لم تقتصر المحاولات الإسرائيلية في الاستفادة من التطورات التي تشهدها الساحة السورية على المجال الأمني، بل تحاول أيضاً الآن انتزاع اعتراف وشرعنة دولية لاحتلالها للجولان واعتباره جزءاً لا يتجزأ من دولة إسرائيل. ولهذه الغاية، كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو صريحاً ومباشراً في توجيه رسالة مفادها أن الجولان سيبقى تحت الاحتلال الإسرائيلي ولن تتنازل عنه ضمن أي تسوية مستقبلية تتصل بالساحة السورية. هذا مع الإشارة إلى أن الطموح الإسرائيلي في هذا المجال ليس جديداً، لكن المستجد فيه الإعلان الصريح عنه وتوقيته.

في مراحل ومناسبات سابقة، أوضح الإسرائيليون جانباً من خلفية تمسكهم باحتلال الجولان، وتحديداً لجهة موقعه ضمن الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية. لكن على مستوى التوقيت، المؤكد أنّه مرتبط بالنظرة الإسرائيلية إلى الاتصالات الدولية التي تجري برعاية الأمم المتحدة، بهدف التوصل الى تسوية سياسية في سوريا. وعشية توجّه نتنياهو في الأيام المقبلة الى موسكو للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أكدت جهات رسمية إسرائيلية أن هذه القضية ستكون على جدول اللقاء، حيث سيشدد نتنياهو على الموقف الذي أعلنه. وبحسب صحيفة «هآرتس»، ربطت مصادر رفيعة في مكتب رئيس الوزراء موقف نتنياهو بطلب قدّمه الرئيس بشار الأسد بأن يكون أحد المبادئ التي تستند إليها الاتصالات الدولية. وبحسب القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي، هناك مخاوف كبيرة في إسرائيل من أن تؤدي مبادئ مبعوث الأمم المتحدة إلى المحادثات، ومن ضمنها أن الجولان أرض سورية، الى سحب شرعية الوجود الإسرائيلي في الجولان. وعلى هذه الخلفية، سارع نتنياهو إلى عقد هذه الجلسة، التي هي جلسة إعلانية، أكثر منها سياسية، أمام الكاميرات والمراسلين والإعلام.
مع ذلك، تجدر الإشارة الى أن توقيت الاجتماع كان متزامناً مع احتفال دروز الجولان باستقلال سوريا، مع ما ينطوي عليه هذا التزامن من رسائل أرادت القيادة الإسرائيلية توجيهها الى كل من يعنيه الأمر.

خطط اقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستيطان في الجولان

أيضاً، تبقى للمواقف الإسرائيلية المتشددة، سواء في ما يتعلق بالجولان أو الضفة، أبعاد أخرى. وبالمقارنة مع الموقف في الساحة الفلسطينية، لا تعلن إسرائيل أنها لن تنسحب في أي ظروف من الضفة الغربية، بل تتبع سياسة تسويف تهدف الى تكريس احتلالها للضفة الغربية بطرق التفافية. وتقوم بذلك عبر قطع الطريق على أي مسار يؤدي الى اتفاق نهائي يفرض على إسرائيل الانسحاب من أجزاء من الضفة. أما في ما يتعلق بالجولان، فكان موقف نتنياهو صريحاً ومباشراً وحاداً وفي سياقات سياسية إقليمية ودولية تتصل بالساحة السورية. ولا يخفى أن هذه المواقف المتشددة تستند إلى قراءة تؤكد بالحد الأدنى على ضرورة انتظار ما ستؤول إليه التطورات الإقليمية والصيغة التي سيرسو عليها المشهد الإقليمي، وترى أيضاً أن أي خطوة تراجع الى الوراء تنطوي على مخاطر كامنة وفعلية. وأكثر ما ينطبق هذا التقدير الأمني على جبهة الجولان، في ظل وجود نظام معادٍ لإسرائيل وداعم للمقاومة، فيما على الساحة الفلسطينية توجد سلطة تربطها اتفاقية سلام مع إسرائيل.
أيضاً، لم يفوِّت نتنياهو فرصة الاستفادة من الأسلوب الذي تعمد من خلاله تظهير الموقف ومكانه. فاختار أن يكون من خلال جلسة للحكومة في الجولان، الذي سن الكنيست قانوناً لضمه الى إسرائيل في عام 1981. ويخدم هذا الشكل مضمون الرسالة ببعدها الدولي، والداخلي أيضاً، كونه يعزز صورته كزعيم لمعسكر اليمين.
ولم يترك نتنياهو للاجتهادات والتحليلات افتراض مضمون الرسالة ووجهتها، بل كان مباشراً بالقول «أنا أنقل رسالة واضحة، ستبقى هضبة الجولان في أيدي إسرائيل الى الأبد، ولن ننسحب منها مطلقاً». وكي لا تبقى مواقفه كلامية فقط، تعمد إرفاقها بخطوات عملية تجسدت بالمصادقة على خطط ومشاريع اقتصادية واجتماعية، تهدف الى تعزيز الاستيطان الإسرائيلي في الجولان. ولفت نتنياهو الى أن «عدد سكان الجولان يبلغ نحو 50 ألف شخص، وهناك أيضاً آلاف العائلات التي ستنضم إليها خلال السنوات المقبلة ونحن سنعمل على تعزيز الاستيطان فيها».
وفي ما يتعلق بالتسوية في الساحة السورية، وانعكاسها على الوضع في الجولان وإسرائيل، أكد نتنياهو أنه خلال حديثه مع وزير الخارجية الأميركية جون كيري شكك بأن تعود سوريا الى ما كانت عليه ذات مرة، وتعمد الحديث عن المكونات السورية الطائفية التي رأى أنها باتت تشعر بأنها باتت مطاردة، وهو ما يؤكد ويعكس الرهان الإسرائيلي على تفكك سوريا. وأضاف نتنياهو لكيري أن إسرائيل «لن تعارض تسوية سياسية في سوريا، بشرط أن لا تأتي على حساب أمن دولة إسرائيل». وأوضح المصالح الأمنية الإسرائيلية بالتأكيد على «إبعاد قوات إيران وحزب الله من الأراضي السورية». ومن اللافت أيضاً مطالبة نتنياهو بإبعاد «داعش» عن الساحة السورية، من دون غيره من التنظيمات الإرهابية كتنظيم «القاعدة ــ جبهة النصرة» مثلاً.
ضمن السياق نفسه، أوضح نتنياهو «آن الأوان كي يعترف المجتمع الدولي فعلياً، وفي الأساس بحقيقتين أساسيتين. الأولى، لن تتغير الحدود. والثانية، آن الأوان بعد مرور خمسين عاماً لأن يعترف المجتمع الدولي أخيراً بأن هضبة الجولان ستبقى إلى الأبد تحت السيادة الإسرائيلية».