أتت التعبئة التي انتهجها اليمين واليسار في وجه اليمين المتطرّف أُكلها في الجولة الثانية من انتخابات الأقاليم الفرنسية، أمس، وساهمت في إنجاح السيناريو الأكثر تفاؤلاً الذي عمل عليه، خلال الأسبوع الماضي، الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، بدعوته إلى قيام "الجبهة الجمهورية" في وجه "الجبهة الوطنية"، التي تتزعمها مارين لوبان. سيناريو تمثل في تحقيق تحالف اليمين ــــ بزعامة نيكولا ساركوزي وحزبه "الجمهوريون" ــــ قفزة نوعية أدت، في ما أدت إليه، إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من ماء وجه هولاند. ولكن هذا الأخير لن يظهر بمظهر المنتصر، ففوزه الصوري وحلوله في المرتبة الثانية بعدما كان حل في المرتبة الثالثة في الجولة الأولى، معبّد بكم كبير من الخيبة، تبدأ من واقع خسارته مناطق أساسية بالنسبة إلى حزبه "الإشتراكي" وتحالف اليسار الذي يتزعمه، ولا تنتهي أمام واقع أن هذا التحالف يعيش أسوأ أيامه التي اضطرته إلى التحالف مع المعارضة اليمينية، من أجل الخروج بأقل قدر من الهزيمة.
مارين لوبان خسرت الرهان، ولم تحز على أي منطقة في الجولة الثانية من انتخابات الأقاليم، بعدما حققت فوزاً مدوياً في الجولة الأولى، أدى إلى إطلاق ناقوس الخطر من قبل الأحزاب التقليدية (اليمين واليسار) التي راحت تروّج إلى ما مفاده أن "قيم الجمهورية" في خطر في ظل صعود اليمين المتطرف. دعوة وصلت إلى أوجها مع تحذير رئيس الوزراء الاشتراكي مانويل فالس من حصول "حرب أهلية" إذا وصلت "الجبهة الوطنية" إلى السلطة.

فالس أكد أن النتائج لا تبعث على «الارتياح أو الشعور بالانتصار»

ولكن حتى ولو شكلت النتائج الأولية نكسة كبرى لأبرز ثلاث شخصيات في حزب "الجبهة الوطنية" ــــ رئيسته مارين لوبان الخاسرة في الشمال، وابنة شقيقتها ماريون ماريشال ــ لوبان في الجنوب، وفلوريان فيليبو المخطط الإستراتيجي للحزب في الشرق ــــ فإنها ستتحوّل إلى شعور بالخيبة لدى الاشتراكيين، في ظل انتزاع اليمين مناطق كثيرة منه تعد باريس (إيل دو فرانس) أبرزها، خصوصاً أنها تعتبر الأهم في البلاد. فضلاً عن ذلك، فقد حلّ اليسار في المرتبة الثانية بعد انتصاره في خمس مناطق، فيما فاز اليمين بسبع مناطق من أصل إجمالي 13 منطقة (إضافة إلى واحدة من مناطق "ما وراء البحار" الأربعة)، فيما سجّل الحزب القومي الكورسيكي انتصاراً في جزيرة كورسيكا المتوسطية. وتبدو حسابات خسارة هولاند أكثر وضوحاً، عند مقارنة نتائج أمس بمثيلتها عام 2010، عندما فاز الحزب الاشتراكي بـ20 منطقة من أصل 26 في عموم الأراضي الفرنسية (19 منطقة من أصل 22 في فرنسا الاوروبية، وواحدة في مناطق "ما وراء البحار"، في مقابل منطقتين لا غير لليمين). وكانت الانتخابات قبل 5 سنوات المؤشر الأقوى على أن ساركوزي سيخسر الانتخابات الرئاسية لصالح الاشتراكيين عام 2012.
وأظهرت التقديرات أن اليمين وحلفاءه الوسطيين حصلوا أمس على ما بين 43,2% و44% من أصوات منطقة "إيل دو فرانس" (التي تضم العاصمة باريس) مقابل 41,8% و42,9% للحزب الاشتراكي (المتحالف مع الخضر والشيوعيين) الذي يحتكر منذ 17 عاماً حكم هذه المنطقة التي تنتج لوحدها ثلث الناتج المحلي الفرنسي.
الخطر مازال قائماً، وسياسة القضم التي تتبعها "الجبهة الوطنية" تقرّبها في كل مرة أكثر من سابقتها إلى رئاسة الجمهورية. وهي إن كانت في الجولة الأولى من كل انتخابات إقليمية جرت منذ عام 2000 إلى اليوم تحرز تقدماً، لكن الانتصار الذي حققته في الجولة الأولى من انتخابات هذا العام دفعت برئيس الوزراء الفرنسي إلى التحذير من "خطر اليمين المتطرف (الذي) لا يزال قائماً في فرنسا". فالس أشاد بالنتائج، لكنه أكد أنها لا تبعث على "الارتياح أو الشعور بالانتصار، لأن خطر اليمين المتطرف لا يزال قائماً"، مذكراً بتقدم "الجبهة الوطنية" غير المسبوق في الدورة الأولى من انتخابات المناطق. كذلك الأمر بالنسبة ساركوزي الذي شدد على أن هذه النتائج "يجب ألا تجعلنا تحت أي ذريعة ننسى التحذيرات" المتأتية من الدورة الأولى.
ترجيح وصول لوبان إلى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية

ساركوزي كما فالس يستشرفان واقعاً يمتد إلى 16 شهراً من الآن، ويريان أمامهما الانتخابات الرئاسية، التي تتقدم لوبان نوايا التصويت فيها. فنتائج انتخابات المناطق ستترك آثاراً كبيرة عليها، خصوصاً في صفوف اليمين واليسار اللذين حققا في الدورة الأولى نتائج مخيبة. كذلك ترجّح معاهد استطلاعات الرأي أن لوبان ستصل إلى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، بعد تصدرها نتائج الدورة الأولى، وهو ما يعيد إلى أذهان فالس وساركوزي وغيرهما من الفرنسيين انتقال والدها جان ماري (مؤسس الجبهة الوطنية) إلى الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة عام 2000 أمام الرئيس الأسبق جاك شيراك، واضطرار مختلف القوى السياسية إلى الاصطفاف خلف شيراك، تجنباً لكأس جان ماري لوبان.
من هذا المنطلق، أكدت مارين لوبان، أمس، بعد صدور النتائج أن "لا شيء سيتمكن من إيقافنا"، وندّدت بالنداءات التي دعت إلى صدّ تقدم حزبها وبـ"الانحرافات والمخاطر المتأتية من نظام يحتضر".
وما يساعدها على الحديث من موقع قوة عوامل عدة تعتمل داخل كل من الأحزاب التقليدية المنافسة. فنتائج الاقتراع، وعلى الرغم مما تدل عليه من انتصار لحزب ساركوزي، إلا أنها لا تلغي أن طموحات هذا الأخير لعام 2017 ستواجه بخصمين محنكين ورئيسي وزراء سابقين داخل معسكره، هما آلان جوبيه وفرنسوا فيون.
أيضاً، العوامل الكثيرة الماثلة أمام لوبان ستساعدها على التحشيد للانتخابات الرئاسية، مستفيدة من اعتداءات باريس و"الإسلاموفوبيا" وأزمة اللاجئين إلى أوروبا، مستغلّة 16 شهراً لن يتمكن خلالها هولاند من تحقيق ما لم يحققه في السنوات الثلاث السابقة، إن كان في محاربة الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالبلاد أو في مواجهة البطالة وغيرها من النقاط السوداء التي تضاف الى سجله في إدارته للملفات الداخلية والخارجية. كلها أوتار ستلعب عليها زعيمة اليمين المتطرف، لتسهّل الطريق وتعمل بزخم من أجل عودة قوية إلى المشهد السياسي الفرنسي، بعد عام ونصف العام من الآن.
(الأخبار، أ ف ب)