فَكّ الجيش السوري أمس واحداً من أطول حصارات الحرب السوريّة، وأطولها على الإطلاق بالنسبة إلى موقعٍ عسكري. وعلى الرغم من أنّ فك الحصار عن مطار كويرس العسكري جاءَ أشبهَ بموعدٍ مؤجّل ضربَه الجيش منذ أواخر أيلول الماضي («الأخبار»، العدد 2700) غيرَ أنّ لنجاح العمليّة نتائجَ متوخّاةً تتجاوز الأثر النّفسي الذي يبدو أوّل الانعكاسات المباشرة وأوضحَها.


المقارنة بين تحرير كويرس، وبين عملية مشابهة أفضَت قبل عامين إلى فك حصار سجن حلب المركزي (أيار 2014) تفرضُ نفسها، لا بسبب ضراوة الحصارين فحسب، بل قياساً بما يشكّله كلّ من النجاحين من حالةٍ مفصليّة في الخريطة العسكرية للريف الحلبي. وكما كان سجن حلب مفتاحاً لمرحلةٍ جديدة («الأخبار»، العدد 2299) يبدو كويرس مؤهّلاً لتكرار السيناريو، وبمفاعيل أشدّ وضوحاً. وعلاوةً على زوال الخطر الذي كان يتهدّد قرابة ألف عسكري سوري يتوزعون على المطار، والكليّة الجويّة، فمن المؤكّد أن فكّ الحصار الذي استمرّ قرابة ثلاث سنوات سيكونُ نقطةَ وصلٍ بين مرحلتين. ومنَ المُسلّم به أنّ المطار في طريقه ليصبحَ إحدى أشدّ القواعد العسكريّة فاعليةً في المرحلة القادمة، لا بوصفه مطاراً فحسب، بل باعتباره نقطة تحشيدٍ ومنطلقاً لتوسيع العمليات العسكريّة شمالاً، وشرقاً. وإذا كانَت إعادةُ تفعيل المطار للاستخدام الجوي أمراً محكوماً بعوامل عدّة، مثل الجاهزيّة الفنيّة، وتأمين المحيط تأميناً عالياً، فإنّ الأمر مختلفٌ في ما يخصّ الاستخدام في العمليّات العسكريّة البريّة. عمليّات الجيش السوري نحو كويرس كانت قد انطلقت من مدينة السفيرة وصولاً إلى قرية رسم العبود (شرق المطار)، التي وفّرت مساحة أمان إضافيّة حول المطار. ووفقاً لمصادر «الإعلام الحربي» فقد بلغت المساحة الإجمالية لعمليات الجيش في الريف الشرقي لحلب «نحو 107 كلم مربع، حيث اخترقت قوات الجيش مسافة 23 كيلومتراً بعرض يراوح بين 3 إلى 5 كليومترات، كذلك تمكنت من السيطرة على 3 قرى في الطريق لفك الحصار عن المطار». أمّا الترجمةُ الميدانيّة لهذه المعطيات فتعني توفير مساحة اتصال آمنة ما بين التمركزات الرئيسة للجيش السوري وحلفائه في السفيرة، ومعامل الدفاع في الواحة من جهة، وبين الكليّة الجويّة (كويرس) من جهة أخرى. ومن المُنتظر أنْ تشكّل هاتان النقطتان، إضافة إلى مطار النيرب العسكري (الملاصق لمطار حلب الدولي، جنوب شرق حلب) مثلث عمليّات عسكرية ضخماً، يضعُ في حسبانه في مراحل قادمة أبرز معاقل تنظيم «الدولة الإسلاميّة» في ريف حلب الشرقي وهي مدينة الباب. وتشكل الأخيرة هدفاً يقتضي انطلاق العمليّات البريّة نحوَه شنّ عمليتين متزامنتين: تنطلق الأولى من الجنوب، وتُعتبر دير حافر محطّة حتميّة لها، فيما تأخذ الثانيةُ شكل سهمٍ منطلق من الشيخ نجّار (شمال شرق حلب) نحو الشمال الشرقي. وبحساب الزمن، فليس من المتوقّع أن يدّخر الجيش وحلفاؤه وقتاً قبلَ توسيع المعارك نحو كلّ من دير حافر، ومسكَنة (أقصى ريف حلب الشرقي) وصولاً إلى بحيرة الأسد، وهو ما بدأ الطيرانُ الروسيّ التمهيد له بالفعل عبر استهداف دير حافر بغاراتٍ عدّة. كذلك، تُشكّل السيطرة على المحطّة الحرارية (منطقة السفيرة) هدفاً لا بدّ منه لعمليات الجيش في المنطقة، إذ باتت المحطّة (التي تضرّرت بشكل كبير من جرّاء المعارك) أبرز عناوين سيطرة «داعش» في المسافة الممتدّة بين السفيرة وكويرس. وبدا لافتاً أنّ كواليس التنظيم المتطرّف قد عكست أمس ردودَ فعلٍ متضاربةً راوحت بين التشاؤم والاعتراف بالهزيمة، وبين محاولة التقليل من شأنها، وصولاً إلى حد التلويح بأنّ «ضربة واحدة من الدولة في السفيرة وتل نعام ستجعل كل من ذهب ليفك الحصار عن كويرس محاصراً».


ليس من المتوقّع
أن يدّخر الجيش وقتاً قبل توسيع المعارك

وليسَ من المُستبعد أن يسعى التنظيم إلى شن هجومٍ خاطفٍ سريعٍ يحاول فيه التعويض عن الهزيمة التي مُني بها، في محاولةٍ لتكرار سيناريو الهجوم الذي استهدفَ طريق خناصر – أثريا قبل نحو أسبوعين. وفي ظل التكتيك الإعلامي الذي ينتهجه التنظيم منذ أكثر من سبعة أشهر، والقائم على تحاشي الخوض في أي حديثٍ يتعلّق بجبهات مفتوحة، امتنعت مصادر عدّة مرتبطة بالتنظيم تواصلت معها «الأخبار» عن الإدلاء بأي تعليق على المستجدّات. وهو أمرٌ يعني بطبيعة الحال أنّ «معركة كويرس لم تنتهِ» من وجهة نظر «داعش». وعلى الرّغم من أنّ عمليات الجيش السوري في الريف الجنوبي الغربي لحلب تستهدفُ أعداءً آخرين غير «داعش»، فمن الواضح أن المخطّط العسكري يتعامل مع الريف الجنوبي برمّته بوصفه جبهةً واحدةً ذات مسارين: شرقي وغربي. وتأسيساً على ذلك، يبدو الجيش مصرّاً على استكمال إنجاز أمس بآخر يستهدفُ مثلّث «الحاضر، الزربة، إيكاردا». وإذا ما أفلحت العمليات في التقدّم بشكل متزامن على جبهتي دير حافر شرقاً، والحاضر غرباً، فمن المُرجّح أن تتزامن الانعطافة نحو الباب على الجبهة الشرقيّة بأخرى نحو خان العسل وأورم الكبرى على الجبهة الغربيّة.

الشمال ينتظر الساعة الصفر

على نحوٍ مماثل، تبدو قوّات الجيش وحلفاؤه في الريف الشمالي متأهبّةً في انتظار الساعة الصفر لشن عمليات متعدّدة المسارات والأهداف. ومن المرجّح أن يجري التعامل مع الشمال بطريقة مماثلة لما يحدث في الجنوب، لنكونَ بذلك أمامَ جبهةٍ واحدةٍ ذات مسارين: شرقيّ ينطلقُ نحو الباب، وغربيّ على رأس أولويّاته فك الحصار عن نبّل والزهراء. أمّا أبرز الاختلافات بين المنحيين الشمالي الشرقي، والشمالي الغربي فيتمثّل بسيطرة الجيش على نقاط متقدمّة في الشمال الغربي أبرزُها باشكوي. وإذا بدأت العمليات على هذا المسار بفكّ الحصار عن نبّل والزهراء فذلك يعني أن العمليات في الشمال الغربي ستنطلقُ من البعيد نحو القريب في محاولةٍ لتطويق حيّان، حريتان، ووصولاً إلى كفر حمرة. ولا يعني هذا بطبيعة الحال أنّ نجاح العملياتِ أمرٌ حتميّ، في ظلّ وجود مجموعاتٍ مسلّحة مُعارضة تمرّست بالقتال، على رأسها «جبهة النصرة»، و«حركة نور الدين زنكي». ومن المُرجّح أن المجموعات لن تكتفي بالدفاع في حال انتهاج العمليات هذا المسار، بل ستسعى إلى القيام بهجمات معاكسة نحو الأحياء الغربية لمدينة حلب عبر محور بلليرمون.