سيكون على قارئ «بوصلة» (2015 ــ أكت سود) لماتياس إينار (1972) وهو يعبر سطور هذا النص الجديد، استعادة فكرة الانتقال بين الأمكنة والثقافات والمناخات المُحيطة بها مقارنة بما قرأه في النتاج السردي السابق لهذا الكاتب الفرنسي الجنسية والشرقي الهوى. من هنا، يبدو الكاتب منتمياً إلى تلك الفئة النادرة من الروائيين الذين تخلوا عن فكرة «الشرق» وصورته المعمّمة في الجهة الغربية من العالم، وطُبعت في خيالهم على هيئة شديدة العُتمة. لم ينجح إينار في عثوره على الجهة المُنيرة في صورة ذلك الشرق إلا بعدما مارس حياة أتت على شكل مجموعة من الأسفار والإقامات في تلك الجهة التي أتقن لغة أهلها، فصار لسانه على شكل جسر وحلقة وصل في محاولة لردم الهوة المُخيفة التي فصلت بين الجهتين.

لن تكون «بوصلة» في هذا السياق إلا عملية يستكمل فيها هذا الكاتب الذي أمضى وقتاً من عُمره في دراسة اللغتين الفارسية والعربية، السير على نحو معاكس لخطوات مستشرقين كُثر لم يتمكنوا من مغادرة الجهة السوداء من صورة الشرق في ذاكرتهم. سيحضر مفهوم الانتقال بقوة في عمله «زون» (2008 ــ أكت سود) وهو يسرد مصادفة نسيان أحدهم موعد سفره على طائرة كانت ستقلّه من ميلانو إلى روما. عندها، يضطر لأخذ خيار القطار الذي ستبدو نافذته أثناء سفره على هيئة ممرّ يمكّنه من الدخول إلى تاريخ طويل بين ضفتي المتوسط عابراً بنوع من التفصيل لمجازر وحروب كثيرة من البلقان إلى الجزائر إلى الحرب الأهلية اللبنانية ومحارق اليهود والأرمن، إضافة إلى ما حصل في البوسنة والهرسك مع عدم نسيان فلسطين ثم العراق. سيظهر إينار في عمله «شارع اللصوص» (2012 ــ أكت سود) حاملاً لحكاية «خضر» المغربي المنتمي إلى مدينة طنجة وهو المُحاط بالخيانات وأشكال شتى من الفقد والمهزوم في قلبه نتيجة حبّ لم يكتمل. من هنا، تأتي رغبته الدائمة في الترحال وترك الأمكنة التي يصلها بحثاً عن شفاء باتجاه الغرب أو على حافة البحر.
على العكس من فتى طنجة، سيأتي راوي «بوصلة» متخذاً وجهة الشرق خطاً يمكن السير عليه في خياله، علّه يجد في تذكر ما كان له في تلك الجهة الشرقية من العالم وسيلةً للإفلات من حالة الأرق التي تطارده. من هنا، سندخل حياة العالم والباحث في الموسيقى الشرقية فرانز ريتر. نراه داخل غرفته في مدينة فيينا وهو يتأمل تذكارات حملها من بلدان الشرق. سيكون هذا دافعاً لرواية ما حدث له هناك برفقة سارة ورسائلها، عشيقته المستشرقة والباحثة عن عناصر الأصالة وجانب الجمال المخفي في داخل ذلك الشرق. وسوف يتم كشفها عبر محاورات ممتدة طوال رحلة السرد بينهما، لكن مع بقاء العاشقة «بوصلة» الحكاية كلّها وتأكيد ميلها لفكرة عدم تحمّل بعض المستشرقين لحالة سوء التفاهم التي حصلت نتيجة هيمنة المُستعمر وطغيانه. ومن أجل تبديد تلك الحالة القاتمة، لا يمكن تناسي رائحة موسيقى الشرق التي احتلت العمل، خصوصاً أنّ «الموسيقى تعبير عن معاناة العالم». سيكون ذلك الحضور اللحني مدعوماً بأسماء كبيرة لأركان الموسيقى الغربية مع اجتهاد لتبيان العلاقة التي تربطها مع أصولها الشرقية حيث الأشياء الهجينة تكون دوماً أساساً لأي عبقرية. هو رد اعتبار صريح لذلك الشرق، كي يظهر على عكس الصورة المشوهة الحاضرة في العقل الغربي. كما ستتوالى الأسماء والاستشهادات التاريخية على نحو متتابع مثل نهر طوال السرد المتنقل بين طهران ودمشق والهند وغيرها من دون استعراض من جهة إينار، بل جاءت مدعومة بسياق منطقي فرض حضورها وجعلها مهيأة لتكون قادرة على توضيح صورة الشرق الغائبة. من هنا تبدو «بوصلة» رسالة مكتوبة بعشق غامر، وتأكيد على فكرة ماتياس إينار الأساسية في مجمل اشتغالاته السردية الباحثة عن عناصر الحياة المُشتركة بين سكان العالم على اختلاف ثقافاتهم بما يتيح إمكانية العودة إلى روح الاندماج والعمل على أرضية إنسانية مُشتركة من دون غرور أو استعلاء من جهة طرف على الآخر. لكن لا بد من «بوصلة» كي لا تضيع الخطوات أثناء بحثها ومحاولة عثورها على تلك الروح مجدداً.