أحتمل الانتظار لساعات طويلة في «عجقة» الضاحية الجنوبية، أفعل ذلك بفرح لا إرادي، على خلاف انتظاري في زحمة المركبات على طريق صيدا ــــ بيروت غير المبرّرة. في الانتظار الطويل، ومن دون «أُفّ» واحدة، استمع إلى ندبيّة «يا أبا عبد الله» ونشيد «جمرات الرعد».


أفعل ذلك في مساحة كبيرة من الحريّة، فهنا لا جيش عدو يحاسبني، ولا جيش صديق يهيل عليّ محاضرات طويلة عن «الشيعة يلي جزّورا بالفلسطينية في حرب المخيمات». من نافذة السيارة، أنظر إلى البنايات التي شقّت طريقها إلى الله بعدما كانت ركاماً في عدوان تموز 2006، محاولةً تَخُيّل صور الآباء والأمهات الذين حملوا جثامين أبنائهم الشهداء، ووقفوا على أطلال حياتهم السابقة، يناجون الله في قلوبهم، فيما على ألسنتهم عبارة واحدة «فدا السيد حسن، وفدا المقاومة». أي بشر هم هؤلاء؟ يستحيل على عقلي استيعاب هذه المعادلة، وأجزم أنني لو كنت في مكانهم لفقدت عقلي وأصبت بالجنون.


التفجيرات ضد أهل الضاحية لا لأنهم «شيعة» بل لأن المقاومين استبقوا حرباً بشعة كانت ستنتقل إلى لبنان


كان تجنّب الموت قبل عامين أمراً مستحيلاً، فالتفجيرات، كصيام رمضان، فرضت فرضاً منزلاً على أهل الضاحية، لا لأنهم «شيعة» وقتلهم يعني فوزاً بالجنة بالنسبة إلى الانتحاريين، هذا هراء. بل لأن مقاومي حزب الله استبقوا حرباً بشعة كانت ستنتقل إلى لبنان فذهبوا بأجسادهم وأرواحهم إلى سوريا، ولو أنهم لم يذهبوا إلى الشام لكانت الانفجارات سبقتهم إلى كل لبنان، ولكانت التفجيرات «علمانيّة» لا تستثني طائفة أو مذهباً.
هناك من لا يفهم قراءة هذا «الرسم البياني»، أو بالأحرى نهشت عقله «ليبرالية الربيع العربي» أو سموم التكفيريين وبات، إرادياً، لا يرغب في الفهم، ولا يعرف تحديد رقمٍ في «دالّة» على محوري «إكس» و«واي».
الحقيقة... أغرمنا بالضاحية الجنوبية وأهلها منذ عدوان 2006، مع أن «الكاتيوشا» كانت تنهال فوق جبال الجليل التي قضينا طفولتنا فيها، وفوق بيوتنا، وأجسادنا، ومع أن هناك من استشهد منّا، إلا أننا لم نقل في يوم من الأربعة والثلاثين يوماً الداميّة كلمة واحدة تعني «كفى». بل حرقةً كنّا نبكي على أخوتنا في لبنان، قبل النحيب على أنفسنا، وكلّما ارتقى شهيد إلى مرتبة السماء، أو سقطت بنايّة في غمر التراب تفجّر ينبوع حزن في قلوبنا.
أمّا ولعي بالضاحية فهو في مراتب حبّ الله! وعلى هيئة «مالي شغل بالسوق»، أنا أيضاً «مالي شغل بالضاحية»، مروري هناك، واجتياز الحواجز الكثيرة، للوصول إلى مطعم، أو لشراء «الكري كري الحار» من على إحدى البسطات أجمل من ولوج «باب العامود» في القدس لشراء «كعك السمسم»، هذا ما أقوله لكل أصدقائي في فلسطين، فلا جيوش تحاصر الضاحية كما يحاصر العدو القدس، وهنا ترِّن موسيقى اللهجة الجنوبية في أذنك، فيما تنزل العبريّة في فلسطين على قلبك كـ«ماء النار».
في الضاحية، تبتسم لساكن فيها، من دون معرفة مسبقة فيه، يرّد الابتسامة، فتظن أنك ظفرت بقاتل عدوك في الجنوب، حباً في فلسطين قبل لبنان، «لكنه مجرد ساكن أقبل من الضيعة للعمل في العاصمة»، تبوح لنفسك.
هل ربيت على حب الضاحية وأنا في الجليل؟ نعم! فالجليل كلّه تربى على حب المقاومة وسيِّدها.
دون خوف أو وجل، بصدق ووعي وإرادة متكاملين، أقرّ بذلك! ولو بحت بأي حرف مغاير لسقطت في امتحان نفسي قبل أن أسقط في امتحان العدو والصديق معاً، وحين أسمع أن صديقاً يقيم هناك بدّل موقفه، لا أحزن. أراهن بجسدي وروحي أن يعود لحبه الأولِ، حين يحرر حزب الله الجليل.
الحزن ينخر قلبي كـ«سوسة» الأضراس. انفجارا برج البراجنه هزا كياني كلّه. رسائل إخوتي ووالديّ، وأقاربي وأصدقائي التي وصلتني من فلسطين لتطمئن إليّ، وضعتني في خانة الموت، فقد أمّر هناك ذات صدفة لأنني أحب «الكري كري الحار» و«اللحم بعجين» و«منقوشة الضاحية»، وقد أمرّ بجانب الانتحاري نفسه، قد أنجو وقد أموت، كمصير غيري من أهل ذلك المكان.
أتساءل لماذا قد يفجر انتحاري نفسه بين فقراء البرج؟ لا إجابة لدّي، فأنا لست خبيرة في شؤون التكفيريين، ولست اختصاصية في علم النفس... ولو كنت، يستحيل عليّ استيعاب فكرة أن يكره أحدهم الضاحية وفقراءها البسطاء!