هو الانقسام في الآراء ذاته الذي يلي كل تطوّر أمني ـ سياسي يتعلّق بأحد مكوّنات الحرب السورية. اعتداءات باريس «وُلدت في سوريا»، أجمع المحللون، وعليه فإن ردّ الفعل يجب أن يترجم هناك في «معقل داعش». عيون المحللين واقتراحاتهم اتجهت الى الرقّة، عاصمة «الدولة الإسلامية» بحسب محتلّيها من المتطرّفين، التي حلّت محلّ «مركز القيادة» في أفغانستان وباكستان في المقالات. «داعش» عنوان الإرهاب (الجديد) والرقّة عاصمته الجديدة وسوريا ملعب مفتوح، ماذا سنفعل الآن؟ سأل الصحافيون والمعلّقون.


الآراء الأميركية انقسمت، كالمعتاد، بين مبرّرة لسياسات الرئيس باراك أوباما حيال سوريا، واخرى منتقدة لأدائه ولخططه منذ بداية الأزمة. حاول المبررون حصر الأحداث الأخيرة بفرنسا، وتسليط الضوء على «فشل الجهاز الأمني الفرنسي» في حماية البلاد برغم إنذارات كثيرة وردته عن احتمال حصول هجمة إرهابية، وبرغم بروز بعض أسماء المعتدين على اللوائح الأمنية، لكنّ منتقدي سياسات أوباما في سوريا علت أصواتهم مرة جديدة، مكرّرين نعيهم لكافّة الخطوات التي اتخذتها الادارة حيال سوريا وحثّهم على تصعيد التدخل الأميركي ضد «داعش» على الأراضي السورية.
جايمس جيفري، سفير واشنطن السابق في تركيا والعراق ونائب مستشار الأمن القومي، دعا صراحة الى إرسال «قوة عسكرية حقيقية» لمحاربة داعش. فـ«الدولة الإسلامية» بحسب جيفري لن تهزم على ما يبدو بـ«أنصاف الحلول» التي اعتمدها أوباما حتى الآن. والحلّ بحسب المستشار الأمني هو «بإرسال قوات عسكرية إضافية الى ميادين القتال السورية ضد داعش مدعومين بغطاء جوي». عديد الجنود، يقول جيفري، ليس من الضروري أن يكون كبيراً، ويقترح «٨ آلاف جندي» فقط ويمكن لجيوش غربية اخرى المشاركة فيها مثل فرنسا. السفير الأميركي السابق يردّ على معارضي التدخل العسكري في سوريا بالقول إن «الولايات المتحدة لن تتدخل في حرب أهلية قائمة بل الهدف سيكون القضاء على داعش على أن تنسحب القوات الاميركية من الأراضي السورية فور انتهاء المهمة».
قرار التدخل العسكري دعا اليه أيضاً ماكس بوت في مجلة «ذي كومنتري»، الذي اقترح نشر حوالى ٢٠ ألف جندي في العراق أولاً، ومنحهم صلاحيات قتالية ميدانية واسعة، إضافة الى إعطاء الأمر للقوات الخاصة بتصفية قادة «داعش». بوت يرى أنه على الإدراة الأميركية «حشد جهودها الدبلوماسية والعسكرية لخلق قوة سنّية مشتركة من دول المنطقة لمحاربة داعش». «لم ننجح بتأليف مثل تلك القوة لأن الرئيس أوباما كان مشغولاً بمغازلة إيران ـ التي يعدها السنّة عدواً لهم ـ بغية التوصل الى اتفاق نووي»، علّق بوت منتقداً أوباما.
من جهتها، ردّت افتتاحية «ذي واشنطن بوست» على الرئيس أوباما الذي اشتكى أخيراً من أن «كلّ من انتقد سياسته حيال سوريا لم يقدّم له بديلاً ملموساً غير زيادة عدد الجنود في سوريا والعراق». «بوست» قالت لأوباما إن كلامه هذا «غير صحيح»، لأن «قليلين أو لا أحد من منتقديه طالبوه بعملية عسكرية ضخمة كتلك التي شنّت في أفغانستان والعراق، كما أن عدداً من المستشارين عرضوا عليه حلولاً بسيطة، كان من شأنها أن تزيد الضغط على داعش لو اعتمدت».
وفيما كانت الرسائل الموجهة الى فرنسا قليلة في الإعلام الأميركي، برز مقال جوان كول في «ذي نايشن» الأميركية، وفيه دعا باريس الى «التوقّف عن الاصطفاف مع السعودية في الحرب ضد داعش». كول رأى أن فرنسا مثل السعودية لم تكن أولويتها محاربة داعش في سوريا، وقد سلّحت المملكة بكميات كبيرة من السلاح، بينما لم تشارك الأخيرة في الحملة ضد داعش! الكاتب يشير الى أن «المصالح الاقتصادية الفرنسية مع آل سعود»، هي التي خطّت سياسة فرنسا في سوريا، إذ إن باريس كانت من أشرس الدول التي دعمت مقاتلي المعارضة، وطالبت برحيل (الرئيس السوري) بشار الأسد». ويذكر كول أن «المقاتلين الذين تلقّوا الأموال الفرنسية تحوّل معظمهم الى متطرّفين وبعضهم انضمّ الى داعش»، ويلفت الكاتب هنا الى أن «لواء التوحيد المتطرف في حلب تلقّى دعماً صريحاً وكبيراً من فرنسا».
كول يتوجّه في مقاله الى فرنسا ومنها الى الغرب على نحو عام ويدعوهم الى «إعادة ترتيب أولوياتهم» بالنسبة الى سوريا، فهو يرى أنّ «التهديد الأول بالنسبة إليهم الآن هو داعش»، لذا يجب أن يعملوا على إزالته فوراً «ثم بعدها يأتي البحث في إسقاط الأسد». ويشير الكاتب إلى أن «الحليف الأكثر فعالية ضد داعش هو الجمهورية الإيرانية»، فيما يقول إن «السعوديين لا يريدون سوى إزاحة الأسد عن السلطة كي يحوّلوا سوريا الى ديكتاتورية دينية متشددة كما هو الحال في مملكتهم».
من جهة اخرى، برز موقف شبه موحّد في بعض الإعلام الأميركي («نيويورك تايمز»، «واشنطن بوست»، «فورين بوليسي»، «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» وغيرها) يدعو الى «عدم إقفال الأبواب بوجه اللاجئين السوريين بعد أحداث باريس»، إذ إن هؤلاء «يدفعون ثمن التطرّف أيضاً وقد هربوا من بلادهم بسببه».