بعد أكثر من 10 سنوات، أُقرّ أخيراً قانون سلامة الغذاء في جلسة مجلس النواب المنعقدة في الأسبوع الماضي. تزامن إقرار القانون مع مرور سنة على اطلاق وزارة الصحّة حملة سلامة الغذاء، التي أثبتت للبنانيين أن طعامهم وشرابهم ملوّثان حتى بالبراز البشري وباصناف كثيرة من البكتيريا والجراثيم. أحرج وزير الصحة وائل أبو فاعور جميع الكتل السياسية وهيئات اصحاب الاعمال، بعدما لقيت الحملة صدى إعلاميا كبيرا. منذ ذاك الحين، وضع قانون سلامة الغذاء على سكة التشريع بعد تجميد طويل. دخل مشروع القانون في متاهة اللجان النيابية، وصار هناك صيغتان لتسوية الخلافات وحماية المصالح: الأولى قدّمها النائب عاطف مجلاني والثانية قدّمها النائب نجيب ميقاتي. النقاش الأساسي، الذي عرقل إقرار القانون سنة كاملة، تمثل في إشكالية إعطاء صلاحيات واسعة لـ»الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء»، المرتبطة برئيس مجلس الوزراء، وذلك على حساب صلاحيات الوزارات المعنية، ما أثار اعتراضات كثيرة من قبل هذه الوزارات، ولا سيما وزارة الصناعة. في النهاية جرى التوافق على صيغة مجدلاني المعدّلة، بحيث باتت تضمن التنسيق مع الوزارات بالحد الأدنى مع ارجحية لقرارات الهيئة.

يرتكز القانون على مبدأ مراقبة الغذاء «من المزرعة إلى المائدة»، أي انه يشمل تتبع ومراقبة سلسلة الغذاء بمراحلها كافة، بدءاً من الأرض والمصنع والاستيراد وصولاً إلى المتجر والمطعم، باستثناء الغذاء غير المعد للبيع الذي يحضر في المنازل ويخزن فيها للاستعمال الشخصي. يشمل القانون جميع أنواع المأكولات والمشروبات بما في ذلك المياه المعدنية، فضلا عن جميع المواد التي تستعمل في عمليات تصنيع الغذاء وتحويله واعداده وتعبئته ومعالجته وتسويقه إضافة الى جميع المنتجات الزراعية.


المهم اليوم هو إصدار
المراسيم التطبيقية للبدء
العمل بالقانون

يصف أبو فاعور اقرار القانون بـ»الإنجاز». وقال لـ»الاخبار» انه بات هناك اطار مؤسساتي لحملة سلامة الغذاء بعدما راهن الكثيرون على أن تكون «هبّة موسمية»، مشيراً الى أن الأهمية الأساسية للقانون تكمن في انه اوجد هيئة مهمتها ضمان سلامة الغذاء بعدما كانت هذه المسالة مهملة. إلّا أنّ إقرار القانون لا يعني بالضرورة أنّ الغذاء في لبنان أصبح سليماً، إذ يشير أبو فاعور الى أنّ «القانون رسم المسار التنظيمي أما تأمين سلامة الغذاء فهو مرتبط بسرعة اصدار المراسيم التطبيقية، وجدية الأشخاص الذين سيجري تعيينهم في الهيئة».
يرى رئيس جمعية حماية المستهلك زهير برو أنّ القانون «يتجاوب مع احتياجات السوق اللبنانية ويؤمن سلامة الغذاء. إلا ان المهم اليوم هو إصدار المراسيم التطبيقية من أجل بدء العمل بالقانون، إضافة الى أهمية أن تؤلف الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء بالإرتكاز على الكفاءات لا المحاصصة السياسية التي يمكنها أن تعطّل عمل الهيئة». ويشدّد على أن «توحيد الجهود عبر هيئة واحدة تتولى التنسيق مع الوزارات لتأمين سلامة الغذاء هي تجربة أثبتت نجاحها في مختلف دول العالم وليست اختراعاً جديداً».
في الآونة الأخيرة، أُثيرت نقاشات عديدة عن تفريغ القانون من مضمونه عبر إضعاف الرقابة الممارسة على المؤسسات الخاصة بفعل ضغوط التجّار واصحاب المصالح في اسواق الغذاء، الا ان ابو فاعور يرى أنّ «الرقابة لم يجرِ إضعافها بل صلاحيات الهيئة». يرى وزير الصحة أنه كان من الممكن أن يكون القانون أفضل إلّا أنه في الأجواء الحالية يُعد مقبولا. يتحدث ابو فاعور صراحةً عن الإشكاليات التي واجهت القانون، مشيراً الى أنه كان يجب أن تُعطى الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء صلاحيات كاملة من دون أي عراقيل متعلقة بصلاحيات الوزارات، اذ انّ مسألة سلامة الغذاء لا تقف عند اعتبارات سياسية.
وكان وزير الصناعة حسين الحاج حسن من اكثر المعترضين على صلاحيات «الهيئة الوطنية لسلامة الغذاء»، وهو اعلن مرارا تأييده لاصدار القانون، الا انه انتقد في تصريحات سابقة ان تكون «الهيئة» بمثابة مجلس وزراء بديل يضم وزارات الصناعة والزراعة والاقتصاد والصحة، ورأى ان مشروع القانون في صيغته الاولى يعطي الهيئة صلاحيات هذه الوزارات والادارات العامة أخرى، فيما المطلوب هو تعزيز صلاحيات هذه الوزارات والادارات لتقوم بعملها في تأمين سلامة الغذاء بدلا من تأليف هيئة بديلة عنها.
يشرح أبو فاعور أنه «كان مفترضا أن تُعطى الهيئة صلاحيات تنفيذية وتُنشأ أجهزة خاصة بها»، لكن ما حصل في الصيغة المقرّة «أن الأجهزة المعنية بسلامة الغذاء لا تزال معظمها في الوزارات، وأصبحت الهيئة نوعاً ما تشبه الإطار التنسيقي، بينما يجب أن تكون إطاراً حاسماً مستقلا من دون مراجعة أي وزارة». ففي الصيغة النهائية، كما عدلتها اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة وناقشها مجلس النواب واقرّها، تبرز عبارة «وبعد التنسيق مع الادارات المعنية»، وهذه العبارة أُضيفت على نحو مكرر على عدد من المواد المتعلقة بالقرارات التي تتخذها الهيئة، وهي الصيغة النهائية التي جرى الإتفاق عليها «كي لا يجري المس بالعقارات الطائفية الموزعة، لأن الوزارات لا تريد أن تتنازل عن صلاحياتها لرئيس الحكومة، إذ انّ الهيئة تقع تحت سلطة رئيس مجلس الوزراء»، وفق أبو فاعور.
يوضح وزير الصحة أنّ هذه الصيغة «هي عبارة عن تنسيق بين الهيئة والوزارات بحيث بقيت الصلاحيات للوزارات وبقيت الرقابة للهيئة، لكن لم يعد بإمكان الوزارات أن ترفض التوصيات التي تصدر عن الهيئة، وبالتالي فإن إيجابية القانون هي أن السلسلة الغذائية أصبحت بكاملها تحت رقابة جهاز واحد». إلّا أن المادة 46 من القانون، التي أخذت حيزاً كبيراً من نقاشات النواب، تنص على أنه «في حال وجود خلاف بين الهيئة وإحدى الإدارات حول القرارات أو التدابير الواجب اتخاذها المتعلقة بتطبيق أحكام هذا القانون، يعد رأي الهيئة مرجحاً ويُعمل به»، ما أثار اعتراض عدد من النواب، الذين طالبوا بأن تكون مرجعية الحسم لمجلس الوزراء. يعلّق أبو فاعور على الأمر بأنّ «الهيئة لديها استقلالية والوزارات لم تكن تقوم بواجباتها طوال السنوات الماضية، بدءاً من وزارة الصحة، اذ كانت مديرية الوقاية، المسؤولة عن سلامة الغذاء، مهملة ومخصصة للتوظيف السياسي، وبالتالي نحن بحاجة اليوم إلى عدم ترك قضية سلامة الغذاء لمزاجية الوزراء».