لا يمكن للجلسة مع سمير فرنجية وفارس سعيد إلا أن تذكّر بأن الثنائي، منذ ما قبل "قرنة شهوان" وما بعدها، مفطوران على النقاش والحوار في كل ملفات الداخل والوضع الاقليمي. تطرح الحوارات الداخلية نفسها في زمن ثنائية العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع، وتعيد الحوار رفضاً أو تأييداً إلى كل المشاهد المارونية مهما كانت عناوينها. ثمة مكان دائم للنقاش وتبادل الافكار حول دور الموارنة والاسلام المعتدل والاصوليات التي تجتاح أوروبا، ولو كان محدّثو الرجلين يخالفونهما الرأي أو يطلبون منهما حلولاً عملية لا البقاء في الاطار النظري والبيانات والوثائق.
في وقت تشهد فيه الساحة المسيحية تأطيراً أكثر للمصالحات الداخلية على قاعدة المطالبة باستعادة الحقوق المسيحية، تضع هذه القراءة وضع الموارنة ولبنان على محك الاستحقاقات الاقليمية والدولية، بما تعتبره أبعد وأهم من الانتخابات البلدية وقانون الانتخاب وحتى رئاسة الجمهورية:
المرحلة الاقليمية الحالية تشهد لحظة مصيرية من أهم اللحظات التي يعيشها الموارنة منذ أنشئت دولة لبنان الكبير. لكن بقدر ما أعطي للموارنة حينها بطريرك اسمه الياس الحويك طالب بضم الاقضية الاطراف الى جبل لبنان وتأسيس تلك الدولة، يبدو الموارنة اليوم أمام معضلة إيجاد دور وهوية لهم في بلد تتجاذبه المشكلات الداخلية والاستحقاقات الاقليمية الداهمة. التحدي اليوم يتعدى الاستحقاق الرئاسي، ولا ينحصر في اتفاق مسيحي بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية على انتخابات بلدية أو جلسة التشريع، أو حتى على اسم رئيس الجمهورية، لأن الطرفين لا يقرران رئاسة الجمهورية، بحسب فرنجية، فاسم الرئيس الجديد يفرزه الشهران المقبلان والتسويات التي ستطرح لسوريا والمنطقة، ولا يقرره الافرقاء المحليون ولا عون ولا جعجع أو غيرهما.
يطرح الاتفاق المسيحي الاخير سؤالاً أساسياً: في وجه من هذا الاتفاق؟ ألن يقابل تشكيل قوة مسيحية ثنائية باستنفار مقابل من الطوائف الاخرى؟ وهل الهدف منه فقط تحسين الحصص المسيحية والاكتفاء بتقاسم الحصص مع الاطراف الآخرين؟ أم الهدف إعادة تفعيل دور الموارنة والمسيحيين في منطقة تتصاعد فيها الاصوليات، ويحاول السنّة المعتدلون مواجهة هذا الخطر وإثبات دورهم في الصراع الدولي ضد الاصوليات، وتسعى إيران الى تظهير دورها في الشرق الاوسط أمام الغرب على أنها الاسلام الحضاري، فيما سلاح حزب الله يتحكم في الداخل اللبناني ويحارب في سوريا.

هل يكتفي الموارنة اليوم بزيارات إيران وسوريا وبراد والسعودية؟

كل هذه الاسئلة تعيد النقاش الى المحور الاساسي، هل المطلوب اليوم نقاش فكري أم تحرك عملاني؟
لا يمكن لمن أسّس قرنة شهوان والبريستول وسيدة الجبل وغيرها الكثير، الاكتفاء بالنقاش، إذ لولا كل هذه التحركات التي تمت في غياب القادة الموارنة، لما كان هؤلاء عادوا الى مقدم الساحة السياسية، ولما كانوا أسّسوا كتلاً نيابية، لم نسمع منذ عام 2005 وحتى اليوم أنها اجتمعت وناقشت وقررت، وضمت نواباً لم نسمع أنهم قدموا اقتراح قانون الى مجلس نواب يمكن الاعتداد به. قد يكون خطأ 14 آذار، بحسب مراجعة مؤسّسيها، أنها بقيت أسيرة ردّ الفعل، ولم تقم بأي مبادرة، فيما المطلوب اليوم مبادرة فعلية تحمل مشروعاً وطنياً يتعلق بلبنان ويكون الموارنة جزءاً منها، علماً بأن الحالة الداخلية للموارنة لا تحتمل الاكتفاء بالتفرج على المصالحة الثنائية، من دون أن يكون الهدف تقديم تجربة جديدة حقيقية عن الدور الماروني وسط التقاطعات الاقليمية وتصاعد الموجات الاصولية ومحاولة لعب دور بين الاسلام المعتدل والغرب. فالمصالحة تمت، لكن الجميع في أزمة. إذا افترضنا أن الهدف هو تحسين وضع الداخل، فلا عون وجعجع وصلا الى نتيجة إيجابية على صعيد الرئاسة، ولا الوضع الداخلي انفرج بدليل مسلسل الاهتراءات المتتالي، ولا عودة الرئيس سعد الحريري بدّلت شيئاً أو غيّرت أيّ معطى، ولا حزب الله حالياً في وضع يسمح له بأن يقول إنه يتميز عن غيره أو هو في مركز الرابح، بسبب تورطه في سوريا. إذاً تتساوى جميع القوى حالياً بنسب الخسارة، ولا يمكن وفق ذلك الانتقال من هذه الازمة إلا بمحاولة تقديم مشروع ومبادرة يتعلقان بلبنان ودور القوى السياسية والطائفية فيه، ومنهم الموارنة.
هذا الإطار، يفترض بحسب سعيد التمسك باتفاق الطائف الذي يرعى حقوق جميع المواطنين، وأي مغامرة جديدة ستحول الموارنة من شريك الى ملحق. لا يزال الطائف هو السقف الذي يجب العمل من ضمنه، رغم الثغرات في تطبيقه، إلا أن محاولة تصوير الامور اليوم على أساس الصلاحيات في أجهزة والفساد الطائفي في بعض المؤسسات، لا يمكن أن تكون مفيدة، لأن الفساد موجود في كل المفاصل ويجب فتح ملفاتها كلها.
أما الثابتة الثانية فإعادة تفعيل علاقات الموارنة مع الغرب. هل يمكن الحريري أن يكون في موسكو وباريس ويذهب الرئيس فؤاد السنيورة الى واشنطن ونيويورك، فيما لا نشهد لقاءً واحداً للقادة الموارنة مع أي مسؤول دولي ولا زيارات على مستوى رفيع في أي دولة غربية؟ هل نكتفي بزيارات إيران وسوريا وبراد والسعودية فحسب؟
للموارنة اليوم ثلاثة وجوه، يمكن الاطلالة منها على العالم الغربي؛ الكنيسة حيث لها بحكم الامر الواقع وأبرشياتها علاقات دائمة مع المجتمع الغربي، لكن مشكلة الكنيسة حالياً أنها ليست فاعلة ولا تحمل مشروعاً. المركز الثاني هو قيادة الجيش التي تقدم مشروع مكافحة الارهاب، وهو العنوان الذي يغري الغرب ويجعل منه مقبولاً غربياً. وحاكمية مصرف لبنان التي تعمل أيضاً وفق المعايير الاميركية أخيراً في مكافحة الارهاب، وهو ما سيميّزها أيضاً في الخارج. لكن هذه المواقع لا يمكن التعامل معها إلا على أساس مشروع لبناني يحمل عناوين واضحة تتعلق بحق باللبنانيين جميعاً لا طائفة معينة، وبحق الشراكة، والأهم أنه يمكن أن يشكل عنواناً ورافعة أمام العالم الغربي الذي يواجه أخطاراً سبق أن واجهها لبنان.