عندما صدر كتاب «أمبراطورية» لأنطوني نيغري ومايكل هارت عام 2000، كانت تلك اللحظة، على الصعيد النظري، إحدى اللحظات المؤسِّسة لتيّار أيديولوجي مهيمن اليوم يدعى «ما بعد الحداثة» Postmodernism. أراد نيغري في هذا الكتاب، وهو منظّر اليسار الثوري الإيطالي المعروف خلال الستينيات والسبعينيات، واليساري المرتدّ في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وبتأثير من التيّارات الفلسفية التركيبية والما ـــــ بعد تركيبية الفرنسية، كتابة بيان «ما بعد حداثوي» في مقابل مانيفستو شيوعي سابق أصبح بائداً برأيه، وذلك على أسس أنطولوجية ـــــ أوّلية ـــــ جديدة.


هلّل كثيرون من مثقفي الأمبراطورية الأميركية وخبرائها للكتاب المليء بالأخطاء النظرية. كتاب يمكن تلخيصه بأنّه مزج تسطيحي وإسقاطي لمفاهيم ميشال فوكو عن تحليل الخطاب، مع مفاهيم كارل شميدت حول فضاء «الاستثناء»، الذي كان ينظّر حينها لأمبراطورية الرايخ، كلّ ذلك مع غياب شبه كامل لتحاليل الاقتصاد السياسي. حينها، يتحوّل العالم بأسره الى فضاء يتميّز بالحركة الحرّة للرأسمال والبشر، والسفر الآني للمعلومات والرموز عبر وسائل اتصال تتطوّر بسرعة مذهلة. هذا العالم هو خليطٌ مبهم من الأفكار والأشياء المتحرّكة التي تحمل في طيّاتها قدرة تحريرية مفترضة للفرد الما بعد حداثوي المتمركز حول نفسه، والذي يعيش في عالم لم تعد فيه حدود الدولة الوطنية تعني شيئاً. إنّه عالم «ما بعد أيديولوجي»، لم تعد فيه النظريّات التي تحاول فهم العالم وتغييره جذريّاً مجرّد سرديات شموليّة (Meta ـــــ narratives) أكلها العفن، وتنتمي ببساطة إلى عصر مضى إلى غير رجعة. ليس في هذا الفضاء الأمبراطوري سوى تجمّع لأفراد ما بعد حداثويين سمّاهم نيغري «السّواد» Multitude، لا يمكن تمييز بعضهم من بعض حسب الطبقة أو القومية. لا مكان هنا بالطبع لتحاليل تتكلّم عن الأمبريالية أو الاستغلال الاقتصادي، فالولايات المتحدة نفسها ليست قوة أمبريالية، بل يصادف أنّها القوة الوحيدة في العالم القادرة على الحفاظ على «المواطنة المعولمة» Global Citizenship ـــــ مفهوم جُلب من الفلسفة الكانتيّة ـــــ التي يجسّدها هذا السّواد، ولها الحقّ الأخلاقي بالمحافظة على تلك المواطنة الجديدة.
إنّها «أمبراطورية من دون مركز» كما كتب نيغري، مشبّهاً إيّاها بالأمبراطورية الرومانية حيث التعبير الديموقراطي الفردي تجسّده شبكة الإنترنت، وحيث تنحصر إمكانية التغيير في المشاريع الصغيرة التي تعد بتجاوزات لحظوية متلاشية للاضطهاد المؤسسي، كالقيام بتظاهرات لحقوق المثليين بديلاً من حقوق العمّال، والتمركز حول نظرة ثقافوية جوهرانية للآخر، نذكر منها على سبيل المثال خطابات الثقافة التي درجت أخيراً في لبنان من ثقافة الحياة وثقافة الموت وثقافة المقاومة، بدلاً من الاهتمام بالاستغلال الطبقي وازدياد الهوة المادية بين الفقراء والأغنياء. إلّا انّه، منذ 11 أيلول 2001، تعرّضت تلك النظرة إلى ضربات عدّة على مختلف المستويات التفسيرية كانت آخرها تسريبات ويكيليكس.

ويكيليكس وأزمة «ما بعد الحداثة» الثالثة

أوّل الغيث بعد كتاب نيغري وهارت كان أحداث 11 أيلول عام 2001. وقد نتج من ذلك بدء مسلسل «الحرب على الإرهاب» على يد «الكاوبوي» الأميركي، ثم احتلال أفغانستان والعراق الذي يستمرّ حتى اليوم. عنى ذلك أنّ الأمبريالية الأميركية كانت موجودة دائماً رغم كلّ التورية الأيديولوجية التي تتكلّم عن قدوم عالم وإنسان جديدين. كذلك عنى أيضاً أنّ كلّ الكتابات عن عصر «ما بعد أيديولوجي» كانت محض هراء، وخصوصاً بعدما أصبحت الدمقرطة التي تجري عبر المسدّس الأميركي هي الحجة الأولى التي تُحتلّ من أجلها الدول وتُباد من أجلها الشعوب. رغم كلّ شيء، فإنّ بعض مريدي الما بعد حداثوية رأوا أنّ الولايات المتحدة تؤدي دور الشرطي العالمي لتحافظ على «المواطنة المعولمة» ممّا يسمّى الإرهاب والإرهابيين. لكنّ احتلالَي العراق وأفغانستان كانا، ولا يزالان، منهِكَيْن للقوّة العسكرية الأمبراطورية، وذلك مع اشتداد المقاومة هناك، فلم تعد تلك القوّة تقدر أن تفعل ما تريد حيثما تريد. كان هذا أوّل فشل مباشر وعملي للتخيّل الما بعد حداثوي للأمور على المستويين السياسي والعسكري.
أما المستوى الثاني الذي جرى فيه تجاوز النظرة الما بعد حداثوية للعالم، فكان الأزمة الاقتصادية العالمية التي تهزّ الكرة الأرضية كلّها منذ عام 2008. فالمنظّر الما بعد حداثوي لا يعنيه أيّ تحليل مادّي أو اقتصادي للعالم. إنّه يهرب من ذلك عبر اعتناق النيوليبرالية الاقتصادية «الموجودة بالفعل» لأنّه يتجاهل أهميّة النقد الماركسي. ليس ذلك لأنّ لديه الحجة الدامغة على تفوّقها على الاشتراكية مثلاً، بل لأنّه يكره كلّ أنواع الحدود، وخصوصاً تلك التي تُفرض على حركة الرأسمال. لقد حدا ذلك بالناقد الأدبي الأميركي فريدريك جايمسون إلى القول إنّ الما بعد حداثوية ليست إلّا الأيديولوجيا المهيمنة للنظام النيوليبرالي، أي أنّها رجعية في أساسها وبدون أي محتوى تحريري. إنّها تورية للنيوليبرالية المتوحشة وهيمنة الأمبريالية الأميركية تحت ستار مقولات سمعناها مراراً مثل «العولمة المفيدة للكلّ» وقدوم عصر «القرية الكونية».
أما ما يحدث اليوم مع «ويكيليكس»، فيمكن القول إنّه يسجّل الأزمة الثالثة والأعمق لما بعد الحداثة، التي قد تكون الأخيرة قبل أفولها التام. نكون أمام أزمة وجودية حقيقية، عندما تنتشي وسائل إعلام كوربوراتية مثل «فوكس نيوز» الأميركية، التي يفترض بها أن تكون من أعمدة القرية الكونية المنشودة، بتسليم أسانج نفسه، بينما أسامة بن لادن، العدو المفترض للأمبراطورية، حرّ طليق. كذلك هي أزمة عميقة لكلّ من ينظّر لعالم أميركي جديد حين تطالب النخب الأميركية، الديموقراطية منها والمحافظة على حدّ سواء، وبنحو هستيري، بإغلاق ويكيليكس بينما معتقل غوانتانامو لا يزال مفتوحاً على مصراعيه.

الدخول إلى أحشاء الأمبراطورية

تجسّد ويكيليكس، استثنائياً، حقيقة ديموقراطية العالم الما بعد حداثوي المفترضة، إذ يقال لنا إنّ الإنترنت له القدرة التحريرية نفسها التي تملكها محكمة ثورية هي تحت إمرة أطراف أصابع كلّ منا. يختفي كلّ ذلك فجأة عندما يهدّد الإمبريالية العالمية مبدأ «ديموقراطية المعرفة» الذي بُنيَ عالم ويكيليكس الافتراضي على أساسه جدّياً. لاحظوا أنّه لم يعد هناك من تفسيرات وتعبيرات أيديولوجية أخرى بديلة لشرح ما يجري مع ويكيليكس غير استعمال كلمات مثل إمبريالية والطبقة الرأسمالية العالمية المسيطرة. لقد عادت تلك المفاهيم التفسيرية بنحو تلقائي ومظفر. يشرح كلّ ذلك مقدار عمق أزمة الأيديولوجيا السائدة اليوم. لقد اختفى فجأةً الكلام عن توازي السرديات وتعدد الثقافات والديموقراطية بنسختها الأميركية، وأصبح السيناتور جو ليبرمان رئيس هيئة شؤون الأمن القومي والشؤون الحكومية يريد محاكمة صحيفة «نيويورك تايمز» لأنّها نشرت الوثائق. كذلك توم فلاناغان، مساعد وزير خارجية كندا، نادى بالتخلّص من جوليان أسانج قتلاً! كلّ ذلك لأنّ أسانج يعرّض «الأمن القومي الأميركي» إلى الخطر، أي أمن أمبراطورية حقيقية تمتدّ عبر الكوكب بأسره، عندما يفضح هذا الأخير كلّ مراسلات الدبلوماسية الأميركية من 1966 حتى اليوم على الملأ، وهي كميّة تعادل نحو 3000 كتاب.
إنّ ما يحدث اليوم هو الدخول عنوةً الى أحشاء الأمبراطورية لا لتهديد المصالح الآنيّة للأمبراطورية وحسب، بل هناك أيضاً وعد بتعرية كلّ الأيديولوجيا التي تبثّها الولايات المتحدة وحلفاؤها الى «الآخر» ـــــ عبر وسائل الإعلام الكوربوراتية والمنظّمات غير الحكومية التي تموّلها US AID وخبراؤها ومثقّفوها عبر العالم. نتكلّم خصوصاً عن هؤلاء المثقفين الذين يمكن شراؤهم والمستعدّين لتسويق مفاهيم جديدة تختارها الخارجية الأميركية كالمبادرة الحرّة والحوكمة والدمقرطة. إنّ كلّ ذلك سينهار تدريجاً إذا تمكّن الكلّ، عبر إنترنت ديموقراطي ولأوّل مرّة، من النظر الى كل الملفّات التي يحتفظ بها أمير ماكيافللي حول أمور مملكته الراهنة. هذا أمر غير مسبوق في التاريخ، ولا يجوز التخفيف من شأنه.

أسانج والإنسان الما بعد حداثوي

يمكن القول إنّ أسانج يجسّد ماهية الإنسان الما بعد الحداثوي بنحو مثالي. إنّه ذلك الصحافي الأوسترالي الذي يقضي وقته متنقّلاً بين أوروبا والقارة الأميركية عابراً للحدود الجغرافية للدولة الوطنية كلّ الوقت. وموقع ويكيليكس وفلسفته عن «الصحافة العلمية» التي تتعهّد إبراز وثائق رسمية عن أخبارها، التي مثّل لها أسانج الرمز منذ أربع سنوات حتى اليوم، ليس رمزاً عابراً لفضاء الإنترنت فقط، بل هو أيضاً في قلب عالم «الإشارات والتحوّلات» الافتراضي الذي يثير بهجة الما بعد الحداثويين المستمرّة. صرّح أسانج في بيانه الأخير بأنّه يؤمن بمبدأ «الحرب العادلة» التي «تضطر بعض البلدان الى القيام بها أحياناً»، وهذه من الأفكار التي حاولت الأمبراطورية دوماً تسويقها، مما يدلّ على أنّ اسانج، بطريقة من الطرق، هو نتيجة تلك الأيديولوجيا المهيمنة نفسها.
ومن الواضح أنّ «المواطنية العالمية» التي تكلّم عنها نيغري ليس جائزاً لها إلّا أن تكون افتراضية، فمن غير المسموح أن تسبب هذه تحوّلات مادية للعالم كما يحدث مع ويكيليكس ـــــ أسانج. المسألة كلّها هي أنّ ديموقراطية «ما بعد الحداثة» التحريرية كانت دائماً وهماً افتراضياً محصوراً بمساحة تعبير كوربوراتية تتحمّل جزءاً من النقاش الذي يدور في الفضاء العام وليس كلّه حتماً. لكن في المرّة الوحيدة التي شَخْصَن فيها أسانج تلك المواطنة الما بعد حداثوية عبر وثائق ويكيليكس، فتحوّلت إلى حقيقة مادية، نجدها تتعرّض للسقوط بعد الهجوم عليها من مختلف أطراف الأمبريالية العالمية! أيّ إنّ لحظة ظفر الإنسان الما بعد الحداثوي بامتياز، هي نفسها لحظة سقوط ذلك الإنسان عندما قُبض عليه في إنكلترا على شاشات التلفزة. يمكن القول حينها إنّ أيديولوجيا ما بعد الحداثة ـــــ عبر ويكيليكس ـــــ تموت يومياً ميتةً حداثية أكثر من ذي قبل. إنّها استحالة انّ يتمكن الأمبراطور من المشي بينما تُمزّق ثيابه كلّ يوم، بنحو استعراضي أمام جماهير «السواد» النيغروية المتفرّجة. بل سنكتشف خلال التسريبات «الويكيليكسية» أنّ السردية الوحيدة الممكنة والشاملة حكماً لأكثر لحظة ما بعد حداثوية في التاريخ، ستكون في الوقت نفسه مجرّد إثبات آخر على حداثة رأسمالية تحتويها وتفسّرها.

ويكيليكس والعلاقات الدوليّة

من يتابع تقارير الدبلوماسيين الأميركيين المسرّبة يلاحظ أنّ معظمها أقرب إلى رسائل تجسّس منها إلى رسائل دبلوماسية. من نصوص تفصّل مجون ليالي أفراد العائلة المالكة السعودية، إلى أخرى تشي باهتمام كامل بمصالح شركة «شل» في نيجيريا وصولاً الى طلبات من الوزيرة هيلاري كلينتون من دبلوماسييها تجميع كل ما يمكنهم من معلومات عن موظفي الأمم المتحدة، يبدو أنّ جزءاً لا يتجزأ من وظيفة الدبلوماسية الأميركية هو العمل الاستخباري على مدار الساعة في كل الحقول الاقتصادية والسياسية وحتى الاجتماعية في أيّة بقعة من الأرض. يمكن الاستنتاج من ذلك أنّ حقل العلاقات الدولية في تصوّراته لنفسه، الأكاديمية والأبستيمية، سيتغيّر عميقاً بعد تسريبات ويكيليكس الأخيرة، فمن جهة أولى يبدو واضحاً أنّ كلام الدبلوماسية العلني لا علاقة له بما يجري على الأرض، وهذا له ترتيبات خطيرة حين يتوقّف الشعب عن تصديق أكاذيب حكوماته أو حين يعي محلّلو العلاقات الدولية كم أنّ المسألة تتعلّق بالمصلحة المباشرة للمركز باستغلال الأطراف وتبعية تلك الأطراف الاقتصادية للطبقة السياسية الرأسمالية الأمبراطورية المسيطرة (فجأة نجد أنفسنا «ننزلق» مجدّداً لنستعمل مفاهيم ماركسية!) عندما نقرأ مثلاً برقية هيلاري كلينتون عن المصالح الاقتصادية الحيوية في العالم بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية. يبدو واضحاً، من جهة ثانية، أنّ الغياب المنهجي السائد اليوم في حقل العلوم السياسية لدراسة العلاقة المادية بين الطبقات المسيطرة على المركز وتلك المهيمنة داخل دول الأطراف هي من الأسباب التي يمكن أن تفسّر ابتعاد التحليلات السياسية للوضع الدولي عن الذي نقرأه في الوثائق المسرّبة. أخيراً، من شأن ويكيليكس أن تحيل كلّ محاولة تفسير للعلاقات الدولية والتصرّف الأمبراطوري الى قراءة ماركسية ذات تفسيرات مادية الطابع للظواهر بدل المثاليات الابستيمولوجية التى يُلجأ إليها عادة لتفسير الأحداث الدوليّة.

الأمبراطورية لا تتآمر على نفسها

لعلّ ما يثير الاهتمام في العالم العربي هو توالد نظريات المؤامرة حول أسانج وويكيليكس. فيكتب أمين حطيط في جريدة السفير (9/12/2010) بكل ثقة «إنّ نظرة على هذا المشهد في مضمونه وتتابع حلقاته تؤدي بالعاقل المتبصر إلى القول بنحو ليس فيه حرج، إنّ من سرب الوثائق هي أميركا نفسها وليس في العمل سرقة أو سطو أو... إلخ، بل هو تسريب منظّم يرمي فاعله الى تحقيق أهداف خطط لها.. والآن قد نسأل من المسرِّب؟ الأرجح أن المسرِّب هو جهاز السي. آي. إيه».
فعلاً نسأل كيف يمكن «عاقلاً متبصّراً» القول إنّ أميركا أفشت من تلقاء نفسها كلّ أسرارها، مما سبّب أكبر أزمة دبلوماسية لها في التاريخ؟ وأنتج ذلك أيضاً كوارث في العلاقات الدولية بين ليلة وضحاها كالتوتّر القائم الآن مع روسيا بعد الكشف عن خطط أميركية لمواجهة هجوم روسي على بلدان البلطيق، أو حين يعرف الأفراد في العالم العربي أنّ المملكة العربية السعودية كانت تتآمر ضد المقاومة اللبنانية وتطلب اجتياح أميركا والحلف الأطلسي للبنان؟ أمّا النسخة الناعمة والمتحذلقة بعض الشيء لنظرية المؤامرة، فنرى لها مثالاً عند فاضل الربيعي الذي كتب على موقع الجزيرة إنّ ويكيليكس هي بمثابة «الدويلة الافتراضية» التي اختُرعت لتشنّ هجومها في أيّ وقت وأيّ زمان. ويفسّر ذلك على أنّه محاولة لزعزعة النظام العالمي بسبب نشوء «فاشية أميركية جديدة» موجّهة ضد أوروبا، لأنّ معظم الوثائق برأيه «جاءت لتمس الصميم وعلى وجه التحديد وزارة الخارجية وأطقمها الدبلوماسية في أوروبا والشرق الأوسط». وكتب: «يدور نقاش حقيقي في الأوساط العسكرية والأكاديمية حول ظروف تحوّل الولايات المتحدة إلى دولة فاشية، وهناك من يرتئي أنّ العقيدة الفاشية هي العقيدة الوحيدة التي تناسب القوة الأعظم».
لا يخبرنا الربيعي من اخترع «دويلة ويكيليكس»، ولمصلحة أيّ فاشية تلك التي تعرّض كل المصالح الأمبراطورية دفعة واحدة؟ أليست الولايات المتحدة والناتو فاشيّين كفاية اليوم؟ ثم إنّ استعمال كلمة «الدويلة» المشتقّة من كلمة الدولة، واستعادة فترات تاريخية للمواءمة السطحية، إنّما يشير الى تحليل اعتباطي وتعميمي لمرحلة من التاريخ تختلف عمّا يحدث اليوم. لقد ظهرت الفاشية في دولة معيّنة هي إيطاليا كانت فيها طبقة حاكمة رأسمالية كوربوراتية تستميل الفقراء عبر خطاب شعبوي وسيطرة بوليسية لتجنيدهم في حروب ضد الآخر الأوروبي. إلّا أنّ كلام الربيعي هو افتراض وجود صراع ما بين النخب الأمبريالية الأميركية والأوروبية، وهذا ما لا دليل عليه اليوم. وحتى لو كان ذلك صحيحاً، فإنّه لا يشبه وضع إيطاليا الفاشية من قريب ولا من بعيد. إنّ المثالين أعلاه يشيران إلى أزمة أساسية في نظريّات المؤامرة التي تتعلّق بالنظرة إلى الغرب على أنّه كلٌّ يهجم على كلٍّ آخر هو العرب، أنظمةً وشعوباً، لا حول لهم ولا قوة. إنّها تنكر وجود مقاومين للأمبراطورية كما لدينا نحن ولو بأشكال ودرجات مختلفة. كذلك هي تعظّم الغرب الى نقطة لا جدوى بعدها من المقاومة. إنّها لا تعدو كونها احتقاراً معاكساً لقدرة البشر العاديين أينما وُجدوا على مواجهة الهيمنة والظلم، ربما لأنّ البعض لا يعتقد أنّ هناك من هو مستعدّ اليوم لدفع ثمن غال مقابل الحفاظ على مبادئه مثل أسانج.

ليس «كلّه صنيعة إسرائيل»

إحدى أغرب الكتابات عن ويكيليكس كانت بقلم الكاتب ساطع نور الدين في جريدة السفير، ويبدو أنّه لم يشاهد محطّة الجزيرة حين سرّبت الوثائق العراقية سابقاً ولم يقرأ الوثائق التي نشرتها «الأخبار» حصرياً، فكتب «إنّ ما يرقى الى مستوى الإهانة للإعلام العربي، وتالياً للثقافة العربية، ألّا يتحرش موقع ويكيليكس بأي مطبوعة أو محطة تلفزيونية عربية ناجحة أو واسعة الانتشار على الأقل، ليعرض عليها مثل تلك البرقيات» (4/12/2010). وكتب نور الدين أيضاً «بغضّ النظر عن سذاجة مؤسس موقع ويكيليكس جوليان أسانج الذي أشاد برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي رأى أنّ نشر البرقيات الدبلوماسية الأميركية خدم السلام في الشرق الأوسط». يغفل نور الدين ذكر سبب الارتياح الإسرائيلي النسبي لويكيليكس، وهو إظهارها تحالف قيادات بعض الأنظمة العربية العلني مع إسرائيل والولايات المتّحدة ضدّ إيران. كذلك يجب وضع الأمور في نصابها عند النقاش، فأسانج ليس الرفيق وديع حداد، بل هو مثال الليبرالي الغربي الذي يرى أنّ إسرائيل تنتمي الى أوروبا بسبب عقدة الهولوكوست. ونشير بالمناسبة إلى أنّ نتنياهو نفسه كان قد صرّح غداة 11 ايلول 2001 بأنّ ما حدث هو لمصلحة إسرائيل، فلماذا لم نستنتج حينها أنّ اسرائيل هي من دمّر البرجين؟
إنّ إحدى الحجج الأساسية التي يستعملها منظّرو المؤامرة هنا هي أنّ إسرائيل لم تتأثّر بالبرقيات المسرّبة، فيستنتجون حينها أنّ أسانج هو عميل للموساد. يمكن الردّ على ذلك بالقول أوّلاً، إنّ البرقيات التي نُشرت ليست إلّا جزءاً ضئيلاً من ربع مليون وثيقة موجودة وسنرى حتماً ما يتعلّق بإسرائيل في المستقبل. يمكن، ثانياً، استعارة تفسير بول كريغ روبرتس، مدير تحرير صحيفة «وول ستريت جورنال» السابق وسكرتير مساعد سابق لخزينة الولايات المتحدّة، الذي كتب «إنّ الشائعة عن أنّ أسانج عميل للموساد تبثّها الاستخبارات الخارجية». وشرح أنّ تحفّظ الدبلوماسيين الأميركيين في برقياتهم على التجسّس على إسرائيل قد يكون مردّه أنّ هؤلاء لديهم كبت حقيقي بكل ما يتعلّق بالدولة العبرية خوفاً من اتّهامهم باللّاسامية والعداء لها من جهة، ولرغبتهم بإرضاء رؤسائهم عبر إسماع هؤلاء ما يرغبون بسماعه، وذلك يفسّر أيضاً بعض الأخطاء التي وردت في بعض البرقيات.

الحقيقة الماركسيّة والعمل اللينيني

تكشف لنا ويكيليكس صحّة التحاليل الماركسية بشأن الرأسمالية بوجهها النيوليبرالي المهيمن في المركز الأمبراطوري، أي مجموعة مصالح الرأسمالية الأميركية والرأسمالية الأوروبية التي تستعمل الذراع العسكرية الأميركية والناتو لاقتسام موارد الجنوب. إنّها بساطة الحقيقة الثورية بمعناها الماركسيّ. لكنّ الحقيقة وحدها لا تكفي، انّما العمل على إنشاء واقع بديل هو مهمّة اليسار العربي والعالمي الضعيف والمتثائب اليوم. العمل بالمعنى اللينينيّ الذي نكاد أن نكون قد نسيناه، هو ما نحن بحاجة إليه اليوم. إنّ مهمة اليساريين في العالم هي استغلال انحدار القوة الأمبراطورية لأميركا وحلفائها لإنشاء بديل منظّم يستطيع طرح برنامج ثوري عملي على كلّ الصعد، بدل الإغراق في التحاليل المؤامراتية الذي هو من جهة محاولة تبريرية ضمنية لعدم عمل أيّ شيء فعّال، ومن جهة اخرى لكتم صوت كلّ من يحاول أن يقول عكس ذلك.
الحقيقة اليوم أسطع من الشمس مع ويكيليكس، فأين اليسار ومهمّته التغييرية في العالم العربي والعالم أجمع؟

* باحث لبناني