في كفردبيان، عاصمة جرد كسروان، للمعركة الانتخابيّة البلديّة طابع خاصّ. هنا تأتي العائليّة أولاً، قبل الإنماء والتنمية، وقبل العمل الحزبي، وقبل أي مُعطى تطويري آخر، فيما تتداخل فيها الحسابات السياسيّة لجني الأطراف المتنافسة ما أمكنها من ثمار. من يدخل كفردبيان ملكاً، يتربّع على عرش الجرد، فهي البلدة التي حسم قلمها الانتخابي المعركة النيابيّة عام 2009 لمصلحة لائحة "التغيير والإصلاح"، وهي الأكبر مساحة، والبلديّة الأغنى في الجرد، إذ تتبع لها فقرا "محميّة السياسيين والخليجيين العقاريّة"، وعيون السيمان مركز السياحة الصيفيّة والشتويّة.

لا ينفكّ رئيس بلدية كفردبيان جان عقيقي، الأكثر إدراكاً لأوضاع الأرض، عن إعلان تنحّيه عن المعركة الانتخابيّة المرتقبة في منتصف أيار المقبل، يقول لـ"الأخبار": "أدّيت قسطي في العمل البلدي ولا نيّة لديّ في الترشّح، لكن هناك مطالبات لأعود عن قراري. أترك الخيار النهائي لنصف الساعة الأخير، فأنا لن أخوض الانتخابات إلّا ضمن لائحة توافقيّة لا تغيّب أحداً".
حتى اليوم، يصرّ الرجل على ترك مكانه، داعماً نائبه أنطوان زغيب لخلافته. لكنّه، في المقابل، يرزح تحت ضغوط آل افرام، وعائلته، وأصحاب المشاريع في عيون السيمان. يربط آل افرام معركة كفردبيان بجونية، وجان عقيقي محسوب عليهم بحكم الجذور التي تربط العائلتين المنحدرتين من "الجبّ" نفسه، وهو مرشّحهم الأوّل والأخير، فإذا سقطت مساعي التوافق في عاصمة القضاء، فلن يتخلّوا عن عاصمة الجرد. بدأوا بالضغط على عقيقي لخوضها، لأنّهم لن يقدّموها لأحدٍ على طبق من فضّة. يرفض آل عقيقي، الأكثر عدداً في كفردبيان، التنحّي لمصلحة أي عائلة أخرى. يلتزمون بجان عقيقي الذي رأس البلديّة لمدّة 12 عاماً، ولن يقبلوا دور الكتلة الناخبة الوازنة من دون الحصول على مقابل يُذكر، كونهم يشكّلون ثلث المقترعين في البلدة. لن يُجيّروا أصواتهم لآل زغيب، حتى لو كان "الريّس" رأس الحربة في معركتهم. أمّا أصحاب المشاريع، وخصوصاً آل رزق وطعمة الذين يديرون مراكز التزلج، فيطالبون ببقائه، إذ لطالما اتّبع سياسة الحوار، لا العقاب، مع كلّ مخالفة تُرتكب.

تحالف التيار والقوّات يعطي دفعاً لأي لائحة يدعمها، لكنه لا يحدّد طبيعة المعركة

المرشّحون المعلنون لرئاسة البلدية سبعة حتى اليوم، أغلبهم من الموجة الشبابيّة التي تسعى إلى خلق نموذج جديد للعمل الإنمائي، بعدما شوّهت المرامل والكسارات البلدة، وتحوّلت منطقة فقرا التاريخيّة إلى محميّة لأصحاب النفوذ والرساميل، وهجرها أهلها، وأغلبهم من المزارعين، بفعل تنامي البنيان وغياب المخطّطات التوجيهيّة الضامنة لحقوقهم في أراضيهم.
الموجة الشبابيّة لا تخرج عن العائليّة الطاغية، خصوصاً أن الأحزاب غير قادرة على تشكيل لوائح خاصّة، وينحصر دورها بالتحالف مع مرشّحين لقاء الحصول على مقاعد في المجلس البلدي. يكاد يكون الحضور القواتي والكتائبي متواضعاً، فيما يشكّل التيار القوّة الأكبر بنسبة 70% من المقترعين نيابياً، إلّا أن عدد الملتزمين ينحصر بـ130 حامل بطاقة حزبية، موزّعين على كتلتين، الأولى متمثّلة في منسّق الهيئة المحليّة شربل سلامة، والثانية مؤلّفة من معارضيه بعدما أعلن رفضه تولّي الوزير جبران باسيل رئاسة الحزب بداية، ثمّ أمال الدفّة نحوه. يؤكّد منسّق التيار في البلدة لـ"الأخبار" أن "الحزب لم يعلن موقفاً من التحالفات بعد، ولكني في المضمون أؤيّد أنطوان زغيب (نائب الرئيس الحالي والمحسوب على تيار "المردة") الذي كان الداعم الأساسي لمكتب التيّار في كفردبيان، وتربطني به صداقة متينة". يستبعد سلامة رفض القاعدة لهذا الخيار، ولا يربط دعمه له بالمصالح المشتركة بينهما أو حتى دعم منسّق القضاء له، يؤكّد: "نحن رافضون لأي لائحة مدعومة من الكتائب، لكن القرار الرسمي يخرج في النهاية عن المجموعة الحزبيّة كاملة، ومطالبنا واضحة: منصب نائب الرئيس مع عدد من الأعضاء".
أنطوان زغيب هو أول المرشّحين؛ أعلن رغبته الترشّح لرئاسة البلديّة منذ الصيف الماضي. وهو مدعوم من جان عقيقي "رداً للجميل"، بعدما خاض الانتخابات السابقة معه وحلّ نائباً له، ومن مسؤول القوات في البلدة شربل زغيب بحكم القرابة التي تربطهما (ابنا عم)، ويؤمّن له منسّق التيار في قضاء كسروان جيلبير سلامة غطاءً من خلال منسّق التيّار في البلدة شربل سلامة. يؤكّد زغيب لـ"الأخبار" أن علاقته جيّدة مع كلّ الأحزاب، ويرى أن "تحالف التيار والقوّات يعطي دفعاً لأي لائحة يدعمها، لكن ليس هو (التحالف) من يحدّد الخطوط العريضة للمعركة، كونها عائليّة بامتياز".
يشكّل اسم زغيب حساسيّة لبعض أبناء البلدة. يعتبرونه غير مناسب لهذا المنصب، إذ "فرّط" في البلدة عندما كان مؤتمناً عليها بصفته نائباً لرئيس البلدية، واستحدث مرملة في قطعة أرض تبلغ مساحتها 10 آلاف متر مربّع بغطاء من لودي صفير (شقيقة ميشال سليمان) التي تربطه بها علاقة ممتازة. يسخّف زغيب هذه الاتهامات، ويقول: "علاقتي بالستّ لودي جيّدة، وتربطني بعائلتها صداقة قديمة، ولكن ما يُقال عن استفادتي منها استخفاف بالعقول". يعرض زغيب رخصة استحصل عليها قبل مباشرته استخراج الرمل، ويقول: "ستكون هذه الأرض مثالاً لكلّ من استحدث محفاراً في البلدة. صحيح أنني استخرجت الرمل منها، ولكنني سأستصلحها وأجعلها الأجمل في البلدة، وأرسل الصور قبل الانتخابات"، وعدٌ جمّد تنفيذه حتى اليوم.
تبقى حظوظ زغيب متأرجحة؛ فلا القاعدة العونيّة تميل إليه، ولا تلك القواتيّة، كونه "مُسمى" على المردة وتربطه علاقة عائليّة بالقيادي "المرديّ" المحامي شادي سعد. أمّا عائلته، التي نال مئة من أصواتها الثمانمئة في الانتخابات السابقة، فمنقسمة بينه وبين حبيب زغيب المرشّح الآخر للبلديّة.
المرشّح الثاني البارز هو وسيم مهنّا المدعوم من العائلات الصغرى التي تشكّل ثلث ناخبي البلدة، ومن قسم كبير من العونيين والقواتيين، وله الكثير من الخدمات. يملك مهنا شعبيّة لافتة، وهو خاض الانتخابات الاختياريّة عام 2010 وحصد المرتبة الأولى في البلدة بعدما تفوّق على "الريّس" بخمسين صوتاً. نجح خلال ست سنوات من نشاطه اللافت في المخترة في خلق موجة شبابيّة مؤيّدة لمواقفه. وكان في طليعة قاطعي الطريق على أحمد الأسير يوم أراد التزلج في عيون السيمان، ولم يستطع أحد إقناعه بفتحها. لكن علاقاته الجيّدة مع الجميع لم تنسحب على منسّق التيار في البلدة وبعض أعضاء الهيئة المحليّة، فيما يؤكّد مهنا لـ"الأخبار" أن "الخلاف سببه شخصي، بسبب "ورشة"، تطوّر إلى تهديد وقدح وذم وتشهير، ودعاوى متبادلة أمام القضاء". خلاف لم ينعكس على القاعدة العونيّة ولا على بعض الملتزمين في التيّار الذين يسوّقون له رئيساً للبلديّة.
"المرشح الثالث" البارز، اثنان: بسّام سلامة وحبيب زغيب، اللذان يمكن أن ينافسا، في حال تحالفهما معاً، وهما مدعومان من الكتائب ومن قوّاتيين ومن عائلتيهما. الأوّل ينتمي إلى عائلة كتائبيّة تاريخياً، فوالده كان رئيس القسم في البلدة، وهو عضو في البلدية منذ 18 عاماً. يملك دعم عائلته التي تضم نحو 450 صوتاً، وله حيثيّته، إذ يحلّ ثانياً بعد عقيقي في الانتخابات البلديّة. تؤخذ عليه مواقفه المنتقدة للأداء البلدي، والشكاوى الكثيرة التي قدّمها فريق عمله ضدّ البلديّة، من دون أن يقدّم استقالته مرّة منها. أمّا هو فيعتبر نفسه قائد المعارضة ورأس حربتها، ويؤكّد لـ"الأخبار" أن "البلدة شهدت أعمالاً كثيرة، لكنها بحاجة إلى ما هو أفضل. أنا متسلّح بدعم عائلتي كاملة، وبتمسّكي بالعناصر الشابة، وبإصرار على تشكيل لائحة تضمّ كلّ العائلات". تبقى حظوظ سلامة متقدّمة في حال تحالفه مع حبيب زغيب، المرشّح الآخر لرئاسة البلدية، والذي يملك أكثرية أصوات عائلته، إضافة إلى تعاطف قواتيي كفردبيان معه، نظراً إلى تقارب الأهواء السياسيّة بينهم، ودعم أنطوان دونا زغيب، أحد رأسماليي البلدة، المقرّب أيضاً من الرئيس الحالي جان عقيقي، ويسعى إلى استقطاب دعمه لمصحلة حبيب.
وإضافة إلى المرشحين البارزين، يُتداول بأسماء ثلاثة مرشّحين من آل عقيقي، اعتراضاً على "التنازل عن البلديّة لآل زغيب"، هم: جاك عقيقي ووسيم عقيقي (ملتزم بالتيار الوطني الحرّ لكن حظوظه ضعيفة)، والقنصل أنطوان عقيقي الداعم الأول لأحد أكبر حفّاري المرامل في البلدة طوني ميخا عقيقي.





هدر وتهرّب ضريبي!


رغم كونها من أغنى بلديّات الجرد، نظراً إلى الأموال الطائلة التي تجنيها من أصحاب المشاريع السياحيّة في عيون السيمان وأصحاب القصور في فقرا، إلّا أن كفردبيان ترزح تحت مجموعة من المشكلات والأخطار. تُعدّ البلدة أكبر ورشة بناء لكثرة المشاريع العمرانيّة التي تنفّذها شركات كبرى خاصّة مثل سايفكو وبروبرتي بلاس وأحلام ولي روش. يعيش أهلها بطالة سافرة، أغلبهم إمّا من المزارعين الذين قضى العمران على أراضيهم، أو من أصحاب المهن اليدويّة والحرّة، وتنافسهم على أعمال البلدة يد عاملة تُستقطب من خارجها. تضاف إلى ذلك أزمة المرامل التي شوّهت معالم الجبل وكانت البلديّة عاجزة عن إيقافها بسبب الغطاء الأمني والسياسي الذي توافر لها. أمّا على مستوى الأداء البلدي، فهناك علامات استفهام عدّة، طرحها أعضاء فيها، من ضمنها غياب الدراسات عند إعداد المشاريع، وعدم وجود مهندس في البلديّة أو لجنة أشغال متخصّصة، ما اضطرها الى إعادة تنفيذ بعض المشاريع مرّات عدّة، وتوجيه اتهامات بهدر المال، مثال على ذلك استئجار أرض من دير بزمار مقابل البلديّة لتحويلها إلى حديقة عامّة منذ أربع سنوات، فيما المشروع عالق، ووجود مخالفات في أبنية بعض المتموّلين في فقرا، وتهرّب أصحاب مشاريع التزلج من دفع ضرائب المواقف، إضافة إلى التلاعب بالقيمة التأجيريّة للأبنية لتخفيف نسبة الضرائب، عدا عن غياب النشاطات الثقافيّة وإيقاف مهرجانات فقرا الدوليّة بسبب الكيديّة والعرقلات الداخليّة.