يمنح المجلد القصصي الصادر حديثاً عن «الدار المصرية اللبنانية» بعنوان «زبيدة والوحش - مختارات قصصية» للكاتب سعيد الكفراوي (1939) الفرصة لقارئه للتعرّف إلى ملامح العالم السردي للكفراوي الذي يعتبر علماً من أعلام جيل الستينيات الأدبي في مصر.

جيل غيّر من مواضيع القصّ المصري بفضل ما أحدثته هزيمة حزيران 1967 من صدمة على صعيد وعيه السياسي بمكتسبات ثورة يوليو 1952، وعلى الصعيد الفني من حيث التشكك في جاهزية خطاب الواقعية ومفهوم الالتزام السياسي الضيق وقدرته على حفز الجماهير.

سعى كتاب هذا الجيل الى استثمار الوعي بطفرات التحولات الأدبية التي حققها وليم فوكنر وارنست هيمنغواي من ناحية، ومن ناحية أخرى التقاط اليومي والهامشي وتحويله الى موضوع للسرد من دون إهمال الأسئلة التي خلقها رواج الوجودية وسؤالها الكبير عن كيفية مقاومة صور التشيؤ.
راهن الكفراوي على تحقيق ذلك بالسعي الى الانصات الى عوالم الريف المصري وتناقضاته، واختط لنفسه خطاً مائزاً مقارنة بطفرات حققها آخرون أبرزهم يحيى الطاهر عبد الله بشاعريته اللافتة أو عبد الحكيم قاسم بحسه الاختزالي الذي بدا اقرب إلى القنص منه الى أي شيء آخر.
يعطي المجلد فرصة لإدراك اتساع عالم الكفراوي وإعادة اكتشافه.
وكان قد صدر له أكثر من عشر مجموعات قصصية، صنعت له مكانة متميزة في الأفق الإبداعي العربي، وترجمت أعماله إلى الإنكليزية والفرنسية والألمانية والتركية والسويدية والدانماركية. ومن أشهر المجموعات القصصية التي نشرها عبر مشواره الأدبي: «مدينة الموت الجميل» (1985)، و«ستر العورة» (1989)، و«سدرة المنتهى» (1990)، و«بيت للعابرين»، و«مجرى العيون» (1994)، و«دوائر من حنين» (1997).
يضم الكتاب المجموعات الست الأولى التي كتبها خلال مشواره الأدبي منذ الستينات وحتى الآن. أخرج الكتاب وصمم غلافه ورسم اللوحات المصاحبة للقصص، ابنه الفنان عمرو الكفراوي في ما يمكن اعتباره حوارية تقوم على تجاور بين النص واللوحة من ناحية، ومن ناحية أخرى على الجمع بين حكمة الأب وتمرد الابن.
الأخير يعيد التذكير بما قام به مع الكاتب مكاوي سعيد في كتاب «مقتنيات وسط البلد».


كشف عن أصوات المقموعين بنزوع جمالي خالص

لكنه في تجربته مع الرسم على نصوص والده، ثمة نهم أكبر في التفاعل مع العالم واستدعاء الخبرات الذاتية بكل ما تحمله من تفاعلات، من دون التنكر لتراث تشكيلي أصيل رسم المخيلة البصرية للفنان الذي لا ينكر إفادته من أعمال رسامي جيل الستينيات الذين عاصروا أباه أمثال حامد ندا وسعيد العدوي وغيرهما. هؤلاء جميعاً اشتغلوا على الطابع الفانتازي وابتكروا واقعية سحرية مصرية لها فرادتها في النظر إلى المقدس من دون تأطيره، ومن ثم فالكتاب هو أيضاً طفرة في شكل الكتاب المصري على الصعيد الفني والجمالي.
في قصص سعيد الكفراوي الذي أخلص لكتابة القصة ولم تجذبه إغراءات كتابة الرواية إجمالاً التفات الى الهامشي المهمل في نثار الحياة اليومية وكشف عن أصوات المقموعين عبر نزوع جمالي خالص، متحرر من أعباء الايديولوجي.
لكنّه لا يتنكر للأصوات الباحثة عن معنى العدل ويبدو فيها الانشغال العميق بالسعي لاستثمار المكتنز في الذاكرة وانشغال بالكشف عن العلاقات بين الدوال والحضور الفذ لمعنى الرغبة. إنّها اقرب ما تكون إلى سعي وراء خيط غير مرئي، يذهب بالقارئ الى عوالم الأطياف الحلمية التي لا تعبأ بالموروث البالي رغم سعيها لاستثمار الحيوي فيه.
كتابة تخلّص النماذج القروية من الصور النمطية التي حاصرتها وترمي بها إلى المعترك الانساني الذي يقيم بينها وبين أبطال تشيخوف العديد من صلات القرابة القائمة على وحدة المشترك الانساني.
وعلى نحو مدهش، تحضر عوالم الطفولة بكل ما تحمله من حنين إلى منازل الخطوة الأولى والتأكيد على حميميتها والتعبير عنها بلغة مصقولة أقرب ما تكون إلى مكعبات الكريستال حيث الحاجة للنظر من اكثر من زاوية لإدراك مصادر ضوئها المتنوع.
وتتمتع العين الساردة للكفراوي بطاقة الإدراك الفعال لما يخلقه تداخل الصور والعوالم، حيث يلهث القارئ دوماً وراء هذه الشبكة المقعدة من الصور والتماثلات البصرية التي تطارده.