للأسبوع الثالث على التوالي، تعبق المدينة برائحة "الزبالة". الشاحنات التي تنقل النفايات المتراكمة الى مطمر الناعمة، تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء المتخذ الشهر الماضي، لا تخلّف روائح كريهة فحسب، بل تترك وراءها بعضاً من النفايات المتساقطة كأثر يرسم مسارها ويبثّ سمومه بين السيارات والناس.

أكثر من 60% من النفايات المتراكمة أزيلت منذ بدء تنفيذ الخطة في 19/3/2016، بحسب شركتي "سوكلين" و"سوكومي" اللتين عقدتا، أمس، مؤتمراً صحافياً في فندق المونرو. هدف المؤتمر، بحسب البيان الافتتاحي، هو "التعرّف إلى إنجازات سوكلين وسوكومي التي نرفض أن تسقط سهواً"، كذلك "عدم السماح باستمرار ثقافة الشائعات والاتهامات الباطلة التي ستؤثر سلباً على خدمتنا وعلى سمعتنا المهنية التي نبنيها منذ 23 سنة"... إلا أن الهدف الفعلي لم يكن مخفياً أبداً، فهذا المؤتمر يأتي قبل أربعة أيام من موعد مباشرة قاضي التحقيق الأول في بيروت غسان عويدات التحقيقات في ملف "سوكلين" وشقيقاتها. وذلك بعدما أحال النائب العام المالي القاضي علي ابراهيم في 25 شباط الماضي الملف، مدّعياً على "سوكلين" و"سوكومي"، إضافة الى الشركتين الاستشاريتين "لاسيكو" وD.G JONES SPARTNERS LTD وكل من يُظهره التحقيق من الموظفين بجرائم منصوص عليها في قانون العقوبات تتعلّق باختلاس الوظيفة واستثمارها. (http://al-akhbar.com/node/253383).
هل يهدف المؤتمر إذاً الى "تبييض" صورة الشركتين عشية مباشرة التحقيقات؟ "إن مسألة القضاء ليست الأولوية الأولى التي دفعتنا الى عقد هذا المؤتمر"، يُجيب رئيس وحدة إدارة المخاطر في "سوكلين" أنطوني قربان في حديثه إلى "الأخبار"، مُشيراً الى أن الهدف الأساسي يكمن في "إطلاع الناس على المُستجدات كلما دعت الحاجة"، مُضيفاً: "نحن قلنا من أول يوم، اننا تحت القانون ونحن بتصرف ما تتطلبه التحقيقات وما عنا شي مخبى".
تراهن الشركة على اعادة ترميم صورتها المهشّمة بسبب الفساد الطاغي على ادارة النفايات. وهي تراهن أيضاً على اصدار صك براءة من القضاء، بعدما نجحت في فرضها نفسها حلاً وحيداً لمشكلة تراكم النفايات. تقول الشركتان (سوكلين وسوكومي) انهما ازالتا أكثر من 275 ألف طن من أصل كمية مُقدّرة بـ 400 ألف طن موجودة في الشوارع والمكبات العشوائية، وتتوقع "الانتهاء من رفع النفايات المتبقية ضمن المهلة التي نصّت عليها الخطة الحكومية في حال استمرار العمل بطريقة طبيعية". تحاول الشركتان الظهور بمظهر المنقذ جدّياً! يقول قربان إن الشركة أنهت تجهيز أرضية المكب المؤقت في برج حمّود منذ أيام، مُشيراً الى انه سيجري نقل النفايات اليها خلال الأيام المقبلة، على غرار ما يحصل في منطقة "الكوستا برافا". ولكن هناك شكوك حول كيفية تجهيز الأرضية وركن النفايات، يعلّق قربان هنا: "نعمل ضمن مواصفات فنية بشكل دقيق، كل النفايات التي تم توضيبها هي نفايات خارجة من معامل الكرنتينا والعمروسية خضعت للفرز والتوضيب". ويُضيف قربان أن عمل الشركة يقتصر على تجهيز أرضية المراكز المؤقتة، لافتاً الى أن الشركة لم تطّلع بعد على شروط إطلاق المناقصات لتجهيز المطمرين في الكوستا برافا وبرج حمود. وبحسب قرار مجلس الوزراء الصادر في 12/3/2016، فإن أمام مجلس الإنماء والإعمار 5 أسابيع لإعداد المناقصات اللازمة في هذا الصدد، وقد مضى حتى الآن 3 أسابيع و4 أيام من دون ان يصدر شيء في هذا الشأن!
هل سيتم انجاز الخطة في الوقت المحدد؟ يلفت قربان الى أن من بين 140 موقعاً أمّنتها البلديات لركن النفايات بشكل مؤقت، تمت إزالة النفايات من 45 موقعاً. ويُضيف: "تقوم الشركة حالياً بنقل وتوضيب 2500 طن يومياً من النفايات الحديثة من أصل 3000 طن".
ماذا عن الروائح المنتشرة؟ أليس من مسؤولية سوكلين الحرص على التغليف والنقل؟ يجيب قربان بأن هناك نوعين من النفايات تلك التي تخرج من معامل الفرز وهي "تخرج موضبة ومغلفة" والنفايات التي تتحمل مسؤولية توضيبها البلديات. ويقول ان الشركة تتأكد من كيفية تغطيتها وغيرها. ولكن هناك الكثير من الشاحنات التي لا تلتزم، يجيب نحن في ظل أزمة وهناك أكثر من 600 شاحنة تعمل "نحن نحرص على ان يلتزم المتعهدون بالشروط".

أكثر من 60% من النفايات المتراكمة أزيلت منذ بدء تنفيذ الخطة

يقر قربان بأن المؤتمر يأتي رداً على حملات "التشكيك" التي طاولت الشركة أخيراً، كيف لكم أن تُعيدوا الثقة الى الناس وأنتم متهمون بقرار قضائي بعدم الالتزام بالعقود وبتقاضي اموال لقاء اعمال لم تُنفّذ؟ يُصر قربان على القول إنّ الشركة نفّذت كل العقود 100%، مكرراً ما دأبت الشركة على الترويج له بأن المسؤولية في عدم تنفيذ بعض الأعمال (المعالجة وفقاً للعقد) تتصل بعدم تأمين الدولة المساحات الكافية، ومُشيراً الى أن الشركة كانت تتقاضى التكاليف حسب الأوزان المحددة للنفايات التي كانت تقوم بفرزها وبالتالي معالجتها.
في المقابل، كانت بعض مجموعات الحراك الشعبي؛ من ضمنها: حملة "بدنا نحاسب"، "إقفال مطمر الناعمة"، "خلية أزمة الشويفات"، "الحراك المدني الديموقراطي"، "الشعب يريد إصلاح النظام" و"حقوقيون ضدّ الفساد"، تدعو الى المُشاركة في الاعتصام أمام قصر العدل لمواكبة جلسة التحقيق يوم الاثنين. يقول الناشط في "بدنا نحاسب" علي حمود لـ"الأخبار"، ان الهدف هو "الضغط على القضاء والدعوة الى عدم إهمال الملف وتمييعه". وأصدرت المجموعات بياناً أشارت فيه الى أن "سوكلين هي شريكة أساسية في الفساد"، لافتةً الى أن ما تقاضته الشركة خلال 20 عاماً يفوق المليار و300 مليون دولار عبر عقود باطلة". ورأت المجموعات أن قرار القاضي ابراهيم "تصدى لمرحلة معينة وقصيرة من عقد سوكلين بناءً على ادعاء محدد ولم يتناول كل مرحلة سوكلين، وهذا ما يتطلب مراجعة مالية وقضائية لكل ملف سوكلين لأن الفساد والسرقة للمال العام كبيران جداً"، مُطالبة النيابة العامة المالية بتكليف لجنة تحقيق مالية لكل عقود وملفات سوكلين.
وأوضح وائل عبدالله من "مجموعة بدنا نحاسب" ان المدعي العام المالي ادعى على شركات سوكلين وسوكومي وD.G Jones ولاسيكو، بالاستناد إلى المعاينة الشخصية وتقارير لجنة خبراء وإلى التحقيقات والاستماعات حتى كون قناعة حول ارتكابات جرمية ارتكبتها الشركات مجتمعة وكل شركة على حدة وفصلها في حيثية الادعاء كالآتي: "التلاعب بكميات النفايات المنقولة بمعنى تسجيل أوزان أكثر من المنقولة، قبض مبالغ مالية عن معالجة النفايات لم تتم مع قبض تكاليف طمر الكميات نفسها مرتين، محاولة قبض مبالغ عن طمر صحي في مطمر بصاليم، فيما لم يستعمل المطمر سوى للردميات الصلبة، استعمال مكب بصاليم كمكب للأطنان الزائدة غير المعالجة مع قبض تكاليف على أساس الطمر الصحي، عدم تنفيذ طريق الناعمة ــ عين درافيل ــ بعورتة وفقاً للعقد لناحية إنشاء شبكة المياه وقنوات الصرف وقبض قيمة تلك الأعمال غير المنفذة، عدم صيانة الآليات المعطاة من الإدارة وتركها تتحول الى خردة، وعدم القيام بالرقابة المطلوبة على الأعمال. هذا ما شكل الفعل الجرمي المنصوص عليه في المادة 363 عقوبات الغش في أموال الدولة والفعل الجرمي المنصوص عليه في المادة 359 اختلاس أموال عامة".
وأشارت نعمت بدر الدين باسم المجتمعين من مجموعات الحراك، الى "ان الشعب اللبناني سدد طوال أكثر من عقدين لسوكلين قيمة فواتير من دون مسوغ قانوني، طالما لم يكن هناك عقد بينها وبين أي بلدية لبنانية، ورغم ان قرار ديوان المحاسبة اعتبر العقود باطلة بطلاناً مطلقاً (...) ولم تجر أي مناقصة جديدة تكون فرصة لمراجعة الأسعار وتوفير المال العام، فاستفحلت الشركة في رفع الأسعار حتى وصلت الى ضعف المعدلات العالمية للخدمة نفسها. ومددت عقودها بأشكال مختلفة ملتوية مستفيدة من تبادل خدمات مع أغلب القوى السياسية في مجلس الوزراء".