رصاص كثيف، يتردّد صداه بين الأبنية، فوق رؤوس المتجمهرين على زوايا الأزقة الواصلة إلى شارع عين السّكة في برج البراجنة. رصاص كثيف غاضب يصل حدّ السماء، من آخر حارة حيّ الجورة، من الرمل العالي، من على يمين مستشفى الرسول الأعظم، من كلّ زقاق وبيت ترعرع فيه حبيبٌ، سرقته يدُ الحاقد، على غفلة من مساء ذلك الخميس الأسود.


على زاوية طلعة «زاروب» الحسينية، يصدح ترتيل القرآن من مذياع سيّارة الإسعاف. الشهيد خضر شرف الدين يودّع أهله في النظرة الأخيرة، قبل أن يستقل جسده سيارة الإسعاف، الدمع جفّ في مُقل نساء الحي. في آخر الزقاق الضيّق، عشرة كراسيّ أو أكثر ارتمى عليها أهل الشهيد، من دون جثّة حتى، وضوء النهار الساطع، بالكاد يخترق «حبال» الكهرباء المنسوجة كسقف سرداب.
تستمر الجولة على الأقدام إلى الشمال من خط عين السكة. تتكرّر الأزقة، والضوء الخافت بين البيوت المرصوصة، والشوارع المنكمشة المهملة. تضيق السماء هنا أكثر، هل هذا هو المخيّم؟ يقول الدليل: «نعم»، وعلامته أسلاك الكهرباء الممزوجة بأنابيب المياه، فوق الطرقات! خليطٌ من «الحبال» السوداء والزرقاء، بعضها للكهرباء وآخر للإنترنت و«الساتلايت»، وشبكات عشوائية من أنابيب المياه الرفيعة عُلقت في الهواء بين البيوت. لا مكان تحت الأرض للبنى التحتية!
هنا المخيّم إذاً، أكثر من 23 ألف نازح فلسطيني من أهالي قضاء عكّا، أتوا إلى هنا بعد أن هجّرهم أولئك الآتون من أصقاع الأرض عام 1948. وفي البيوت المتلاصقة أيضاً، أكثر من 17 ألف قاطن مضافاً إلى الفلسطينيين، من المواطنين السوريين والعرب والآسيوييين.
أزيز رصاص الغضب في الحي المجاور يصل إلى داخل محل أبو يوسف لبيع الأقراص المدمجة. بين المخيم وأحياء الضاحية، أزقة تختصر المسافات والقربى والجغرافيا. يختلط الرصاص بصوت وزير الخارجية جبران باسيل المنبعث من شاشة التلفاز، وأبو يوسف ينتظر أحداً لـ«يفشّ خلقه» أمامه. «الوزير ما شاء الله عليه، بدو يحكي كلمتين عن التفجير، ويكفّي حكي عن الجنسية، يا أخي ما فيش غير الفلسطيني بهالبلاد؟!». أبو يوسف يعرف غاية الزيارة مسبقاً، «المخيّم محزون، والناس ما طلعت، مضبوبة ببيوتها». ابنه يونس، جاء قبل التفجير بساعة ليذهبا لشراء حذاء من عين السّكة، «العمى، جبنا الصبّاط وإجينا، وإلّا شوي طلع الانفجار، ما صدقتش بالأول». أبو يوسف أكثر من فلسطيني عادي يسكن في مخيم البرج، هو «ناشط سياسي» كما يصف نفسه، «بهادا المخيّم ما فيش تكفيريين... ممكن تلاقي واحد عنده فكر متطرف، وهدول بينعدّوا على الأصابع، مرة شفت واحد عم يدافع عن داعش لما قتلوا صبي بدير الزور لإنه كفر، قلتلوا امشي بالمخيم وطخ كل واحد بيعصب وبيكفر، مين بيضلّ؟!». يقول «بائع الموسيقى»، ابن ترشيحا، إن زوجته تتهمه بأن حلمه تقلّص: من فلسطين، كل فلسطين، إلى ترشيحا! لكنّه لم يعد يرى أملاً في فلسطين إلّا بالمقاومة اللبنانية، وتحديداً بـ«السيد حسن نصرالله». أبو يوسف يعرف «المؤامرة» أيضاً: «بيقولوا فلسطينيي، بيحرضوا أهالي الضاحية على المخيم، وأهالي المخيم على الضاحية، بيتهجر المخيّم وبتغرق المقاومة بالدم. كل فلسطيني عارف المؤامرة، ما عاد يمرّ علينا شي».


«أنا كمان ابن
الضاحية. آه خلقت هون وربيت هون وكل أصحابي من الضاحية»


يضيق «الزاروب» كثيراً. بقع الماء تملأ النزلة قرب مستشفى حيفا المتواضع. في البناء الصغير استنفار للعاملين، واستمرار لحملة التبرع بالدم لجرحى التفجير. الضوء الآتي من الشباك الواسع المطلّ على الزاروب يمسح عتم الأسلاك الكهرباء وأنابيب المياه. في الداخل سبعة شبانٍ فلسطينيين أقرباء وأصدقاء ينفثون دخان الأراكيل. محمد، 22 سنة يعمل في ورشة ألمنيوم في شارع عبد النور في حارة حريك. عكّاوي من قرية الشيخ الداوود، «بس أنا كمان ابن الضاحية، آه خلقت هون وربيت هون وكل أصحابي من الضاحية»، يضيف: «بدك قلك زيادة، كلهم شيعة ومن الحزب». عمر، 22 عاماً، يعمل في الألمنيوم في ورشة أخرى في الضاحية مع أنه خريج جامعي، «ما بتصورش فلسطيني من البرج ممكن يؤذي أهل الضاحية». الشائعات التي تلت التفجير عن جنسية فلسطينية مفترضة للانتحاريين، تقلق الشّبان. «ليش بدهم يعملوا هي الشائعات ومين المستفيد؟ احنا منشتغل ومنروح ومنجي ومنعيش بالضاحية»، يقول حسن، موظّف في شركة دواء عمره 22 عاماً. يضع الشاب «نبريش» الأركيلة جانباً، «شيلك من الفتنة، لو اللي فجروا فلسطينيي، أصابيعك زي بعض؟ ما فيش لبنانيين فجروا وقتلوا؟ شو مالنا إحنا؟». هو أكثر من كلام عاطفي، يقول عمر إن الشهيد ميلاد شناوي هو من أبناء مخيم البرج، و«بيته على العنّان، هاد مش فلسطيني مات بالتفجير؟». حتى إن الشهيد الفلسطيني الثاني هو عفيف السيد، المعروف بأبو ليلى. «موظّف على قد حاله بشركة ألمكو، وعنده بنت... بشتغل أنا وإياه، وفي ست جرحى كمان من المخيم».
في الطريق من مشفى حيفا إلى مقرّ الجبهة الشعبية ـــ القيادة العامة، تلملم أم محمد حبّات البطاطا التي وقعت من الكيس الأزرق الرقيق أمام سوق الخضار. الحجّة وابنتها وجارتها قلقات من الاتهامات العشوائية التي ترمى على المخيم، «لكن الله يحمي المقاومة والضاحية والمخيم، إحنا منعرف انو في عقل، بس بتعرف النسوان بتخاف»، تقول الخمسينية.
على هاتف أبو راتب، المسؤول الأمني لـ«القيادة العامة» في لبنان مقطعٌ صوتي يجري تناقله على تطبيق «واتس أب»، حول معركة متخيّلة بين حركة أمل وأهالي المخيم، وحديث عن جرافات تتجمع على مدخل المخيم تمهيداً لاقتحامه! «شُفتوا، يا أخي هاد الكلام في عقل يصدقه؟ في أجهزة قاعدة بتنفخ بالفتنة بين الفلسطينيين والمقاومة، والتفجير بتوقيته السياسي هدفه المخيم وخلط الأوراق في الداخل اللبناني». ينضم إلى الجلسة «نمر»، رئيس اللجنة الأمنية في المخيم. الرجل يبدو واثقاً من «نظافة» المخيم من التكفيريين. المسؤولان ينسقان منذ اللحظة الأولى لوقوع التفجير مع حزب الله واستخبارات الجيش وباقي الفصائل، على لسان الرجلين كلام وحيد عن حملة بدأت لزرع الشقاق بين حزب الله والمخيمات الفلسطينية، تستهدف افتعال الاقتتال لتهجير الفلسطينيين وضرب حقّ العودة، وإغراق المقاومة بالدم!
تنتهي الجولة في شارع العنان. الشارع يلفّه الأسى، والحركة تكاد تكون معدومة. في البناء القديم قرب حاجز قوى الأمن الداخلي، تجول سيّدة على الجيران وفي يديها خبزٌ وملح، «دفعاً للبلاء» عن ولدها الذي نجا من التفجير. الجيران لبنانيون وفلسطينيون وسوريون، والمصاب واحد.