منذ ان اعلنت السعودية وقف العمل بالهبة العسكرية عبر فرنسا، تجدد الكلام عن الجيش في شكل تصاعدي، في دوائر محلية وغربية، حول تركيبة المؤسسة العسكرية وادائها ودورها الداخلي وعلى الحدود.
واذا كان الكلام عن علاقة الجيش بحزب الله قديما عززته سابقا تلميحات حول الدور الذي يؤديه الحزب في التعاون الامني والعسكري مع المؤسسة العسكرية، الا انه بقي في اطار كلامي ولم يترك اي تأثيرات تذكر، وخصوصا في المحافل الاميركية والاوروبية. اذ ان الدول المعنية ظلت تتعامل مع المؤسسة العسكرية، وبصرف النظر عمن يترأسها على قاعدة انها المؤسسة الاولى في لبنان، وانها تحظى بدعم اميركي واوروبي متنام. لم يكن ذلك يعني يوما ان الاميركيين او الاوروبيين، وتحديدا الاجهزة الاستخبارية الاساسية التي تتمتع بفاعلية في دول اساسية مثل فرنسا والمانيا وبريطانيا، غافلة عن وضع حزب الله او دوره وتنسيقه الامني. لا بل ان الحرب السورية، وتصاعد خطر التنظيمات الارهابية كتنظيم الدولة الاسلامية وجبهة النصرة، ساهما في اعطاء الحزب صورة مختلفة لدى هذه الاجهزة، التي كانت تشيد بدور الحزب وادائه في سوريا واسلوب تعامله مع التنظيمين. وبالتالي لم تعد علاقة الجيش بالحزب مهما كانت نوعيتها تثير هذا النوع من الحساسية، او تتحول سلاحا يستخدم للتصويب على الجيش (الا في حالات الضرورة). وبقي هذا الموضوع مادة للاستخدام المحلي، وخصوصا في المرحلة التي كانت قوى 14 آذار تصوب فيها على الجيش.

صمت عون مرحلياً عوّضه جنبلاط الذي بدأ يهاجم الجيش منذ تعيين مدير جديد للمخابرات

في الاسابيع الاخيرة، وبعد وقف الهبة السعودية، صعّدت الرياض انتقاداتها للمؤسسة العسكرية، في شكل غير معهود. وبرغم ان زيارة الرئيس سعد الحريري الى وزارة الدفاع، جرت تحت عنوان ترطيب الاجواء والكلام عن استمرار الدعم للجيش، الا ان خطاب السعودية ظل على حاله، وعكس استمراره شكلا من اشكال الاستياء من اداء الجيش ككل، وان في ظاهره ظل مغطى بعلاقته بالحزب.
جاء كلام المستشار في مكتب وزير الدفاع السعودي الفريق اول احمد العسيري عن وقف الهبة السعودية لاحتمال وصول السلاح الى حزب الله، ووصفه الجيش بانه ضعيف امام حزب الله، ليؤكد الاسلوب الذي تريد السعودية فرضه في التعامل مع الجيش كواحد من المؤسسات التي لم تعد الرياض تنظر اليها بارتياح. وهو كلام اول من نوعه، ويترك اسئلة عن الاحتمالات التي سيتركها في الساحة اللبنانية في الاوساط الموالية للسعودية.
ولا يمكن التعامل مع الكلام السعودي على انه مجرد "فشة خلق"، لارتباطه بمسار اطلقته الرياض ضد حزب الله، فرديا او عبر مجلس التعاون الخليجي. لان هذا الكلام بدأ يجد صداه في بعض الاوساط الاميركية، ليضع الجيش بعيدا عن حزب الله في دائرة الاسئلة.
فالشهادات الاخيرة التي قدمت في الكونغرس الأميركي أمام اللجنة الفرعية للشؤون الخارجية حول الشرق الاوسط وشمال افريقيا تحدثت باسهاب عن ضعف الجيش وعن عدم ضبطه الحدود وتنسيقه مع حزب الله والدعوة الى مراجعة المساعدات الاميركية التي تعطى له. وهذا، كلام لم يقل في واشنطن منذ زمن طويل، ولو عبر شهادات باحثين في مراكز معروفة، واهميته انه قيل امام لجنة رسمية، وتضمّن حيثيات لها علاقة بوضع الجيش. وهذا من شأنه ان يعكس التباين بين المسعى الرسمي، الذي كانت واشنطن حتى الامد القريب تؤكده، لجهة استمرارها في حفظ الاستقرار الداخلي وابقاء مظلتها الامنية فوق لبنان، والمحاولات الساعية الى تقديم صورة جديدة عن الجيش في وقت دقيق وحساس محليا واقليميا، عبر لغة جديدة بدأ يجري التداول بها وهي تنذر بتصاعد الضغط قبل اي تطور في المواقف المعلنة.
المفارقة انه فيما كانت حدة الكلام تتصاعد ضد الجيش من السعودية وأوساط اميركية، كان الجيش يتلقى هبات ومساعدات بريطانية واميركية، ويحظى برسائل داعمة من البلدين عبر اجهزتهما الديبلوماسية والسياسية، لكن بحسب مصادر سياسية مطلعة فان نوعية هذه الهبات والمساعدات (حتى تلك التي وصلت كدفعة اولية من فرنسا)، لا تؤشر الى جدية او فاعلية في التعامل مع الجيش في الاونة الاخيرة. هناك صدى معنوي للمساعدات، اكثر مما هو عملي وعملاني. فالمساعدات التي يطغى عليها الطابع الاعلامي، بمثابة رسائل الى ايران، وابلاغها انه لا يمكنها في الوقت الضائع التي تنسحب فيه السعودية من لبنان ان تملأ الفراغ اللبناني، وان لبنان والجيش لا يزالان على الاقل حتى الساعة تحت المظلة الدولية، وان سقف هذه المظلة وحدودها ترسمهما المرحلة المقبلة. وابعد من ذلك لا يمكن الكلام عن تطور في المساعدات العسكرية وحداثتها. فالانسحاب السعودي امر ووضع لبنان في يد ايران بالكامل امر آخر.
وفي انتظار ان تتضح طبيعة المظلة الدولية وبقائها فعليا فوق الجيش، في هذه المرحلة، لا يمكن ايضا القفز فوق وضع الجيش داخليا. فسكوت رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون مرحليا، عوضه النائب وليد جنبلاط، الذي اعاد الجيش الى دائرة النقاش مرتين اخيرا، حين عين مدير المخابرات الجديد العميد كميل ضاهر، وبعد فتح ملف الانترنت غير الشرعي. وكلام جنبلاط لم يكن مرة سوى رأس الخيط، لما يعرفه بالتفاصيل ويتحفظ عن الافصاح عنه لضرورات صارت الى حد ما معروفة. وفي جميع الحالات، يفسح الكلام عن الجيش لبنانيا وغربيا مجددا باب الاسئلة والتكهنات عن التوقيت والاهداف، ابعد من التصويب على علاقته بحزب الله.