ليست مُصادفة أن يخرج وزير الداخلية نهاد المشنوق بعد يوم واحد فقط من كلمة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله إثر التفجيرين اللذين ضربا منطقة برج البراجنة، ويكشف عن خيوط التحقيقات المتعلّقة بالعملية الإرهابية.


تحدّث المشنوق بصفته وزير داخلية سياسياً في مؤتمر، توقّع كثيرون أن تنحصِر وقائعه بالجريمة الإرهابية التي وقعت في الضاحية الجنوبية. فرغم أن العنوان الأساسي للمؤتمر الصحافي هو «الحديث عن إنجاز شعبة المعلومات، بالكشف عن الشبكة الإرهابية واعتقال المطلوبين في أقل من 48 ساعة»، إلا أن «الأهداف السياسية» للمؤتمر طفت على السطح، وجاءت أوضح من كل السطور الأمنية فيه. من خلالها، استكمل المشنوق، بما يمثّله، محاولات فتح المزيد من الأبواب بين تيار المستقبل وحزب الله. ووجد في هذه المناسبة فرصة ليتوّج ما قاله الرئيس سعد الحريري عن «أننا ننظر بإيجابية إلى كل توجّه يلتقي مع إرادة معظم اللبنانيين». فقد لفت وزير الداخلية إلى أن «هناك تلاقياً بين كلام السيد نصرالله والرئيس سعد الحريري»، ليؤكّد أن ما صدر عنهما قاعدة يُبنى عليها. هذا التأكيد لا يعني، بحسب المشنوق، أن «هناك شيئاً ما يُحضّر بين الحزب والتيار». لكن «حجم الكارثة يحشر الجميع إلى حدّ تصير معه الترجمة الفعلية للمواقف التي تصدر على لسان الجميع قريبة أكثر ممّا يتوقعه البعض».


خطاب المستقبل
دليل على «صحوة»
ولو متأخرة لإدراك حجم خطر الإرهاب


إذاً، ما بين حزب الله والمستقبل، كما يتبيّن من كلام المشنوق، تبادل رسائل يبدو مضمونها مطمئناً. في قراءة الموقف، يتأكد ما قاله المشنوق لـ«الأخبار» عن «الخطر المحدق بنا، وواقع أن هذه الاستهدافات ربما تتكرر وهي تفرض حقيقة أن الاستقرار السياسي هو السبيل الوحيد لحماية البلد وتحقيق الأمن فيه». لكن ما صدر لا يُمكن وضعه وحسب في سياق محاولة «تنفيس» مؤقت للاحتقان. فهذه هي المرّة الأولى التي لم يتحدّث فيها سياسيو تيار المستقبل، وبينهم وزير الداخلية، عن قتال حزب الله في سوريا بصفته «خللاً ساهم في إنتاج بيئات خصبة للتشدّد والتطرف». لذا ركّز على أن معركة الإرهاب ليست فقط مع الشيعة في لبنان، وإنما مع الدولة وكامل أجهزتها الأمنية. فقد أعلن بصورة غير مباشرة أن المستقبل، كـ«تيار معتدل» معنيّ بهذه المعركة، سياسياً، أو عبر «شعبة» المعلومات كأحد الأجهزة الأمنية التابعة له. وهو تعمّد، بحسب ما قال لـ«الأخبار»، إرساء نوع من التوازن حين لم يحمّل قرية حدودية المسؤولية عن تهريب الانتحاريين دون سواها، وتحديداً عندما دعا «القرى الحدودية الى الانتباه الى موضوع الحدود والتهريب»، فلم يتحدّث فقط عن تلك التي تُعرف بولائها لحزب الله. كما تقصّد الكشف عن «ضبط الجيش اللبناني 10 سيارات وعدداً من الدراجات النارية المفخخة في عرسال».
ووضع المشنوق انتخاب رئيس للجمهورية على رأس أولويات أي اتفاق سياسي، حين قال إن «الاستقرار السياسي لا يدوم من دون توافق القوى السياسية، وأن هذا البلد لا يمشي من دون رئيس، والنظام لا يعيش من دون رئيس، وعلى القوى السياسية مواكبة هذا الحدث، والاتجاه نحو التوافق السياسي». قد يبدو للكثيرين أن هذا الخطاب يُحبط أي مسعى توافقي، كون حزب الله يربط الملف الرئاسي بانتخابات نيابية وتأليف حكومة جديدة. لكن جوّ الطرفين يعكس أنهما يجهدان، ولو ببطء، للبحث عن تسوية سياسية شاملة، وكأنها باتت أمراً واقعاً ولا مناص منها بالنسبة إلى كليهما.
وفي غمرة الاشتباك الإقليمي، كان الحوار الثنائي بين المستقبل وحزب الله، ومن ثم الحوار الوطني في مجلس النواب، وصولاً الى التسوية حول الجلسة التشريعية. وهذا الكلام ينطلق من التقاء في النظرة بين الخصمين، ألا وهي عدم الرهان على الخارج، لأنه غير مهتم بالشأن اللبناني، وعلى اللبنانيين حلّ أمورهم بأيديهم.
واللافت أكثر أن هذه النقاط التقاربية فعلت فعلها بُعيد التفجير في برج البراجنة، فلم يخرُج المستقبل كعادته ملقياً اللوم على حزب الله وتدخله في سوريا، فأتى تضامنه أكثر صدقاً ورصانة. كما أن ذلك ينطوي على اقتناع مستقبلي (تراجعي) بضرورة عدم الرهان على الوضع السوري والتغيرات المأمولة هناك لفرض واقع سياسي جديد. فكلا الطرفين يدركان أنه في النهاية، لا غلبة لأحدهما على الآخر.