لم يعد ذكر اسم "بيروت" في عناوين الأحداث الأمنية كافياً، في بعض التغطيات الغربية، تماماً كما لم يعد هول الكارثة الإنسانية هو الأساس في تلك التغطيات. أيّ بيروت هي؟ المسيحية أم السنّية أم الشيعية؟ يصرّ بعض الصحافيين على التحديد لحظة وقوع الحدث. ٤٠ «قتيلاً» من المدنيين. لا فَرق، المهمّ هو الإشارة مباشرة الى "سبب قتلهم" والإضاءة على أبعاد الحدث السياسية والأمنية والجيوستراتيجية منذ السطور الأولى للتغطية بعد لحظات على سفك الدماء!

تفجيرات أول من أمس في منطقة برج البراجنة بحسب معظم الإعلام الأميركي والأوروبي وقعت في "ضاحية بيروت الشيعية" وتحديداً في "أحد معاقل حزب الله الشيعي". مقالات الساعات الأولى للحدث على مواقع معظم وكالات الأنباء الغربية، أشارت بعجَل الى رقم يمثّل عدد الذين سقطوا في التفجيرين، ثم سارعت الى التحليل والربط والتذكير بـ "دور حزب الله العسكري في سوريا" (هل تلك مهمة وكالات الأنباء أصلاً؟).

تصنيف بعض الصحافيين الغربيين لمكان وقوع التفجير على أساس طائفي وحزبي، يتضمن تبريراً غير مباشر للقتل، والقفز مباشرة الى التحليل السياسي ليس الا تخطّياً وحشياً لأخلاقيات المهنة وما تبقّى من آدابها.
بعد غزو العراق عام ٢٠٠٣، نبّه بعضهم إلى تحوّل الخبر العراقي في الإعلام الغربي الى خبر ثانوي مهما عَظُم حجم الكارثة الإنسانية التي يتحدّث عنها. بغضّ النظر عن الأسباب السياسية والإعلامية لذلك الأداء الإعلامي، لا يمكن أن يُغفَر للإعلام الغربي مساهمته في التهليل للغزو والتسويق لإيجابياته، ثم تجاهل تداعياته الكارثية على العراق والمنطقة. كانت الخشية حينها أن يحوّل الإعلام الضحايا العراقيين الى أرقام، كما فعل تاريخياً وما زال تجاه الفلسطينيين في تغطية أحداث الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لكن الخشية باتت واقعاً في العراق بعد فلسطين، وها هي تنتقل الى الحدث اللبناني وتظهر بأسوأ أشكالها منذ عام ٢٠٠٥. منذ الانقسام الطائفي والمذهبي والسياسي في لبنان عام ٢٠٠٥، لم يعد الضحايا اللبنانيون مجرّد أرقام حتى، بل باتوا أوراق لعب. حتى فظاعة الرقم لم تعد مهمّة، والأهمّ هو أين يقع الحدث في سلسلة الأحداث الأمنية والتطورات السياسية التي تضرب البلد والمنطقة؟ والى من تتجه أصابع الاتهام؟
ومنذ بدء الأزمة السورية ومشاركة حزب الله في معاركها، لم يوفّر معظم الإعلام الغربي فرصة لأبلسة دور الحزب وتوجيه اتهامات له تتعلّق بأدائه الميداني في مقالات كُتبت من مقاهٍ في بيروت أو عمّان أو دبي! الأمر ذاته تكرر في تناول ذلك الإعلام للاعتداءات الإرهابية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت في السنوات الأخيرة. يحدد الصحافيون الهوية الطائفية للمكان أولاً، يشيرون الى وقوعه في منطقة يسيطر عليها «حزب الله»، ثم يربطون الأمر بالأحداث السورية. قد يصلح ذلك النهج لمقال تحليلي أو تقرير مطوّل غداة وقوع الحدث، لكن ذلك تحوّل الى قاعدة ذهبية لكيفية إعداد التغطيات واختيار عناوينها.
وكالة «رويترز" و"هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي) وقناة "أورونيوز" الإخبارية و "ذي نيويورك تايمز" وغيرها من المؤسسات الإعلامية العالمية، أصرّت أمس على تبرير دموية الحدث وفداحته باستخدام عناوين مثل "انتحاريون يقتلون العشرات في الضاحية الشيعية"، و"انتحاريان يضربان معقل حزب الله في لبنان ويقتلون ٤٣"... وفي السطور الأولى من تغطياتها، كتبت: «... وتأتي هذه التفجيرات في وقت يصعّد فيه حزب الله انخراطه في الحرب الأهلية السورية". ذلك كلّه جاء ضمن تقارير إخبارية وتغطيات آنية للحدث، بينما كانت أشلاء الضحايا ودماؤهم ما زالت تغطّي المكان.
وبعد دقائق على نشر تلك العناوين، طالب عدد من المتابعين على "تويتر" بعض تلك المؤسسات الإعلامية وصحافييها بعدم التصنيف، عن طريق استخدام تعابير مثل "معقل حزب الله" أو "منطقة خاضعة لحزب الله الشيعي"... طبعاً لم تلق المطالبات صدى عند من اقترف تلك الأخطاء المهنية ـ الأخلاقية، وبقيت العناوين ومضامين التغطيات كما هي. يذكر أن معظم الإعلام الغربي تجاهل أيضاً بعض التصريحات السياسية "الإرهابية" التي صدرت بعيد وقوع التفجير، كمثل ما قاله عضو مجلس الشيوخ الأميركي إيفيريت سترن على حسابه على "تويتر": «أنا أدعم كل هجوم ضد حزب الله وداعش. وذلك يتضمن الهجوم الذي حصل اليوم في لبنان»، و"أنا مسرور لأن حزب الله ضُرب اليوم"، و "للأسف لقد قتل مدنيون أبرياء في الهجوم، لكن حزب الله يعمل بين الأطفال"... تلك التصريحات الرسمية المتطرفة والمغلوطة لا يمكن الا أن ترتبط مباشرة بما دأبت بعض وسائل الإعلام على تكراره وتصويره في عناوينها ومقالاتها.
هجوم أول من أمس إذاً بحسب ما يريد الإعلام الغربي تصويره هو «استهداف لحزب الله" فقط، ومَن سقطوا فيه هم مجرّد "أضرار جانبية" نتيجة انخراط حزب الله في الحرب السورية.
النهج الإعلامي ذاته استخدم في حرب تموز عام ٢٠٠٦، عندما اتفقت معظم وسائل الإعلام الغربية على تسمية العدوان الإسرائيلي على لبنان «الحرب الإسرائيلية على حزب الله».
بعد التغطية المسيّسة وغير المهنية لحدث انفجاري برج البراجنة، لم يعد أحد ينتظر ما سيقول كتّاب الرأي والمعلّقون في مقالاتهم لاحقاً... فقد وصلت الرسالة!