على المدخل الجنوبي لقضاء كسروان تبادرك "آرمات" تدعوك الى الابتسام: "أنت في زوق مكايل"! "آرمات"، رغم كبر حجمها، لا تحجب دواخين معمل الكهرباء الحراري ودخانه، ولا تمنع من الغرق في مستنقعات المياه، أو السقوط في حفر طرقاتها، وتنشّق رائحة المجارير. لكن دعك من هذا كلّه، وابتسم، فمهما كانت الصورة منفّرة، تبقى أنت في حضرة "لؤلؤة كسروان" وعلى بعد مئات الأمتار من منزل رئيسها نهاد نوفل، "حاكم الزوق".
لنهاد نوفل "صيت" يسبقه، ولاسمه رهبة وسطوة. انتخب رئيساً للبلديّة في عمر السابعة والعشرين، وهو يدخل اليوم عامه الثمانين ولا يزال متربّعاً على عرشه. يوصف بـ "الأخطبوط"، فأذرعه كثيرة وله أيادٍ طولى، سلطته مُسقطة على مجلسه وأبناء بلدته، ونفوذه مُمتدّ لكلّ الوزارات والمؤسّسات العامّة. وعلى مدار أكثر من نصف قرن من الزمن، أحكم قبضته على البلديّة حتى بات من الصعب الفصل بينهما. بدأ مسيرته المهنيّة بالتدرّج في مكتب فؤاد نفّاع للمحاماة (نائب ووزير خارجيّة في عهد الرئيس سليمان فرنجية) قبل أن تنقطع العلاقة بينهما. "زرعه" نفّاع عام 1963 رئيساً لبلديّة الزوق، ثمّ في عام 1978 رئيساً لاتحاد بلديّات كسروان. خلال سنوات الحرب، وحتى بدايات الألفية، نجح نوفل في تحويل زوق مكايل إلى نموذج تنموي... لكن سرعان ما خفّت الإنجازات، فـ "الريّس" يسعى لتخليد اسمه، ومجلسه البلديّ يتقاضى ثمن سكوته مقابل تنفيعات شخصيّة.

يرحل تاركاً حطام مدينة!

مع اقتراب موعد الانتخابات البلديّة والاختياريّة في الثامن من أيار المقبل، يعزم نوفل، أخيراً، على التقاعد. بعد 53 عاماً، تبنّى أخيراً أهمّ ما في الديمقراطيّة: مبدأ تداول السلطة. يؤكّد لـ"الأخبار": "لن أترشّح إلى الانتخابات وسأفسح في المجال أمام الشباب لضخّ دمّ جديد. سأقف على الحياد ساعياً إلى التوافق". كلام لا يُترجم في الواقع، لا لناحية ثقته بروح الشباب أو حتى تبنّيه سياسة الحياد، إذ أنه يدعم نائبه إيلي بعينو (60 عاماً) ليخلفه في رئاسة البلديّة.
يتنحّى نوفل عن المشهد البلدي مخلّفاً وراءه مشكلات عدّة لا يعترف بوجودها، يقول: "أورثتهم زوقاً جميلة، مفروشة حدائق عامّة، طرقاتها نظيفة ومعبّدة، مدرّجها يستقطب أهم الفنانين، مستوصفها أشبه بمستشفى، ناديها جاهزٌ لاستقبال أهم المباريات الدوليّة. لقد أنجزت قسطي، وأكثر، من المشاريع الاجتماعيّة والإنمائيّة".

لقد أورثتهم زوقاً جميلة مفروشة حدائق عامّة

لكن جولة في الزوق تشي بأن الزمن توقّف عند نوفل منذ حوالى العقد. فالواقع لا يوحي بأنه يتكلّم عن الزوق اليوم: طرقات قديمة، أرصفة مُهملة، حفر كبيرة، ليال مُظلمة بلا إنارة لها، طبيعة مُشوّهة، مبان مُخالفة وعشوائيّة، مدارس مُكتظّة، مجارير عائمة، آثار مطمورة، سوق فارغة، مدرّج مُقفل 11 شهراً في السنة، ملعب غير مُكتمل، نادٍ خاسر... وكل هذا غيض من فيض، ناهيك الدخان المتصاعد من مولّدات الكهرباء العشوائيّة ليشكل مع ذلك المنبعث من دواخين معمل توليد الطاقة الحراريّ سحابة قاتمة تخيم على البلدة.
أعضاء في المجلس البلدي يعزون هذا التدهور الإنمائي في البلدة إلى إصرار نوفل على إنجاز المدينة الرياضيّة التي حملت اسمه قبل انقضاء عهده، ما رتب كلفة باهظة على حساب صيانة البنى التحتيّة والأشغال في البلدة، وأُتبع باستقالات في اللجنة التي أنشئت لإدارة النادي الرياضي. وبحسب متابعين للملف، بلغت كلفة المدينة الرياضيّة 11 مليون دولار، وقد استملكت البلديّة 23 عقاراً لبنائها، وبذخت في تجهيزها. إذ بلغت كلفة الـscore board وحده 100 ألف دولار!

اتهامات ومخالفات بالجملة

نهج نوفل في إدارة البلديّة استثنائي. يجزم موظفون في البلديّة بأن ملفات كثيرة تعتريها شوائب ومخالفات، لكن أحداً في مجلسه لا يجرؤ على كشفها لتورّطهم فيها. فمرشّحه الحالي إيلي بعينو يحصل ــ من خلال شركة يملكها ــ على تعهدات أشغال لحساب البلديّة، ونائبه السابق والمرشّح في وجه بعينو وفيق طراد يشغّل الجزء الأكبر من المولّدات الكهربائية في البلدة.
وتشكو القائمقاميّة من غياب التواقيع عن كلّ القرارات البلديّة الصادرة من زوق مكايل، وأغلبها قرارت تزفيت طرقات، وبناء أقنية، وجدران دعم، ومساعدات اجتماعيّة، الكثير منها لجمعيّات خارج نطاق البلدة، في مخالفة واضحة للقانون. ومؤخراً أوقف المحافظ إصدار المساعدات لما اعتبره مالاً انتخابياً.
يقول متابعون للشأن البلدي إن نوفل كان متفرّداً بقراراته طيلة عهده، لا يجرؤ أي من أعضاء المجلس على مناقشته. ويؤكّد محازبون عونيون وقواتيون في الزوق أنه محام لمنشآت بحريّة مخالفة على الشاطئ الرملي التابع عقارياً لبلديّته، كما أنه محامي أفراد من عائلة الوزير الراحل جورج افرام وتربطه بهم علاقة وطيدة. إلا ان افرام ينكر ذلك جملة وتفصيلاً.
ولا تقف المخالفات عند هذا الحدّ، فهناك أولاً: التوظيف السياسي والمال الانتخابي كإعطاء بدل ساعات عمل إضافيّة لإداريين ليلاً، تعيين (إ.م.) يده اليمنى مسؤولاً عن الأشغال رغم بلوغه السن القانونيّة. ثانياً: أغلب نفقات البلديّة تصرف وفق نظام التجزئة بذريعة "الأسباب الطارئة"، علماً أن بعضها لا صفة عاجلة له كريّ الحدائق العامّة وتشجير المستديرات. ثالثاً غياب الفواتير وعروض الأسعار وكشوف تسلّم الأشغال وتقدير الكميّات المستعملة. رابعاً تحكّم الموظفيّن بشؤون البلديّة والغياب شبه الدائم لأعضاء المجلس البلدي. خامساً تلزيم أغلب الأشغال لشركة "عيروت" واستفادتها من كلّ معدّات البلديّة في تنفيذ الأعمال. سادساً رمي النفايات في وادي حنتوش، والقضاء على جسره الأثري بردميّات الكسّارات لتسهيل الوصول إلى أراضٍ يملكها نوفل، وشقّ طريقاً لها بقرار بلديّ. سابعاً استئجار 90 ألف متر مربّع في عين الريحانه من وقف بكركي وتحويلها إلى كسّارات. وغيرها...

في مملكة نوفل
أنا وضعت قانون البلديات وساهمت في إصداره فكيف لي أن أخالفه

ليس من السهل محاربة نوفل، كما يقول أعضاء في مجلسه. فهو رجل قانون، محنّك ومن الصعب الإيقاع به. أمّا هو فيؤكّد أن الاتهامات يسمعها للمرّة الأولى، وينكر علاقته بها: "أنا وضعت قانون البلديات وساهمت في إصداره، فكيف لي أن أخالفه. أنا رجل قانون. أنا أدرس الأخطاء قبل وقوعها لأتفاداها". يرفض اتهامه بالديكتاتورية والتفرّد، ويقول: "لا ألزم أحداً بالتوقيع على أي قرار".
يردّ على كلّ اتهام بجهله به، ويير الى مجموعة من الأوسمة المعلقة على جدران مكتبه. الزوق تعاني من إهمال؟ يردّ: "هذا الوسام حصلنا عليه من الأونيسكو". ماذا عن التلزيمات وأين عروض الأسعار والمناقصات؟ يجيب: "هذه جائزة أفضل مدينة عربيّة". ماذا عن ترهيب الناس واستملاك أراضيهم، وطمر النفايات في الوادي الأثري، وتحويل شرطة البلديّة حراساً لمنزلك، وتأجير مشاعات كسروان "بالرخص"... فيرد مقاطعاً: "هذه صورتي مع الرئيس، وهذه الزوق في عهدي".
يبدو أن "الريّس" يعيش على أطلال الماضي. يسكت قليلاً وينادي سكريترته: "ساندرا، جيبيلي كتاب صلاح سلمان". يبدو وكأنه حفظ الصفحة التي ورد اسمه فيها عن ظهر قلب، يفتح الكتاب ويقرأ: "الفضل الأكبر في تحضير وإصدار قانون البلديات يعود إلى رئيس بلدية زوق مكايل الأستاذ نهاد نوفل... هذه كتبها وزير الداخليّة صلاح سلمان في مذكّراته. ولمعلوماتك أنا لم أبدّل سيارتي منذ عشر سنوات، وبيتي متواضع وأعيش حياة طبيعيّة، كما أنني لا أسبح ولا أعرف أحداً من أصحاب المنشآت البحريّة".

أنا فؤاد شهاب الزوق!

نوفل دائماً مع السلطة الحاكمة، يحارب القويّ شعبياً عندما يستشعر اقتراباً من عرشه. حارب الكتائب في السبعينيات، والقوات في الثمانينيات، والعونيين طوال 25 عاماً، ولم يهتزّ من مكانه. في بدايات عهده كان على خلاف مع الرئيس فؤاد شهاب والمكتب الثاني، أمّا اليوم فيقول: "علاقتي جيّدة مع الجميع، وهذا يعود إيجابياً على بلدتي التي تستفيد من علاقاتي. لم يحاربني سوى فؤاد شهاب الذي كان يرسل المفتشين يومياً في أولى سنوات عهدي، ثمّ استسلم، لم يستطع هزمي أو فرط مجلسي كما هدّد"... يسكت قليلاً ويتابع: "لست ضعيفاً، هناك إجماع حولي، ومطالبات شعبيّة لأستمرّ في البلديّة، ولكنني طلبت من الزوقيين عدم التظاهر للمطالبة بي، والرضوخ لمشيئتي بعدم الترشّح"!
قبل أسابيع من انتهاء عهده، يجلس نوفل وحيداً بين كتبه والأوسمة والجوائز التي نالها. يشبّه نفسه بفؤاد شهاب: "هو مأسس إدارات ومؤسّسات الدولة اللبنانيّة، وأنا حوّلت زوق مكايل إلى مدينة نموذجيّة، وما زلت أعمل من أجلها. أنا أعرف جيّداً ما بنته يداي".
يدرك أنه ما زال قوياً، لا بل الأقوى، وأن خَلَفَه لا بدّ له أن يحصل على مباركته. يراهن على عدم إجراء الانتخابات في موعدها المقرّر. يترك كلّ الأطراف تسرح وتلعب. يعيش فترة اختبار النفوس قبل أن يقصّ أجنحتها ويبقى متربّعاً على عرشه.





انقلابات وتحالفات


في الصالونات تبرز النقمة على نهاد نوفل، أمّا في صناديق الاقتراع فتأتي النتيجة بالعكس. تعدُّ الزوق 4000 ناخب، يقترع منهم 2400؛ في الانتخابات الأخيرة نال نوفل 1600 صوت بتحالفه مع كلّ الأطراف والعائلات، وحصد التيّار العوني 800 صوت.
تتألّف حالياً لائحتان في زوق مكايل، الأولى برئاسة وفيق طراد (عضو حالي في المجلس البلدي، ونائب نوفل السابق) الذي يجاهر في جلساته الخاصّة بعلاقته الجيّدة مع الرابية ومؤخراً مع القوات، وإيلي بعينو (نائب نوفل الحالي) وهو مدعوم منه ويلقى استحسان البعض من عونيي الزوق.
تغيب في زوق مكايل الشخصيّة الشبابيّة الجديدة القادرة على مجابهة نوفل. الساحة محصورة برجال الأعمال: يُعتبر بعينو من أكبر رأسماليي البلدة، وكذلك طراد الذي يتميّز عن الأوّل بنجاحه في خلق حالة مؤيّدة له نظراً الى الخدمات الكثيرة التي يقدّمها.
يبقى التيار الوطنيّ الحرّ بيضة القبان في المعركة البلديّة. الأسبوع الماضي زار أعضاء من الهيئة المحليّة نوفل، وهم على تواصل مستمرّ مع طراد وبعينو. المفاوضات جاريّة، رغم وجود جوّ عونيّ محليّ لردّ الصاع صاعين لطراد الذي خذلهم في استحقاقات كثيرة، آخرها انتخابات 2010، عندما اختلفوا على الحصص فتركهم واصطفّ مع نوفل، ما جعلهم يخسرون أم المعارك البلديّة في كسروان. لكن في المقابل، التحالف مع نوفل مرٌّ ويناقض آمالهم بالتغيير. لا قرار عونياً رسمياً حتى الآن، الكلّ ينتظر موقف الرابية النهائي.