إثر المصالحة التي تمت بين رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون ورئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع في كانون الثاني الفائت، جرى الاعتقاد أن الازمة الرئاسية قد تكون في طريقها نحو حل سريع، بعدما خلط تفاهم معراب الاوراق الرئاسية. لا شك في أن لقاء الخصمين المسيحيين أحدث صدمة في الاوساط السياسية في اللحظات الاولى لحصوله: عنصر المفاجأة بترشيح جعجع لعون كان قوياً بما يكفي ليحرك الجو السياسي برمته. يكفي أن التفاهم فعل فعله المباشر في الاوساط المسيحية، وتحديداً الشعبية منها، التي تفاعلت معه الى الحد الاقصى بطيّ صفحات الماضي وإنهاء الصراع الدامي الطويل. وإذا كان التفاهم قد كرّس القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر كأكبر مكوّنين مسيحيين لهما وجودهما الاساسي وثقلهما في الشارع المسيحي، إلا أن الاطراف السياسيين الآخرين حاولوا منذ حصول اللقاء بين عون وجعجع خنق الصدى القوي لهذا التفاهم تدريجاً.
«تفاهم معراب»

يحتاج في ظل استمرار الشغور الرئاسي الى خطوات أكثر عملانية


وبحسب مصادر سياسية، فإنه بعد ثلاثة أشهر على ترشيح جعجع لعون، اتضح أن اتفاق أول قوتين مسيحيتين وأكثرهما تمثيلاً، لم يُعطَ الصدى المطلوب، لا سيما في الملف الرئاسي، إذ سعى الاطراف المناوئون للتفاهم الى تخفيف وطأته، واستمر تعاطيهم مع القوى المسيحية وكأن التفاهم غير موجود، وأن لقاء معراب لم يحصل. ورغم أن القيادات الرئيسية في المكوّنات الاخرى، كالرئيس نبيه بري والرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط، أكدوا مراراً ضرورة التفاهم المسيحي على موضوع رئاسة الجمهورية، إلا أنهم بعد حصول التفاهم والصدمة الايجابية التي أحدثها لدى غالبية المسيحيين، قفزوا فوقه، وحاولوا القضاء عليه من خلال الاستمرار في تجاهله وكأنه لم يكن. فبدأوا التنصل من مواقفهم السابقة بضرورة تفاهم الموارنة على الرئيس الجديد، وإطلاق النار على التفاهم والتخفيف من وطأة التفاهم المسيحي على الملف الرئاسي، كذلك قال بري حينها إن "اللقاء ليس كافياً لانتخاب رئيس".
لم تلاق القيادات السياسية الاخرى التيار والقوات عند منتصف الطريق، لا بل ظلت متمسكة بخياراتها الرئاسية، بعيداً عن تفاهم معراب. وتطور تجاهل هذه القيادات له منذ ثلاثة أشهر حتى الآن، من الملف الرئاسي الى كل ما عداه من ملفات سياسية مهمة، الى حدّ تمييع أي قضية داخلية يسعى الطرفان المسيحيان الى اتخاذ موقف موحّد منها. ولم تقتنع هذه القيادات بأن الشارع المسيحي أعطى لهذا التفاهم شرعيته، وأن من قاما به هما من زعماء الصف الاول المسيحي، وهما يمثلان في مكان ما ضمير الحالة المسيحية التي ظلمها النظام السوري وحلفاؤه في لبنان، ودفعا ثمنها غالياً. لم يتجاوب أحد مع الزعيمين المارونيين بمصالحتهما وسعيهما الى تحريك الملف الرئاسي، لا بل ظهر وكأن ثمة سعياً حثيثاً الى إبقاء الوضع الداخلي على حاله: لا رئاسيات في الافق، بل تمييع واضح، وتظهير مستمر لكل المشكلات اليومية والملفات الحياتية كالنفايات أولاً، ومن ثم فضائح الانترنت وملفات الفساد في المؤسسات الامنية، حتى طغت على كل ما عداها من عناوين أساسية، وخصوصاً رئاسة الجمهورية.
لكن بقدر ما يحاول خصوم عون وجعجع تجاهل هذا التفاهم رئاسياً، وعلى كل المستويات الاخرى حكومياً ونيابياً، ثمة خشية من أن يدخل التفاهم في الروتين السياسي والرئاسي، بعدما حلّ عون ورئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية كمرشحين بدلاً من عون وجعجع.
الحرص على التفاهم والإحاطة به يفترض خطوة نوعية عملية لم يذهب اليها بعد عون وجعجع، ولم يقوما بدفع جديد لها. فخوض الانتخابات البلدية والدخول في تفاهمات أو حتى في متاهة خلافات العائلات والفروع لم يكونا هدف المصالحة، ولم يكونا عند انطلاق التفاهم من عناصره. والذهاب الى جلسة التشريع موحدين ليس ثمرة التفاهم الاخير، بما أن الطرفين سبق أن التزما الموقف نفسه سابقاً قبل المصالحة.
العودة الى السلطة وتأكيد التمسك باتفاق الطائف ودوره والعمل به على كل المستويات ودور المسيحيين فيه وفي الحياة السياسية ووضع رئاسة الجمهورية في مقدم الاهتمامات وكبند رئيسي، هي هدف التفاهم الاساسي. وإلا فإن الحكومة ستبقى على حالها مع كل المشاكل التي تتخبط فيها منذ عامين حتى الآن، وستبقى أبواب المجلس النيابي مشرعة للضغوط المتبادلة، وستبقى طاولة الحوار الخارجة عن سياق عمل المؤسسات تحل محل السلطة السياسية كاملة، فيما يتم التعامل مع القوتين المسيحيتين الاساسيتين وكأنهما غير موجودتين، ويتم التعامل مع انتخابات رئاسة الجمهورية كعنوان فرعي وليس كاستحقاق أساسي.
"تفاهم معراب" يحتاج في ظل استمرار الشغور الرئاسي الى دفع قوي من عون وجعجع، والى خطوات أكثر عملانية، كي تتبلور أهمية هذا الاتفاق الذي كرّس مصالحة مسيحية تاريخية، لأن المراوحة والانشغال في ملفات جانبية، ولو كانت مهمة، سيضيّعان الغاية من الاتفاق الذي صيغ التفاهم لأجلها، والتي تحاول القوى المناوئة لهما تجاهلها والتقليل من أهميتها: انتخاب رئيس للجمهورية، وترشيح جعجع لعون والإتيان به رئيساً.