوم، يواجه السراج في العاصمة تكتلاً ثلاثياً: رئيس المؤتمر الوطني العام، نوري بوسهمين، رئيس الحكومة، خليفة غويل (الذي ردّ أمس بأنه على المتسللين غير الشرعيين أن يسلموا أنفسهم أو أن يعودوا من حيث أتوا)، إضافة إلى المهندس الأساسي لـ"فجر ليبيا" (الائتلاف العسكري)، صلاح بادي.
وقد يكون بادي الطرف الأقوى، فيما يُعتبر بوسهمين شخصية غير قادرة على المواجهة، لكنه اتخذ مسار رفع السقف السياسي بفعل الدعم المقدّم له من قبل "أطراف إسلامية أكثر تشدداً من جماعة الإخوان المسلمين"، وفق ما يوضح مصدر مطلع.
في مواجهة هؤلاء، بدا في الأيام الماضية، أنّ السراج أمّن لحكومته ظهيراً عسكرياً وأمنياً، بقيادة كل من هيثم التاجوري وعبد الرؤوف كارة. وقد تعزز ذلك بإعلان "كتائب ثوار مصراتة" ومجلسها البلدي وعدد من شخصيات المدينة دعمهم لحكومة الوفاق.
أما على الجانب السياسي، فإنّ السراج يحظى في غرب البلاد بدعم "حزب العدالة والبناء" (إخوان مسلمون)، لكن هذا الطرف "قد لا يمثّل أكثر من 15% أو 20% في تلك المنطقة"، وفق المصدر الذي تحدثت إليه "الأخبار". ويشرح المصدر أنّه كان لافتاً، أمس، "وجود نائب رئيس المجلس الرئاسي، أحمد معيتيق، ضمن الوفد المرافق"، موضحاً أنّ الأهمية تكمن في أنّ معيتيق "ابن مصراتة، وهو الرجل القوي ورجل الأعمال وصاحب العلاقات المتشعبة".

الشروط السياسية ليست مهمة لحل الأزمة بقدر أهمية تقاسم السلطة

يضاف طرف آخر إلى مجمل داعمي السراج، يتمثّل بـ"بعض العسكر وبعض الخونة"، كما وصفهم نائب رئيس "المؤتمر"، عوض عبد الصادق، أمس، في ظل الحديث عن حضور وزير داخلية حكومة طرابلس وعدد من القيادات العسكرية إلى القاعدة البحرية لاستقبال الوفد الآتي من تونس.
"يجب أن ننتظر ردود الفعل على الأرض"، هكذا علقت الباحثة المتخصصة في الشأن الليبي في "مجموعة الأزمات الدولية"، كلاوديا غازيني، خلال حديثها إلى "الأخبار"، مضيفة أنّ "من اللافت أن يأتي الوفد عبر البحر، وهذا ما يبيّن أنّ المطار (أغلق بسببهم)". وفيما رجحت أن تتمثل خطة فريق السراج "في إقامة قاعدة"، أشارت إلى أنه "يجب أن نرى ما الذي سيكونون قادرين على فعله خارج حدود هذه القاعدة". وجدير بالذكر، أنّ هذا الحديث يعيد التذكير بما كان يشير إليه عدد من المطلعين قبل أيام، بقولهم إنّ هناك أحاديث تفيد بأنّ "السراج سيأتي إلى القاعدة البحرية، لتعمل إثر ذلك القوات الداعمة له على توسيع نفوذه في خارجها".
قد لا يصمد هذا الدعم إن لم يتعزز بدعم دوليّ واضح للسراج، إضافة إلى أنّ موقف مفتي طرابلس، صادق الغرياني، صاحب النفوذ السياسي القوي، سيكون مهماً لتحديد وجهة الأمور في الأيام المقبلة.

السراج: الحاكم بدعم الخارج؟

منذ إعلان السراج تشكيلة حكومته، قوبلت بالرفض من قبل أبرز شخصيات طرفي الصراع في البلاد. في ما يخص سلطات الشرق، هي لا تأخذ بالحسبان اللواء خليفة حفتر، بل تضم وزيراً للدفاع يُعَدّ من خصومه. أما بالنسبة إلى قوى غرب البلاد، فإن الاتفاق السياسي الذي نشأت على أساسه الحكومة، لم يعر اهتماماً بالفصائل العسكرية المهيمنة. قد يوصف هذان المعطيان بالأهم، خصوصاً لجهة أنّ "الشروط السياسية ليست مهمة لحل الأزمة في ليبيا راهناً، بل إنّ الأهم هي صيغ تقاسم السلطة"، وفق ما يشرح المصدر الدبلوماسي.
وفي ظل تراجع حدة الاشتباك الإقليمي في ليبيا خلال العام الأخير (بين تركيا وقطر من جهة، والإمارات ومصر من جهة أخرى)، كانت القوى الغربية تصرّ على ضرورة انتقال الحكومة الجديدة إلى طرابلس لتكرّس حكماً جديداً، ولتشكّل الركيزة الشرعية للجهود الدولية في مواجهة تمدد تنظيم "داعش" في البلاد، وسيطرته على نقاط ارتكاز قد تكون مدينة سرت أهمها.
وظهر حجم الدعم الدولي للسراج أمس، حين رحبت مجمل الدول الغربية والاتحاد الأوروبي، وبعثة الأمم المتحدة في ليبيا برئاسة مارتن كوبلر، بانتقاله إلى طرابلس، واصفة ذلك بأنه "خطوة لاستقرار" البلاد.
وسيفتح حضور "حكومة الوفاق" إلى العاصمة الليبية على أسئلة بشأن طبيعة التدخل الدولي المقبل، فيما تعتبر، كلاوديا غازيني، أنّ "الدول الغربية الحاضنة للحكومة وللمجلس الرئاسي قالت إنها ستقدم التدريب والمساعدة التي قد تطلبها هذه الحكومة، لكن يجب أن نكون حذرين وأن نمضي قدماً بحذر لنرى إن كان (الحكومة والمجلس) قادرين على البقاء في طرابلس". وتعبّر غازيني، التي وصفت "اتفاق الصخيرات" بأنه كان "متسرعاً"، عن اعتقادها بأنه "في هذا المرحلة من الزمن، يجب أن يتصرف المجتمع الدولي بحذر، وليس بتسرع".
أما بشأن الحديث عن أنّ إيطاليا ستشكّل القوة الأولى للتدخل في ليبيا، أو حتى أنّ قوات بحرية إيطالية أمنت انتقال السراج أمس، فإنّ الباحث الإيطالي، ماتيا توالدو، ينفي ذلك، في حديثه إلى "الأخبار"، مشككاً كذلك في أن يُقدِم السراج على طلب الدعم الدولي مباشرةً.
على الصعيد الإقليمي، تكرر تونس والجزائر الدعوات إلى توحيد السلطات في ليبيا، فيما تبدو مصر في مأزق، خاصة بعد تهميش "اتفاق الصخيرات" لحليفها، اللواء حفتر. لكن مصدراً مصرياً على دراية بالأوضاع الليبية، يقول لـ"الأخبار" إنّ "دور حفتر مهم ومقدّر مصرياً، لكنه لا يمثّل كل التوجهات الليبية، وأعتقد أنّ السياسة المصرية بدأت تأخذ ذلك في الاعتبار، وهي بدأت اتصالات بأطراف جديدة في جنوب وغرب ليبيا".