سألت نفسي وأنا أنظر إلى العدّاء الذي جاوزني:

ـــ كيف ألحق به فأسبقه؟ إنه لا يسكن حارتنا، ولكن لأي سبب يجري هؤلاء الناس؟
كان العداء قد لحق بآخر قرب محطة بنزين. توقفا لحظة ليتنفسا الصعداء، لأنهما أرهقا نفسيهما كثيراً. ينبغي لهما أن يستردا بعض القوة.

هذا نوع من ألاعيب العدائين. ثم استأنفا العدو.
أسأل نفسي مرة أخرى:
ـــ أيعدوان لأجل غرض ما؟ حتى يصلا في الوقت المحدد لبسط الموائد. هي إذاً مأدبة أو صدقة يهبها غني من أغنياء المدينة للناس حتى يشيع بينهم أنه كريم لا يحفل بالمال. ماذا لو لحقت بهما، وبالآخرين الذين يجهدون أجسادهم، ثم تبين لي أنها مزحة أطلقها عابر سبيل. سيعيرني معارفي قائلين: ها هو أشعب الذي ضحك عليه العداؤون.
مرّ بي ثالث يمرق كالسهم. صرخت فيه:
ـــ تريث يا أخي قليلاً لأسألك.
لم يكترث لي. سيلحق بهما. يستطيع تجاوز أي عداء فهو مفتول العضلات، قوي البنية. أبصرت ذلك لأنه كان يرتدي صدرية بيضاء شفافة، كشفت عن ساعديه وكتفيه وأعلى صدره. لا أكتم سراً إذا قلت إنني شممت رائحة عرقه. أوف... كانت رائحة مقرفه جداً. لا بأس، فهذا يعني أنه بذل مجهوداً عظيماً في العدو.
عداء يدنو مني.
ـــ وأنت، أيها العداء تريث قليلاً لأسألك؟
توقف وكأنه رق لحالي. يبدو طيب القلب.
ـــ أخي، لماذا تجرون؟
ـــ أنا أجهل ما الذي دعاني إلى الجري. كنت جالساً في مقهى الليل والنهار أحتسي قهوة سوداء، وأنا لا أدري لماذا أفضّل شرب القهوة السوداء. كنت مشغولاً بفكرة البحث عن عمل حتى أستطيع إطعام أمي وخطيبتي، فإذا بأولئك الذين سبقوني يمرون بي وهم يلهثون. فقلت في نفسي إنهم ولا شك يجرون لأجل نيل شيء. لن أخسر شيئاً، فلأتوكل على الله. وأنت، أدعوك إلى قبول دعوتي وصداقتي، فلنجرِ معاً.
وهكذا عدونا جنباً إلى جنب. لا أحد منا يضمر الشر لصاحبه. لحقنا بأصدقائنا العدائين. كنا جميعاً متعبين، ولهذا عدونا صفاً مرصوصاً حتى ولجنا بوابة مصطنعة، فإذا بنا لاهثين في ساحة واسعة تتخللها أشجار وقامات آدمية.
بهتنا جميعاً لما قرأنا لافتة كتب عليها: «مستشفى الأمراض العصرية للعدائين».

* كاتب مغربي