معطيات أساسية أسفرت عنها استعادة الجيش السوري وحلفائه لمدينة تدمر أخيراً:
ــــ أولها، فتح «الأفق العراقي» وإعادة ربط «الاتصال البري» بين أضلع محور المقاومة، من طهران إلى بيروت، والذي كان قطعه واحداً من أهم أهداف «الربيع السوري» منذ آذار 2011. عودة هذا الاتصال تستدعي، ليس الاكتفاء باستعادة السيطرة على معبر التنف الحدودي المرتبط بتدمر، بل وأيضاً معبر القائم المرتبط بدير الزور. قبل ذلك، هناك استحقاق سيعمل الجيش السوري وحلفاؤه على التعامل معه على وجه السرعة: السيطرة على بلدة القريتين في ريف حمص الجنوبي الشرقي، كونها الخاصرة الرخوة بعد استعادة تدمر، وأيضاً بسبب «البعد اللبناني» لهذه البلدة. إذ تؤكد مصادر عسكرية أن كل الاحداثيات الأمنية للشبكات الارهابية التي اكتشفت في شمال لبنان كانت مرتبطة بخط القريتين ــــ تدمر ــــ الرقة. وفي «البعد اللبناني» أيضاً، يضع استعادة القريتين استحقاق تطهير القلمون وجرود عرسال من الارهابيين «على النار».
ــــ ثانيها، انتهاء «سوريا المفيدة» التي نظّر لها الغرب طويلاً، وانتصار وجهة نظر دمشق بالحفاظ على «وحدة التراب السوري». وهي وجهة نظر تحظى بدعم ايراني ومصري، والأهم ــــ وللمفارقة ــــ أنها باتت اليوم تحظى بتأييد تركي(!). بعد هزّ العصا الكردية في وجه أنقرة، وتلاشي حلم «المنطقة الآمنة»، باتت وحدة الأراضي السورية مصلحة تركية. هذا، ايضاً، يسهّل الطريق نحو دير الزور، إلا إذا فرضت وقائع ميدانية جديدة استئناف معركة ريف حلب. علماً أن هناك تأكيدات بأن التحضير للمعركتين جار بالتوازي.
ــــ ثالثها، تأكيد روسيا التزامها السوري. بعدما هلّل كثيرون ونظّروا لاعلان موسكو تقليص قواتها في سوريا، حرص الرئيس فلاديمير بوتين على «تبنّي» تحرير تدمر والتأكيد على الدور المركزي لقواته في استعادة المدينة. وبعد التجاذب الايراني ـــ السوري ـــ الروسي حول توقيت وقف الاعمال القتالية، تمكّن حلفاء موسكو من تكييف أنفسهم مع الأجندة السياسية الروسية. وتأكّد للجميع ــــ وبينهم انقرة بالطبع ــــ أن بوتين «لعبها» بذكاء: اختار توقيت التدخل العسكري وتوقيت تقليص قواته، واستثمر التوقيتين في السياسة. أعاد صياغة الاولويات العسكرية فسحب السلاح الاستراتيجي الذي كانت له علاقة باحتمال تدحرج الحرب مع تركيا، وفرض على حلفائه الهدنة في عزّ تقدمهم في ريف حلب الشمالي، ما جعلهم يفقدون زمام المبادرة. لكنه، في الوقت نفسه، منع تدخلاً عسكرياً تركياً كان محتملاً في لحظة جنون، ونال «بركة» أميركية، ودولية، لدوره في الميدان السوري. رحب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون باستعادة الجيش السوري السيطرة على تدمر. وصفت واشنطن ذلك بـ«الأمر الجيد». وكتبت «لوموند» الفرنسية أن «السلطتين العراقية والسورية تتمتعان بالشرعية بالحد الأدنى، ويحتاج إليهما العالم اليوم في محاربة داعش».

زيارة داوود أوغلو الأخيرة لطهران «مختلفة كلياً إلى حد يمكن وصفه بالانقلاب»

بعد السعودية و«أخواتها»، تبدو تركيا المتضرر الأكبر وهي تراقب إعادة تشكيل المنطقة على وقع تنسيق روسي ــــ أميركي، وتسوية إيرانية ــــ أميركية، وتطورات ميدانية قلبت الموازين على الأرض السورية. بوتين لم يغفر لرجب طيب إردوغان إسقاط الطائرة الروسية بعد، وباراك أوباما لن يستقبله على هامش قمة الأمن النووي التي تستضيفها الولايات المتحدة حالياً. صحيفة «وول ستريت جورنال» أشارت الى توتر العلاقات بين الرئيسين الأميركي والتركي، لتضارب مواقفهما تجاه عدد من القضايا، أهمها تسوية الأزمة السورية. ليست واشنطن وموسكو غافلتين عن محورية تركيا في المنطقة واستحالة تجاوز دورها، لكنها رسائل الى أنقرة للانتظام في التسوية التي وضع بوتين وأوباما خطوطها العريضة. وهي رسائل بدأت أنقرة بالتقاطها، على ما يبدو. في الأسابيع الماضية غاب أي كلام عن الرئيس بشار الأسد وحتمية رحيله عن تصريحات المسؤولين الأتراك.
ترافق ذلك مع توجه رئيس الحكومة التركية أحمد داود أوغلو، في الخامس من الشهر الماضي، الى طهران، للمرة الأولى منذ تسلّمه منصبه. بدا مهندس سياسة «صفر مشكلات» سابقاً وكأنه اعتنق سياسة «تقليل خسائر». مطلعون على أجواء الزيارة يؤكدون أنها «مختلفة كلياً عن سياق العلاقات بين البلدين في السنوات الخمس الماضية الى حد يمكن وصفه بالانقلاب». يشير هؤلاء الى «معاناة حقيقية» للاقتصاد التركي ــــ عصب حكومة «العدالة والتنمية» التي قامت على تحالف الاسلاميين ورجال الأعمال ــــ مع انسحاب الشركات الروسية وتراجع واردات روسيا الزراعية وانخفاض العائدات السياحية وزيادة الأعمال الارهابية. أضف الى ذلك بروز «كابوس الكيان الكردي» على الحدود السورية مع تركيا. إزاء حجم هذه التحديات والمخاطر، أبدى داوود أوغلو، بحسب المطلعين، «استعداداً جدياً للتعاون مع طهران» من أجل رفع مستوى التبادل التجاري الى 30 مليار دولار، والعمل معاً لمنع قيام كيان كردي في تركيا وسوريا وايران... والالتزام بوحدة الأراضي السورية، والموافقة على الحل السياسي للأزمة المستمرة منذ خمسة أعوام. أما الموقف من مصير الأسد فـ«مغيّب» الى وقت آخر.
هل يعني ذلك بداية الاستدارة التركية في الموقف من الحرب على سوريا؟ بحسب المصادر، «الأجواء ايجابية، وإن كانت النيات لا تزال تحتاج الى ترجمة». لكنها تلفت الى أنه ليس في مقدور اردوغان «القتال» طويلاً على الجبهتين الروسية والأميركية. وربما عليه أن يقنع بالاكتفاء، في زيارته الأميركية الحالية، بمراسم افتتاح مسجد موّلت أنقرة تشييده في ولاية ماريلاند، بعدما كان يحلم بالصلاة، فاتحاً، في المسجد الأموي في دمشق.