مع كلّ فاجعة يذهب ضحيّتها عدد كبير من الناس، صرنا نقع على عبارة «ليسوا أرقاماً» على مواقع التواصل الاجتماعي. بدأ ذلك العام الماضي مع مجازر الطيران الإسرائيلي في قطاع غزّة، عبر حملة شبابية افتراضية توثّق أسماء الشهداء كي لا يتحوّلوا إلى مجرّد أرقام في عدّاد الموت الصهيوني. هذه العبارة برزت أيضاً في الشأن السوري، لا سيّما مع المعتقلين واللاجئين. اليوم، وفيما يحاول اللبنانيون استيعاب المصيبة التي حلّت بحي عين السكة في برج البراجنة، راح روّاد السوشال ميديا يساعدون في جمع معلومات (ولو قليلة) عن الضحايا، والأهم الحصول على صور لهم في أسرع وقت. هكذا، نشرت صفحات فايسبوكية عدّة بينها «الضاحية» وbintjbeil.org لائحة طويلة من صور الشهداء، مرفقة بتفاصيل مقتضبة عنهم، على شاكلة أسمائهم والمناطق التي يتحدّرون منها ووظائفهم. هذه الصور سرعان ما وجدت طريقها إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وانتشرت بين الناس.

لعلّ أبرز اللقطات كانت تلك التي التقطت للشهيد عادل ترمس الذي ضحّى بنفسه وبابنته لمنع أحد الانتحاريين من دخول مسجد الإمام الحسين.

اللقطة تصوّر الشهيد وهو يؤدي دعاء الكميل في المسجد نفسه، فيما برزت صورة تجمعه بابنته التي استشهدت معه، وأخرى له بمفرده. كثيرون أعادوا نشر هذه الصور، موجّهين تحيات «متواضعة» إلى «عادل البطل» الذي فدى المئات بدمه، وجنّب برج البراجنة مجزرة حقيقية. الممثلة اللبنانية نادين الراسي كانت من بين هؤلاء، فنشرت على تويتر صورة لترمس مقرونة بتعليق لا يخلو من السخط والاستنكار: «عندن فطايس وعنا #بطل_من_لبنان #عادل_ترمس أنقذ المصلين في المسجد ومنع الانتحاري من الدخول إليه واستشهد». قصة مؤثرة أخرى استحوذت على اهتمام مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي تمثّلت بالطفل حيدر مصطفى الذي فقد والديه، ويرقد في المستشفى جريحاً.
وفي زحمة التضامن الإلكتروني الذي أصرّ على نبذ الأصوات التحريضية، علت نداءات تدعو المواطنين إلى التبرّع بالدم لمختلف المستشفيات التي تعالج الجرحى. أكثر التعليقات المقيتة فجاجة ما جاء على حساب مدير مكتب «الجزيرة» في باكستان أحمد موفق زيدان الذي نشر التسجيل المزوّر عن احتفالات في منطقة الطريق الجديدة، قبل أن يُدلي بتحليله العظيم: «الحديث المتداول عن أربع فدائيين استهدفوا الضاحية الجنوبيّة أحدهم تمّ قتله وآخر هرب، ممّا يعكس أنّ الهجوم كان أكثر احترافيّة من الهجمات السابقة». الهجوم المضاد على زيدان دفعه إلى إزالة تغريدته، غير أنّه لم يمض وقت طويل قبل أن يعود للتعليق على ما يجري. وجّه المراسل سهامه إلى وزير الداخليّة نهاد المشنوق: «نهاد المشنوق سيلاحق ما يصفهم بالمجرمين بعد تفجيرات الضاحية، أمّا قتلة السوريين من حزب الله لسنوات فهؤلاء يؤدون واجبهم؟ هزلت».


للشهيد عادل ترمس
والطفل حيدر مصطفى
حصّة كبيرة

على خطٍ موازٍ، بثّت بعض المواقع إلكترونية فيديو من الطريق الجديدة قيل إنّه لإطلاق مفرقعات نارية «احتفالاً بالاعتداءات الإرهابية». لكن بعد وقت قصير تبيّن عدم صحّة الموضوع. واللافت أنّ موقع «الضاحية» عمد إلى الاعتذار من الجمهور على نشره للمقطع المصوّر القصير وطرد المسؤول عن نشر هذه الإشاعة. جريمة برج البراجنة ولّدت مجموعة كبيرة من الهاشتاغات، على رأسها: #برج_البراجنة، و#هنا_الضاحية_الأبية، و#شهداؤنا_نبض_قلوبنا، و#قرارنا_الحياة.
نادين الراسي لم تكن الوحيدة بين المشاهير التي سجّلت موقفاً من الحدث الأليم، فقد سارعت سيرين عبد النور إلى نشر صورة تضم كلمة حداد (باللون الأحمر) مع خلفية سوداء، إضافة إلى آية من سورة إبراهيم: «ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون»، فضلاً عن هاشتاغي #برج_البراجنة #لبنان_الضاحية. ونشر راغب علامة صورة للعلم اللبناني، مع جملة موجزة مفادها: «الرحمة للشهداء كلنا للوطن». وفي تغريدة أخرى، بدا أكثر قسوة بالقول: «المجرمون الكلاب يستهدفون المدنيين في برج البراجنة، ألم يحن الوقت أن يتعالى الجميع على مصالحهم ويتوحدوا لاقتلاع الإرهاب التكفيري؟». من ناحيتها، نشرت هيفا وهبي تغريدة شددت فيها على أنّ «لبنان كلّه يبكي شهداء اليوم. شهداء كل ذنبهم أنّهم عاشوا في بلد أكلته الطائفية والمحسوبية واللا إنسانية...إلنا الله وبس». أما إليسا فلجأت إلى الإنكليزية، لتقول: «يوم حزين آخر للبنان. جريمة أخرى، ولائحة أخرى من الضحايا الأبرياء الذين قضوا في الهجوم المميت». بالإنكليزية أيضاً، أظهرت نانسي عجرم حزنها على ما جرى، كاتبةً: «كل ما أستطيع فعله هو البكاء والصلاة لهؤلاء الذين يريدون العيش في بلد واحد رغم التنوّع والاختلافات».
وإتخذ عاصي الحلاني من الموقف فرصة للدعوة إلى الوحدة الوطنية: «العمل الإجرامي في الضاحية يحمّلنا مسؤولية جميعاً. علينا أن نقف صفاً واحداً في مواجهة ثقافة الموت والإرهاب. الاستنكار لا يكفي أمام هذه الفاجعة».
في تعليقها على تويتر، مرّرت نجوى كرم رسالة سياسية بالعامية وبلغة التشات أيضاً، معتبرةً أنّه «هيك كم حدا بدّن لبنان مسرح لمؤامرات ونحن مندفع الثمن. الله يرحم هالشهداء ويصبّر قلب أهاليهن».
على طريقته الخاصة، أعلن الشاعر نزار فرنسيس عن تضامنه مع الضاحية وأهلها، عبر بعض الأبيات: «يا تْراب أرض الضاحية بْبيروت/ خبِّر لكل الكون قصّتنا.../ بهالأرض نحنا شعب ما منموت.../ بيموت معنا المجد لَو مِتنا.../».
وانضمت إلى لائحة المشاهير المتضامين أسماء سورية، منها الممثل باسم ياخور الذي نشر صورة بخلفية سوداء مكتوب عليها «بيروت» متضمنة شمعة مضاءة، مؤكداً أنّ «بيروت لا تموت». زميلته نسرين طافش كتبت «اللهم أنزل أمنك وأمانك وسلامك على كل بلادنا العربية... واحفظنا بعينك التي لا تنام وباسمك الحافظ يا رحمن يا رحيم». شكران مرتجى وصفت لبنان بـ «قطعة سماء»، لافتةً إلى أنّه «قطعة من القلب. كن بخير».
من جهتها، سألت الفنانة التونسية لطيفة الله أن يحمي «لبنان واللبنانيين. حسبي الله ونعم الوكيل». وكانت للممثل المصري خالد النبوي مساحة خاصة من تعليقات اللبنانيين على مواقع التواصل، إذ أعاد كثيرون نشر تغريداته، خصوصاً أنّه عزّى «كل أهلنا في لبنان الحبيب بضحايا الإرهاب الخسيس»، ناشراً فيديو لأغنية فيروز «بحبك يا لبنان».