على الأغلب، يأتي الكتاب الأول بعد تجارب فاشلة عديدة، كما حدث معي بالضبط، ولكن مع فارق أنني كنت أكتب باستمرار، لكن من دون محاولة إرسال ما أكتبه الى الناشرين. أذكر أنني كتبت مرة رواية بعنوان رنّان شبيه بعناوين الروايات العالمية الكبرى وأعطيتها لزملاء المدرسة الثانوية لقراءتها.


دارت المخطوطة بين أيدي العديدين إلى أن ضاعت لحسن الحظ، فمن المؤكد أنها لم تكن ذات قيمة كبرى، ولم يكن عندي أوهام، وكنت أعتقد أنه إن ضاعت إحدى المخطوطات، فإنني سأكتب رواية جديدة أفضل.
كنت أكتفي بطلب رأي أصدقائي في ما أكتبه ثم أنسى المخطوطة في الدرج إلا مرة واحدة حين أرسلت إحدى القصص الى القسم الثقافي لإحدى الصحف المحلية، فلم ينشرها المحرر. عندئذ، قررت أن أنسى الكتابة مؤقتاً لريثما أنضج كشخص وأقرأ أكثر وبالتالي أعرف أكثر. كان الأمر شبيهاً بالقرارات التي يتخذها الانسان بخصوص مستقبله. أنا لم أقرر التوقف عن الدفع الى الصحافة بقصد النشر فحسب، بل التوقف نهائياً عن الكتابة. أيضاً، كان هناك والدي الذي كان يتابعني بقلق. سألني مرة عن مشاريعي بالنسبة إلى المستقبل، فأخبرته بأنني أحب أن أصبح كاتباً فقال وهو يتواطأ معي بأنه يعتقد أنّ عليّ أن أهتم بالحصول على شهادة جامعية مرموقة أولاً لكي أؤمن معيشتي ومعيشة أسرتي في المستقبل لأنّ الكتابة وحدها لا تطعم خبزاً. وبهذه النصيحة الأبوية أيضاً، جاءت فكرة تأجيل موضوع الكتابة الى فترة لاحقة، فدخلت كلية الهندسة المدنية ثم تخرجت منها وأصبح لي مكتبي الهندسي الخاص.
لم يكن الكتاب يفارقني مطلقاً. فقد كنت قارئاً نهماً، وفجأة طفت على السطح فكرة أن أكتب الرواية التي طالما شغلني موضوعها عن الحرب العالمية الأولى وكيف عانت مدينة حلب والحلبيون خلالها. بدأت رحلة البحث عن أي معلومة إضافية تفيدني في مشروعي وخاصة مقابلة الأشخاص الذين عاشوا تلك المرحلة، وبما أنّ ذلك جرى في بداية الثمانينات، فلم يكن من العسير ايجاد أناس كانوا شهوداً عليها مثل والدي الذي كان في السادسة من عمره آنذاك، فقدم لي معلومات قيمة جداً عن المدينة والحياة فيها وعن المجاعة التي ضربتها حينذاك. كما أنّ الموضوع انفتح واسعاً أمامي بعدما قابلت العديد من السيدات المسنات اللواتي وصلن، وهن فتيات صغيرات، الى المدينة بمفردهن بعدما أباد الجنود العثمانيون أهاليهن الأرمن، فتبناهن تجّار المدينة وأطلقوا عليهن اسم «مريم» احتراماً لأصولهن المسيحية.
في مرحلة الثمانينات تلك، ضربت أزمة اقتصادية أليمة قطاع البناء في حلب، فتوقفت الأعمال ولم يعد أحد يرتاد مكتبي من أجل أي شأن هندسي، فكان الوقت مناسباً جداً لكتابة تلك الرواية فكانت «رياح الشمال».


كانت المشكلة أنها رواية ضخمة لكاتب ناشئ لم يسمع باسمه أحد. قدمتها الى ثلاث دور فسمعت منها جميعاً نفس الاعتذار بأنها ضخمة

أمضيت ثلاث سنين في كتابة هذه الرواية. وعندما أعادها إليّ ضارب الآلة الكاتبة مجلدة في مجلدين سميكين، بدأت رحلة أخرى، وكانت مخيفة حقاً، فقد كان علي أن أقدمها الى قارئ روايات من الأصدقاء ليقرأها لي، فأنا لم أكن متأكداً تماماً مما كتبت ولكنني شعرت أنني فخور به هذه المرة وأصبحت أخاف على المخطوطة من الضياع.
وقع اختياري على شخص محدد وهو ناقد أدبي تعجبني آراؤه رغم ما فيها من حدة. كان ذلك الشخص واحداً من مجموعة المثقفين المعروفين في المدينة الذين كانوا يرتادون أحد المقاهي ويشكلون مجتمعين مجموعة ثقافية محترمة. كنت ألمحهم أحياناً وأتمنى أن أنتسب إليهم يوماً لأشارك في نقاشاتهم.
دخلت على ذلك الناقد في مكتبه وأنا أحمل المجلدين. أشار الى حمولتي وسألني ضاحكاً: «هل هذا من عملكم أم عملنا؟» كان يقصد هل هذه المجلدات في مواضيع الهندسة أم الأدب، فأجبته بأن الموضوع أدبي هذه المرة وطلبت منه قراءة العمل فوافق الرجل. شكرته ثم رحلت.
عندما دخلت عليه في المرة الثانية بعد أسبوعين وجدته متحمساً. لقد قرأ الرواية وأعجبته ووصفها بكلمات مشجعة. قال إنّ عليّ مقابلة شلة المثقفين تلك وخاصة الكاتب وليد إخلاصي الذي كان دائماً على رأس المائدة والتعرف إليهم. هذا ما جرى ولم يمض وقت حتى كان الجميع قد قرأ المخطوطة وأعجب بها. لقد شعرت حينها كشعور تلميذ المدرسة الذي كتب موضوعاً إنشائياً جيداً وحصل على تقريظ مدرسيه، ولكن أكثر ما أثار استغرابي هو أنّ المخطوطة امتلأت بتصحيحات لغوية، فقد رفض الجميع استخدام المفردات من العامية الحلبية في الحوار والمونولوجات الداخلية للشخصيات. وعندما ناقشتهم بأن ذلك يفيد كثيراً في إظهار صوت الشخصية الخاص في الرواية متعددة الأصوات، طلبوا مني أن أضع تلك المفردات بين قوسين، ولكنني رفضت ذلك أيضاً وقد نشرت الرواية في ما بعد دون تعديل، وكان الخوف يملأ قلبي من أن يساء فهم ذلك. وعندما أفكر في هذا الأمر الآن أشعر بالسعادة لأنني كنت من السباقين في استخدام العامية وخاطرت من أجل ذلك، فقد كان الأدب في سورية يكتب بلغة فصحى سليمة وجميلة. ولا غرابة في موقف المثقفين في تلك المجموعة آنذاك إذا علمنا أن معظمهم كان مدرساً لغوياً في المدارس الثانوية.
استقر رأي الجميع على أن هذه الرواية تستحق النشر، ولكن في أي دار للنشر؟
كانت المشكلة أنها رواية ضخمة لكاتب ناشئ لم يسمع باسمه أحد. قدمتها الى ثلاث دور للنشر فسمعت منها جميعاً نفس الاعتذار بأنها ضخمة. قال لي أحدهم بأنه إن قام بنشرها، فإنه سيستهلك كامل ميزانية الدار وبعد نشرها، إن نشرها، فإنه سيقعد بلا عمل.
كنت أُسأل باستمرار: ماذا حدث لروايتك؟ وأصبحت أتهرب من الأشخاص الذين أعرف أنهم سيسألونني عنها.
أخيراً، استقر الرأي على تقديمها الى قسم النشر في وزارة الثقافة في دمشق، رغم وجود عدد كبير من المخطوطات في قائمة الانتظار للطباعة. ذهبت وقدمتها لأنطون مقدسي. قال لي وهو يتصفحها بأنه سمع عنها.
بعد أشهر عدة، سمعت بأن الأزمة الاقتصادية التي كانت تعصف بالاقتصاد السوري قد أصابت أيضاً قطاع مادة الورق المستورد أصلاً من الخارج بسبب سياسة تقنين صرف الدولار المخصص للاستيراد.
الأزمة الاقتصادية أتاحت لي فرصة كتابتها والأزمة نفسها ستميتها في أرضها. لكن نبيل سليمان، صاحب دار «الحوار» للنشر، قد حزن معي على هذا المصير فاقترح طباعة الجزء الأول فقط، أي نصفها تقريباً، على أن يطبع الجزء الثاني منفصلاً في فترة لاحقة.
خلال تلك الفترة، فقدت الحب للروايات الكبيرة وفاتني أن أذكر بأنني كنت قد خططت في البداية لكتابة جزء ثالث لـ «رياح الشمال». وبسبب ما جرى، قررت ألا أعود لكتابته مطلقاً (كتبته بعد ذلك بسنين كمسلسل تلفزيوني بعنوان «الثريا»).
لقد دفعتني الامكانيات المحدودة لدور النشر السورية الى تغيير اسلوبي أيضاً، فلم أعد ميالاً لكتابة الرواية التاريخية الكلاسيكية الشاملة. أصبحت أحبذ كتابة الروايات المكثفة حتى أنني أصبحت أعمل على نص كل عمل روائي أكتبه لكي أقوم بحذف ما يمكنني حذفه. أما بعد الحذوفات فقد كان النص يعجبني أكثر.
أثناء السعي لطباعة رواية «رياح الشمال» كتبت رواية جديدة أسميتها «السرطان». كانت رواية مكثفة ذات أسلوب تجريبي يشوبها النفس الايديولجي الواضح وندمت لكتابتها في ما بعد.
بعد انتهائي من كتابتها تعرفت الى ناشر تونسي (صاحب «دار محمد علي الحامي للنشر») الذي كان حينها في دمشق للمشاركة في معرض «مكتبة الأسد للكتاب». سألني ماذا أكتب الآن فأخبرته بأنني انتهيت للتو من كتابة رواية جديدة فطلب مني نسخة من المخطوطة. عاد الرجل الى تونس بعد نهاية معرض الكتاب، وبعد اسبوعين تلقيت منه رسالة وعقداً للنشر. كتب بأنه أخرج المخطوطة في الطائرة وشرع في قراءتها لتمضية الوقت فأنهاها قبل أن تحط الطائرة في مطار تونس.
حين صدرت رواية «رياح الشمال» أخيراً عام ١٩٨٩، كانت رواية «السرطان» تباع في المكتبات منذ أكثر من عام، فالرواية التي كتبتها أولاً صدرت ثانياً، ولكن هذا غير مهم، أليس كذلك؟